عبر مسيرتك الخاصة هناك أناس يؤثرون فيك.. ويتركون بصمات خفية لا تكاد تشعر بها.. لأنها تفعل فيك دون وعي مباشر منك.. أي أن أثرهم أو تأثيرهم عليك يتم من منطلق اعجابك بهم الذي يسري فيك دون أن تدرك أنه سوف يمتد ليؤثر في شخصيتك.. حتى وأنت لا تريد أن تعترف به.. من هؤلاء استاذ كبير مثل «عابد خزندار».

ودون أي ادعاء أقول.. عرفته ولم أعرفه.. فبعد ان اعجبت بشخصية الكاتب الفنان فيه.. حاولت أن أتودد إليه.. خلال لقاءات عابرة عبر تواجده في مهرجان «الجنادرية».. وعبر لقاء وحيد رافقته فيه لمنزله.. لكن ذلك لم يكن هو اللقاء.. حيث التقيته بعد ذاك بعدة سنوات.. بعد أن قادني لمنزله الزميل والصديق فايز أبا.. ثم توالت اللقاءات.. وتبادل الزيارات.. ونزهات العشاء العائلي الذي كان يشاركنا فيه دائماً الفنانتان الكبيرتان شادية ورجاء عالم.. وفي تلك الأجواء يفتنك الأستاذ بتواضعه الذي يندر ان تجد له مثيلاً في أبناء جيله.. حتى أنك في أحيان كثيرة تجد أن فارق السن والخبرة والتجربة والثقافة يكاد يتلاشى.. لأن الأستاذ الكبير يسعى جاهداً لمجاراتك والاصغاء إليك بتواضع جم ولا يسعى أن يفرضك مستمعاً له هو الذي عنده كل ما يستحق الاصغاء إليه.. وخلال اللقاءات التي امتدت عدة سنوات لم أسمعه ولا مرة واحدة يتحدث عن نفسه أو عن تجربته الثرية.. التي تمتد من مختلف مراحل دراسته في مصر التي خرج من مكة إليها.. عن تجربته الثقافية التي اختزنت الكثير وفعلت فيه فيما يشبه العزلة وعن تجربته الحياتية التي تنقل خلالها في مناطق كثيرة من بلادنا حين عمل مهندساً زراعياً.. أو عن أتون المعاناة الشاقة التي كادت تنال منه.. لولا أنه وجد مخارجات كثيرة حمته من الذل والهوان وحمته من السقوط في تلك البؤر التي سقط فيها كل من مر بنفس التجربة التي مر بها.. أو أكثرهم على الأقل.. وكانت تجربته في أوروبا.. وتجربته في العمل المستقل هي المحك الحقيقي.. ولم يعد لممارسة أي دور ثقافي إلاّ في مرحلة نضج حالت دونه والوقوع في مزالق الثقافة والمثقف المدعى الذي عانينا من الأدوار التي لعبها.. ولو أن الأستاذ تفرغ لكتابة تجربته ومعاناته لقدم لنا أهم ما يمكن أن نجده في مكتبة الثقافة السعودية وربما العربية.

أعود للأثر الذي تركه فيّ دون أن أشعر.. فأجد أنني أخذت منه الكثير.. الذي كان ركامة حفياً يفعل فيّ خلال سنوات لقائنا.. والذي أجد أنه بعد ذاك لعب دوراً ايجابياً.. على الأقل في تعليمي نعمة التواضع والقدرة على التأمل والاصغاء.. وهي أشياء ما كنت لادرك أهميتها قبل أن تبثها فيّ روح الأستاذ عابد خزندار الذي يعد أهم مثقف مر على بلادنا خلال ما يقرب من نصف قرن.