أدرك بأنه ليس من المقبول الحكم على فيلم من الأفلام انطلاقاً من موقفي الفكري الخاص كأن أصف فيلماً سيئاً بالرائع لأنه –فقط- وافق "هواي" الآيديولوجي. وأؤمن بأنه لا بد من الحكم على الفيلم بما يقوله وبما يحويه من دلالات فكرية وجمالية دون اعتبار لموقفي مما يقوله, فعندما أشاهد فيلماً عن معاناة الأسرى في المحرقة النازية, مثل فيلم "قائمة شندلر", فلا يمكن أن أغالط حقيقة جمال الفيلم وروعته –فقط- لأن لدي موقفا ضد استغلال اليهود للمحرقة.

إلا أن هذه الاعتبارات النقدية "المثالية" لم تمنعني من إقحام رؤاي الخاصة في فيلم جديد يلعب بطولته النجم براد بيت بعنوان (الحرب العالمية Z The World War), حيث تم إقحام اسم إسرائيل في الفيلم بشكل فج ودون مبرر درامي حقيقي, سوى الرغبة في تمرير فكرة "اليهودي الطيب", وتكريسها عالمياً عبر السينما, وذلك بعد أن تم تسويقها أدبياً بفضل الرواية الناجحة التي تحمل نفس الاسم ونشرت عام 2006 للكاتب الشاب ماكس بروكس ابن الممثل اليهودي الشهير ميل بروكس. فما ذكره الفيلم –كما الرواية- عن إسرائيل يمثل دعاية كبيرة لإنسانيتها ولحرصها على إنقاذ العالم من وحوش "الزومبي" الذين يتربصون لها في كل مكان.

يروي الفيلم حكاية وباء فيروسي مدمر ينتشر في العالم ويحول كل من يصاب به إلى "زومبي" مسعور متعطش للدماء. ويؤدي براد بيت في هذه الدراما الكارثية شخصية موظف في الأمم المتحدة يتم تكليفه بمهمة البحث عن مصدر الفيروس لكي يدرسه العلماء على أمل أن يعثروا على دواء ناجع ينقذ البشر من دمار محقق. وهكذا يذهب الموظف لأكثر من بلد بحثاً عن المستحيل وسط ملايين وحوش "الزومبي" التي تلاحقه في كل مكان.

لا أنكر أن الفيلم جيد من الناحية الفنية, ومتقن الصنع, ومثير جداً, ويمثل تجربة ممتازة لمخرجه مارك فورستر (مخرج الأفلام الرائعة "العثور على نيفرلاند" و"سترينجر ذان فيكشن" و"عداء الطائرة الورقية), ورغم ذلك فلم أستطع قبول وجود إسرائيل ضمن البلاد التي زارها موظف الأمم المتحدة, وكونها الدولة الوحيدة الناجية من هذه الوباء الذي عمّ العالم, فمن حيث سياق الحدث كان بالإمكان الاستعاضة عن إسرائيل بدولة أخرى دون أن يؤثر ذلك على مضمون القصة, إلا إذا كان لوجودها مغزى أكبر, فهنا لا بد من السؤال: لماذا إسرائيل تحديداً؟

تظهر إسرائيل في الفيلم بوصفها الدولة التي انتبهت مبكراً لخطر الفيروس واستفادت من جدرانها العازلة "الكبيرة" لإنقاذ شعبها من خطر الزومبي الموجودين خارج الأسوار. يكتشف موظف الأمم المتحدة ذلك عندما كان في كوريا ويصر على زيارة إسرائيل لمعرفة كيف انتبه اليهود للفيروس مبكراً. وعند وصوله إلى هناك تتضح له أهمية الجدار العازل في إنقاذ الشعب الإسرائيلي, كما يكتشف "إنسانية" الدولة اليهودية التي وضعت بوابات صغيرة لاستقبال الناس الذين لم يتعرضوا للفيروس والموجودين في الخارج؛ وذلك دون أن تكترث بانتماءاتهم الفكرية والدينية, لأن المهم هو إنقاذ الإنسان البريء بأي طريقة.

وهنا لا تستطيع أن تعزل نفسك عن فكرة "الجدار العازل" التي بدأت إسرائيل بتنفيذها منذ سنوات في فلسطين للحد مما تسميه بالإرهاب, والتي وجدت أصداء سلبية حول العالم وفضحت الدولة الصهيونية وجعلتها تبدو على حقيقتها؛ دولةً قمعية تقوم باضطهاد الفلسطينيين بشكل ممنهج. حتى أصبح للجدار العازل معنى سلبي يفوق قدرة إسرائيل على التزييف وقلب الحقائق.

لكن الفيلم يقدم تطبيعاً لهذه الفكرة, وتسويغاً لها, وتبريراً أخلاقياً وسياسياً, وتسويقاً لا يحلم به حتى أشد اليهود تعصباً, فالجدار الموجود في الفيلم, والذي بالضرورة سيتعاطف معه المشاهد, إنما هو جدار إنساني لم يبن إلا لإنقاذ اليهود من وحوش الزومبي (العرب ربما!) المتربصين خارج الأسوار, كما أن الدولة العبرية –رغم الخطر الذي يتهددها من الخارج- حريصة على القيام بدورها الإنساني في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس المختلفين عنها.

هل هذا التأويل مبالغ فيه؟ وهل هو خارج عن سياق قصة الفيلم؟ الأكيد أن هذه الأفكار ستمر في ذهنك رغماً عنك, ورغم حرصك على الموضوعية.. فلماذا اختيرت إسرائيل تحديداً؟ ولماذا تم تكريس "إنسانية" الجدار العازل وإقحامها في فيلم ممتاز ومثير ورائع مثل هذا؟!