يبقى كثير من خريجي الثانوية العامة في كل عام دراسي بعيدين عن مقاعد الدراسة في الجامعات، نتيجة عدم قبولهم فيها، وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة من المقبولين التي يتم الإعلان عنها مع بداية كل عام جامعي، إلا أنه تبقى هناك أعداد كبيرة أخرى لم تتح لها الفرصة في مواصلة دراستها؛ بسبب تدني النسبة المئوية في شهادة إتمام الثانوية العامة، بما تشتمل عليه من اختبارات القياس والقدرات، بل ربما حصل أولئك على فرصة قبول في منطقة تبعد عن مقر إقامتهم مئات الكيلومترات؛ فيضطرون حينها للانضمام إلى صفوف غيرهم من المنتسبين إلى البطالة قبل أن يعاودوا الكرة من جديد ليحظوا بفرصة القبول للدراسة الجامعية في العام اللاحق، وهذه – من دون شك - مشكلة كبيرة وخلل واضح لابد من إعادة النظر فيه والالتفات إليه، فالتعليم الجامعي لابد أن يتحول من مجرد نسبة مئوية واجتياز لاختبار القياس والقدرات إلى حق عام لابد من أن يحصل عليه أي طالب، بمعنى أن تكون هناك مرحلة انتقالية تلي الدراسة الثانوية.

وعلى الرغم من كل ذلك فإنه يبقى هناك سؤال حائر ومهم في الوقت نفسه من الضروري أن يتم التأمل في خلفياته وتوابعه، وهو: ما الذي سيحل بالطلاب والطالبات الذين لم يتم قبولهم داخل أروقة الجامعات إلى أن تحين فرصة قبولهم بعد مرور عام جامعي أو عامين؟، في ظل أن إمكانية انضمامهم إلى صفوف العاطلين ممن سبقوهم أمر له انعكاساته السلبية بشكلٍ يمكن معه أن يتسبب في تهديد اقتصاد وتنمية الوطن، إلى جانب مخالفته الرؤية التي ينشدها خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله ورعاه - وبالتالي يحق لنا - والحال كذلك - أن نتساءل عن إمكانية وجود مايمكن تسميته ب: "بديل القبول الجامعي" بما يشتمل عليه من تقديم دبلومات ودورات وبرامج تأهيلية للطلاب والطالبات غير المقبولين، على أن يتم إلحاقهم بها وتزويدهم بدورات تأهيلية أو أعمال مكتبية أو دورات فنية صناعية وتنظيم ورش عمل مستمرة وذلك بالتنسيق بين العديد من الجهات ذات العلاقة بشكلٍ يطور من مستواهم ويؤهلهم مستقبلاً للانخراط في سوق العمل، على أن يكون لهذه الدورات والبرامج دور في تحسين درجات الطالب والطالبة بما يؤثر بشكل إيجابي في عملية قبولهم في الجامعات في العام الجامعي اللاحق إن هم أرادوا ذلك.

دبلوم التأهيل الجامعي

وأشار "د. عبدالله الحمود" - مستشار نفسي وإداري، وخبير تدريب برامج التنمية البشرية - إلى أن فكرة تبني ما يعرف ببديل التعليم الجامعي أو دبلوم التأهيل الجامعي تعد فكرة جيدة متى ما تم تطبيقها؛ وذلك لأن الطلاب عندما لا يتم قبولهم في الجامعات فإن انقطاعهم عن مصادر التعليم يؤدي إلى تناقص المعلومات لديهم، ما يؤدي إلى تناقص خبرتهم ومعرفتهم، وبالتالي انعدامها نهائياً بعد مرور سنوات عدة، مضيفاً أنَّه إذا تمَّ دعمهم بدورات تدريبية وبرامج تأهيلية تتعلق بتخصصهم أو تكون قريبة منه، إلى جانب تزويدهم بالعديد من المهارات الأخرى فإن ذلك سيكون له تأثيراً إيجابياً عليهم، موضحاً أنه حتى وإن لم يتم قبولهم في الجامعات أثناء العام الجامعي اللاحق فإنه سيصبح لديهم حرفة يستفيدون منها، لافتاً إلى أنه من الممكن أن يغير الطالب هنا من قناعاته ويحول اتجاهه من الالتحاق بالجامعة إلى الانخراط في أي نوع آخر من المعاهد ليحصل على شهادة الدبلوم المتخصص أو الدبلوم المهني قبل أن يلتحق بالوظيفة التي تناسبه.

وقال إن ذلك سيؤدي بالتالي إلى تحقيق العديد من الفوائد الكبيرة، ومنها التخفيف على الجامعات، إلى جانب منح الفرصة لمن لا يتم قبولهم في الجامعات نتيجة انخفاض المعدل التراكمي في شهادة الثانوية العامة، مبيناً أن تطبيق هذه الفكرة يحتاج إلى تفكير وتعاون العديد من مؤسسات المجتمع المدني كالكليات أو المراكز، ومتابعة من المعنيين سواء كانوا على المستوى الرسمي أو على مستوى مراكز التدريب الأهلية، مؤكداً على أن تعميم هذه الرؤية سينعكس بشكل إيجابي على العديد من شرائح المجتمع وليس على الطلاب الذين لم يتم قبولهم في الجامعات فقط، ذاكراً أن ذلك سيؤدي إلى نزع الشعور النفسي السلبي الناتج عن عدم الإنتاجيَّة والانضمام إلى قائمة مايُسمى بالبطالة، إلى جانب الإفادة من الطاقة الكامنة لدى الطلاب غير المقبولين عوضاً عن الانتظار لسنة أو أكثر، وخاصَّة في ظل وجود مئات الوظائف التي تدعو الحاجة إلى شغلها بكوادر وطنية.

وأضاف أنَّه لابُدَّ أن يُرافق هذا البرنامج برنامج آخر توعوي بهدف إقناع وحث الطلاب على الانخراط في بيئة عمل قد لا تتوافق بالضرورة مع كافة تطلعاتهم بشكل تام، إلا أنها تبدو قريبة من اختيارهم، مشيراً إلى أنَّ القليل من تحقيق الرغبة خير من عدم تحقيقها أبداً، مؤكِّداً أن على الجهات المعنية في حال تم تبني هذا المشروع تزويد الطلاب بالعديد من الدورات التدريبية والبرامج التأهيلية، ومن ذلك ما يُلامس حاجاتهم الوظيفيَّة مُستقبلاً، مُوضحاً أنَّها لابُدَّ أن تتضمن دورات في الإدارة والسكرتارية والتسويق، لافتاً إلى أنه من المُمكن أن تكون هذه الدورات والبرامج ذات فترات زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، على أن يكتسب الطالب خلالها المهارات الضرورية اللازمة، إذ ليس من الضروري أن تتضمن دورات في اللغة الانجليزية أو الحاسب الآلي، ولكن من الممكن أن تكون دورات توفِّر مايحتاجه سوق العمل، مبيناً أن عقد هذه الدورات والبرامج القصيرة من الممكن أن يتم التنسيق فيه بين وزارة العمل والجهات ذات الاحتياج، على أن يتم إلحاق الطالب بعد إتمامها بعمل مؤقت يستفيد منه، داعياً إلى إنشاء أقسام للدورات التطويريَّة القصيرة داخل الجامعات.

الوظائف الوسيطة

وأكد "د. عبدالعزيز بن إبراهيم السويل - عضو مجلس الشورى الأسبق بلجنة الشؤون التعليمية والبحث العلمي - على أن هذا المشروع كان لابد أن يكون موجوداً منذ فترة طويلة؛ لكونه من البديهيات التي كان من اللازم الأخذ بها، وخاصةً أنَّ العديد من دول العالم الأخرى سواء المتقدمة أو غير المُتقدمة تهتم كثيراً بما يسمى بالوظائف الوسيطة، مضيفاً أنه من الضروري أن يتحقق ذلك على صعيد مجتمعنا في المملكة، موضحاً أنه لو كان كافة أفراد مجتمعنا من حملة شهادة الماجستير والدكتوراة فإنه لن يبق لدينا من يعمل في هذه الوظائف، مشيراً إلى أن التعليم الجامعي غالباً مايتسم بالجانب النظري، كما أنه لا يركز كثيراً في التطبيق العملي، لافتاً إلى أن العمل والتعليم الفني هو عمل تطبيقي يحضر الإنسان لممارسة العمل الحقيقي، مبيناً أنه في حال تم تطبيق هذه الفكرة فإنه سينتج عن ذلك عدد كبير من الكوادر المؤهلة التي من الممكن أن تشغل الوظائف الوسطى، ولكان ذلك مدعاة للاستغناء عن عدد كبير جداً من العمالة الوافدة.

وأضاف "د. السويل" أن على الصناديق التي أنشأتها الدولة تبني تطبيق هذه الفكرة وإعطاء حوافز مادية وضمان توفير الوظيفة لمن يرغب الدراسة العملية الوسطى، إلى جانب تزويده بالبرامج التي تؤهله لاكتساب مهارات معينة أو دبلومات لاتتطلب الانخراط في الجامعة، وخاصة في ظل تشبع العديد من المؤسسات والهيئات بعدد كبير من المدراء والإداريين وحملة شهادات "البكالوريوس" و"الماجستير" و"الدكتوراه" بشكل زائد عن الحاجة، في الوقت الذي يوجد فيه حاجة ماسة لمن يتم تأهيلهم وإلحاقهم بدورات من الممكن أن تخلق فكراً جديداً، مشيراً إلى أنَّ على "وزارة العمل" أن تتبنى هذا النهج كخط جديد بالتضامن مع العديد من الجهات الأخرى ومن بينها الجامعات.

السنة التحضيرية

ولفت "د. سعد بن ناصر الحسين" -عميد شؤون أعضاء هيئة التدريس والموظفين بجامعة الملك سعود- إلى أن تنظيم هذه الدورات التدريبية التأهيلية ليست من مسؤولية الجامعات، مضيفاً أن هناك العديد من الجهات الأخرى التي هي أولى بتطبيق هذا المشروع بما يتضمنه من دورات وبرامج من الجامعات، ومن ذلك "المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني" و"وزارة التربية والتعليم"، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يكون هناك تنسيق بين العديد من الجهات المعنية لتبني تنظيم هذه الدورات والدبلومات، إلا أن ذلك يصعب أن تتبناه الجامعات، موضحاً أنه ليس من مهام "جامعة الملك سعود" أن تهتم بطلاب الدبلومات إذ أن لديها كليتي "المجتمع" و"كلية الدراسات التطبيقية" اللتان مهمتهما تقديم شهادة "الدبلوم" لمن لم يتم قبولهم في الجامعات.

وأضاف أن "السنة التحضيرية" وهي ماتسمى "السنة التحضيرية الموازية" يتم فيها قبول الطلاب الذين لا يتم قبولهم لدراسة بعض التخصصات غير أنهم لايحصلون على المكافأة الشهرية، موضحاً أنه يتم تأهيلهم بعد مرور عام كامل، وعندما يثبتون جدارتهم فإنه يتم إلحاقهم ببرامج أكاديمية، مشيراً إلى أن بإمكان "وزارة الصناعة" و"المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني" تنظيم هذه الدورات عندما تتعلق بالجانب الفني أو المهني، على أن تقدم العديد من الجهات المعنية الأخرى برامج ودورات تتناسب مع متطلبات سوق العمل.


د. عبدالله الحمود

د. عبدالعزيز السويل

د. سعد الحسين