تعرض الدكتور سعد بن سعيد بن محمد الحميدي أستاذ التاريخ المشارك، جامعة الملك خالد، أبها لموقف الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود يرحمه الله من القضية الفلسطينية في دراسة مفصلة اوضحت جليا مدى ما قدمه يرحمه الله لنصرة هذه القضية الحيوية التي مازال العالم العربي يحملها امانة في عنقه ونعرض هنا لملخص هذه الدراسة حيث تفيد بانه عندما تولى الملك فهد بن عبدالعزيز يرحمه الله الحكم ، أخذ على عاتقه الهم الفلسطيني في ثلاثة مظاهر؛ أولها الدعم السياسي، وثانيها الدعم المادي، وثالثها ما يتصل بالقدس وبالذات المسجد الأقصى من عمارة تؤكد الهوية الإسلامية لها وأهمية هذه المدينة لدى المسلمين.

الدعم السياسي لقضية فلسطين من خادم الحرمين الشريفين

أن اهتمام الملك فهد بن عبدالعزيز بالقضية الفلسطينية يعود إلى المرحلة التي كان فيها وليا للعهد. فقد دعا إلى الجهاد المقدّس من أجل تحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي. وكان لدعوته تلك صدى بليغ في المجتمع الدولي من بعض الدول التي تقدم دعمها غير المحدود لدولة يهود أو الدول الإسلامية التي تقدر حجم المملكة العربية السعودية دوليا.

وتبدو الرؤية واضحة لدى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد إذ يقول: «دعوتنا إلى الجهاد المقدس من أجل تحرير الأرض واستعادة القدس الشريف لم تنطلق من فراغ ؛ فنحن ولله الحمد مسلمون، وهذه هي دعوة الإسلام لأمة الإسلام في كل زمان ومكان للذود عن دارة السلام التي هي أرض المسلمين ورد الشر عنها مهما كانت التضحيات، والشهادة في سبيل الله كانت وستظل دائما هي عناية كل مسلم».

وتتضح الأهمية السياسية والعملية لدعوة الجهاد كما يراها الملك بقوله: «ودعوتنا للجهاد المقدّس كما كانت ناقوسا نبّه العالم إلى خطورة ما يُحاك لنا، كانت منطلقا لدعوتنا إلى استراتيجية عمل إسلامي مشترك ينتظم الجهاد بالمال والنفس والإعلام والاقتصاد والسلاح إذا لزم الأمر في مواجهة تحديات أعدائنا، وفي مقدمتهم إسرائيل التي اغتصبت فلسطين من أهلها وما زالت تواصل تآمرها لضم القدس المحتلة وجعلها عاصمة موحدة لكيانها الصهيوني»

ويذهب بعض الباحثين إلى أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يتبع أسلوب الدبلوماسية الهادئة مجتنبا أساليب الصخب والإثارة والتهديد وإلقاء الكلام على عواهنه، منتهجا أساليب الحكمة والهدوء، إلى جانب الصراحة والصدق والنصيحة مع زعماء الدول الكبرى وغيرها مما أكسبه احتراما وقوة، وأنه جريء وصريح وعنيد لا يبتغي شهرة، ثابت لا يتقلب، يسعى لمصلحة بلاده ومصلحة العرب والمسلمين.

ولا يزعم بأن خدمة القضية الفلسطينية متوقفة على المملكة العربية وحدها، بل يرى أنها: «لا تعمل منفردة.. حتى يصير لها دور مستقل، بل تعمل بالتشاور والتنسيق مع أشقائها، وفي إطار الجهد العربي المشترك».

ويؤكد أهمية العمل الجماعي الموحد للعرب مستشهدا بأحداث التاريخ: «إن الموقف العربي هو الذي يحدد موقف الدول الكبرى من قضيتنا، وفي عام 1956م عندما وقفت الولايات المتحدة مع العرب كان السبب أنها عرفت أن العرب مصممون على عمل شيء، وأنهم جميعا رأيٌ واحد، وفي عام 1967م انهزمنا بسبب ما طرأ على الموقف العربي من تفتت وتناحر، ولم تعطنا الدول الكبرى الأهمية المفترضة. وفي عام 1977م نحن بحاجة إلى تآلف عام 1956م حتى تعرف الدول الكبرى أننا يد واحدة وأننا لا ننتظر الحل من تلك الدول».

ويمكن تحديد دعم الملك فهد بن عبدالعزيز السياسي لقضية فلسطين في ثلاثة مظاهر، أولها، توظيف المناسبات الدولية والإسلامية والوطنية لشرح القضية، وإيضاح حق الشعب الفلسطيني المسلوب والمنتهك من قبل اليهود ومن يدعمهم من القوى العظمى. وثانيها؛ تأييد التجمع الفلسطيني حول منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها الممثل الشرعي الأمثل للشعب الفلسطيني. والثالث؛ يتمثل في تقديم المبادرات لحل القضية.

ولا ينفك الملك فهد عن استغلال كل مناسبة دولية من أجل إظهار اهتمامه بقضية فلسطين؛ ففي الخطاب الذي ألقاه وزير خارجية المملكة العربية السعودية أمام مؤتمر دول عدم الانحياز، نجد أغلب فقرات الخطاب توضح الحق الفلسطيني وتدعو دول عدم الانحياز والشعوب المحبة للسلام إلى دعم حق الفلسطينيين، وتنحو باللائمة على الجرائم اليهودية التي ترتكبها دولة إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني واللبناني على حد سواء. وأكدّ الخطاب ضرورة تحرك الدول الغربية التي تدعم الكيان الصهيوني في فلسطين وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى ردع إسرائيل عن تماديهم في العدوان وارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين.

بل قامت سفارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بإرسال خطاب قوي اللهجة لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية حينما عزمت الأخيرة على نقل سفارتها من «تل أبيب» إلى القدس المحتلة، وبيّن الخطاب أن ذلك يُعَدُّ «خرقا لقرارات الأمم المتحدة المتعاقبة التي سبق أن وافقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وتغييرا لمعالم القدس الإسلامية، كما يعد تحديا لمشاعر الأمة الإسلامية والعالم العربي بما سيضر بمصالح الولايات المتحدة مع الدول العربية والإسلامية».

وبمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني أرسل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رسالة في 30/3/1407ه إلى رئيس لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني للحقوق غير القابلة للتصرف، يؤكد فيها دعم حكومته وموقفها الثابت لتأكيد الحق العربي الفلسطيني في فلسطين والقدس وفي مساندة شعب فلسطين لتأكيد حقوقه الكاملة بما في ذلك حقه في العودة وفي تقرير المصير، وفي إقامة دولته على ترابه الوطني، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي الوحيد.

وفي ذات الخطاب يعرض الملك فهد القضية عرض المحامي القانوني الخبير بأبعادها وجذورها بقوله: «حين نعالج قضية فلسطين ومشكلة العدوان الصهيوني على فلسطين على الساحة الدولية لا بد أن نضع القضية في إطارها الصحيح بادئ ذي بدء؛ قضية فلسطين هي قضية عدوان أجنبي وغزو استيطاني خارجي لبلد الشعب العربي الفلسطيني، هي قضية احتلال غير مشروع من قبل الصهيونية العالمية لأرض يملكها شعب عربي عاش على أرض بلاده وتملكها آلاف السنين كما يمتلك كل شعب في هذه المنظمة العالمية أرض بلاده ووطنه. إن الممارسات الإسرائيلية في فلسطين وفي الأراضي العربية الأخرى التي احتلتها القوات الإسرائيلية والتي تتزايد بلا رادع، تعطي البرهان المقنع على نوايا إسرائيل العدوانية وعزوفها عن أي رغبة في سلام عادل. ولابد للمجتمع الدولي أن يقرر موقفا فعّالا يردع فيه إسرائيل مما ترتكبه ويعيد الحقوق إلى أهلها»(8).

ولما عقد لقاء القمة الأمريكية السوفيتية بين الرئيس ريجان والرئيس جورباتشوف في 18/4/1408ه بعث إليهما خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز خطابا يوضح فيه مشكلة فلسطين والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وأن ذلك هو الباعث الأساس لحالة الاضطراب المستمرة في الشرق الأوسط فيقول: «في هذه المناسبة أود أن أشير إلى ما تُعانيه منطقة الشرق الأوسط من مشكلات ومصاعب عديدة أثق أن سيادتكما تعرفونها وتقدرونها حق قدرها؛ ومن هذه المشكلات قضية الشعب العربي الفلسطيني، فقد مضت سنوات عديدة، وهذا الشعب يُقاسي ويُعاني من حرمانه من حقوقه التي كفلتها له جميع القواعد والقرارات الدولية، وفي طليعتها قرارات الأمم المتحدة.. إن هذا الشعب يتطلع بأمل كبير إلى حكمتكما وتقديركما لحقوقه وقضيته الإنسانية العادلة».

وفي ذات المعنى يقول في مقام آخر: «لقد آمنت المملكة العربية السعودية دائما بأنه لا يمكن أن يقوم سلام حقيقي في الشرق الأوسط ما لم يتم إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية التي هي جوهر الصراع الدائر في المنطقة. إن الذين يتصورون أن مرور الزمن كفيل بأن يصبح الأمر الواقع أمرا مقبولا يتناسون أن حقوق الشعوب في أوطانها لا تسقط بالتقادم ولا يطويها النسيان. إن الفلسطينيين بعد أن صبروا أربعين عاما أو تزيد دون بارقة أمل في السلام العادل لم يجدوا إلا حجارة أرضهم يعبرون بها عن حقوقهم وعن رفضهم القهر الإسرائيلي».

وتؤكد كلمة المملكة العربية السعودية في مجلس الأمن 1/9/1410ه ضرورة قيام منظمة الأمم المتحدة بمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبناء المستوطنات، والتنديد بها، وأنها انتهاك صريح لحقوق الشعب الفلسطيني في ظروفه الصعبة: نجتمع اليوم في ظل حالة طرأت وأدخلت عاملا جديدا على الساحة الفلسطينية، هذه الحالة الطارئة سعادة الرئيس هي هذه الهجرة الجماعية للمواطنين اليهود في أوروبا الشرقية من الأرض التي ولد فيها آباؤهم وأجدادهم في أوروبا إلى إسرائيل. لكننا نرى في هذه الهجرة الجماعية خطر كثافة سكانية ستغذي سياسة التوسع الصهيوني الاستيطاني، السياسة التي يعلن عن الالتزام بها وتنفيذها حكامهم باستمرار. وماذا تنتظرون من حكام إسرائيل حين ترسلون بنصف مليون مهاجر إلى فلسطين. لقد أدنتم ممارستهم كمستوطنات وشجبتم أعمالهم التوسعية. فكيف بهم اليوم يزوّدون بالقوى البشرية والمادية والتسهيلات للتوسع والاستيطان.

والمحاذير الخطيرة، حضرات الأعضاء! لا تقف عند حقوق الإنسان العربي فقط، إنها تهديد المقدسات والمؤسسات الإسلامية في فلسطين، إنها في تهديد الوجود الإسلامي والعربي في فلسطين، إنها في تهديد أمن المنطقة حصيلة هذا التكثيف السكاني.. إنها لزيادة القدرة على الاستيطان والاستيعاب، إنها التوسع الاستيطاني بكل مقوماته وأغراضه البشعة.

إن المملكة العربية السعودية تعتبر الهجرة الجماعية الموجة الحالية لليهود إلى إسرائيل انتهاكا لحقوق الشعب المعترف بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما أن السياسة والممارسات الإسرائيلية في توطين بعض سكانها والمهاجرين الجدد في الأراضي المحتلة انتهاكا لمعاهدة جنيف الرابعة لعام 1949م، المتعلقة بحماية المدنيين في حالة الحرب، وإن تلك الهجرات الجماعية والممارسات الإسرائيلية ذات آثار خطيرة على محاولات التوصل إلى سلام شامل عادل في الشرق الأوسط.

وفي ذات السياق يصرح الملك فهد لجريدة عكاظ بأن «الهجرة تشكل تحديا خطيرا للأمن العربي فضلا عن خطورتها على الحقوق الفلسطينية على وجه التحديد. لكن ما تقرر وما سيتم من خطوات، وما نتوقعه من تجاوب الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية يجعلنا نتفاءل بإمكانية إيقاف هذا الخطر. ونتوقع أن تقابل جهودنا المنفردة والجماعية تفهما كاملا موضوعيا لأننا لا نريد منهم أكثر من الموقف الجاد للحيلولة دون تدفق المهاجرين إلى فلسطين بصورة عامة وإلى الأراضي العربية المحتلة بصورة خاصة».

وفي النطاق العربي الإسلامي نجد الملك فهد يحاول تعبئة الرأي العام الإسلامي لصالح القضية الفلسطينية، ففي جلسة العمل الثانية لمؤتمر القمة الثالث للدول الإسلامية المنعقد في الطائف 20/3/1401ه مذكرا جميع القيادات العربية والإسلامية ببلادهم المغتصبة من قبل يهود، ومؤكدا وجهة نظر حكومة المملكة العربية السعودية في شرط السلام بالشرق الأوسط، ومطالبا الدول الإسلامية باتخاذ موقف جماعي لوقف المعتدي الغاصب فيقول: نجتمع اليوم ومسرى نبي الهدى صلى الله عليه وسلم وهو أولى القبلتين، وأراضينا الإسلامية ما تزال سليبة في أيدي غاصبيها من الصهاينة. إن المملكة العربية السعودية تؤمن إيمانا راسخا أنه لن يستتب السلام والاستقرار في الشرق الأوسط حتى يتحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي المحتلة، وحتى تُعاد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير دولة مستقلة. لقد بلغ الغرور الأعمى بإسرائيل حدا جعلها تعلن أن القدس العربية عاصمة أبدية لكيانها العنصري. وإننا مطالبون بمواجهة هذه الإجراءات التعسفية بكل ما أُوتينا من قوة. ولعل في الجهد المشكور الذي بذله جلالة الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس والعمل الجاد الذي ينهض به جلالته في أعمال اللجنة الهادفة إلى استعادة القدس والإبقاء عليها عربية إسلامية بتراثها وأصالتها ما يستحق الإشادة والثناء.

إن واجبنا يدفعنا إلى التوجه إلى المؤمنين بالله في كل مكان منبهين إلى خطر الصهيونية وما تستهدفه من تهويد لكامل الأماكن المقدسة وإلى مطالبتهم بالوقوف بصلابة في وجه هذه المؤامرات التي تدبر لإبقاء القدس تحت سيطرة الصهيونية. كما أننا ندعوهم إلى رفع ما يطرح بين الحين والآخر من محاولات تهدف إلى أن تكون الأماكن المقدسة تحت إدارة دولية بدلا من إعادتها إلى أصحابها الشرعيين الذين حفظوا عبر التاريخ لهذه الأماكن قدسيتها وأمنوا حرية العبادة فيها في الوقت الذي تعمل فيه الصهيونية على إبادة مواطني هذه الأماكن من مسلمين ومسيحيين وتشريدهم منها.

وعلى الصعيد الإسلامي ذاته يذكِّر الملك فهد بن عبدالعزيز في خطابه للحجاج 11/12/1410ه - 4/7/1990م بمأساة عرب فلسطين بقوله: وأولى هذه القضايا قضية فلسطين التي تحمل السلطات الإسرائيلية وزر عرقلة جهود السلام لحلها بالقدر الذي حملت فيه وزر محاولاتها الدائمة والمستمرة لتذويب الهوية الفلسطينية من خلال ممارسة وسائل القمع التي تزداد حدة وضراوة كلما سقط حجر من حجارة أطفال الحجارة فيقابله وابل من رصاص البنادق والرشاشات والمدافع حتى فاضت أرواح الكثير من أبناء فلسطين وما قابل ذلك من خفوت شدة الاستنكار التي كانت قائمة إلى ما قبل شهور في بعض الدول الكبرى، التي نصت دساتيرها على وجوب دعم الحرية والسلام وانحازت في تطبيقها إلى جانب دون الآخر.

وإن من تحصيل الحاصل أن تجدد المملكة العربية السعودية وقوفها الدائم والثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني وتؤكد استمرارها في دعمه وتأييده حتى يكتب الله له النصر المؤزر - إن شاء الله.

كما ندعو العالم الإسلامي والمجتمع الدولي إلى المزيد من المساهمة في دعم نضال الشعب الفلسطيني في عصر لم يعد فيه من المقبول استبعاد الشعوب المتطلعة إلى التحرر من ربقة الاستعمار أو الاستيطان.

ولما عقد المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الثامنة في 8/5/1408ه ووافق ذلك المجلس على بدء انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى، ألقى الملك فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين خطابا بيَّن فيه اعتزازه بما يفعله الفلسطينيون كبارا وصغارا من أجل إظهار حقهم وإسماع الدنيا، وحاول في حديثه شحن الرأي العام الخليجي لدعم الانتفاضة مبينا أو مذكرا وجاهة الحق العربي فيقول: إن المجلس الأعلى لمجلس التعاون ينعقد اليوم وهو يسمع ويرى بكل اعتزاز انتفاضة إخوانه في فلسطين العربية المحتلة وما يقومون به من نضال متواصل ومقاومة باسلة للإرهاب الإسرائيلي يدفعهم إلى ذلك إيمانهم بالله عز وجل وترقبهم لنصره فيما وعد به عباده الصالحين. إن ما تشهده فلسطين هذه الأيام مدنها وقراها وسهولها وجبالها من رفض قاطع للاحتلال، وتصميم على مقاومته بكل الوسائل، يدل بكل وضوح على إيمان أمتنا بالله عز وجل، كما يدل على أصالتها والإيمان برسالتها.

إننا جميعا نحيي صمود الشعب الفلسطيني العزيز ومقاومته للاحتلال، ونؤكد وقوفنا معه ونرجو من الله العلي القدير الرحمة لشهدائه من أبنائه الأبرار. ونناشد المجتمع الدولي الوقوف مع هذا الشعب ومناصرة قضيته العادلة تحقيقا لمبادئ الأمن والسلام التي أقرتها جميع المواثيق الدولية

إن التطورات والأبعاد الخطيرة التي شهدتها الأحداث الأخيرة في أزمة الشرق الأوسط إلى جانب الممارسات اللاإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في القدس وفي الأراضي المحتلة ولا سيما مواصلة إقامة المستعمرات لأبلغ دليل على أنه لا يمكن إقامة سلام عادل ودائم في المنطقة ما دامت إسرائيل تخطط للعدوان والتوسع ومادام المجتمع الدولي لا يواجه مخططاتها بأكثر من قرارات الرفض والإدانة والاستنكار

«كما أننا نطالب الدول الكبرى التي يدين لها الكيان الصهيوني بأسباب وجوده واستمرار بقائه ونطالب الولايات المتحدة الأمريكية بالذات وهي الدولة التي تمنح إسرائيل الكثير من أسباب القوة، وتمنح إسرائيل الكثير من أسباب الحياة بالعمل على ردع إسرائيل بعد أن استفحل الخطر مما أصبح يشكل تهديدا للأمن والاستقرار ليس في المنطقة فحسب بل في العالم بأسره».

وفي مجال دعم وتقديم المبادرات التي من شأنها خدمة القضية بالتماس الحل لها واستبدال حال الحرب بالسلم يسجل لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد تلك المبادرة التي قدمها حين كان وليا للعهد في 8 شوال 1401ه الموافق 8 أغسطس 1981م، وتبناها وأيدها مؤتمر القمة العربي الذي أقيم في فاس، وأعلنت يوم الخميس 21/11/1402ه الموافق 9 سبتمبر 1982م، ونصت المبادرة على ما يأتي:

1 انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلت في عام 1967م بما فيها القدس العربية.

2 إزالة المستعمرات التي أقامتها دولة إسرائيل في الأراضي العربية منذ العام 1967م.

3 ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.

4 تأكيد حق الشعب الفلسطيني وتعويض من لا يرغب في العودة.

5 تخضع الضفة الغربية وقطاع «غزة» لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر.

6 قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.

7 تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.

8 تقوم الأمم المتحدة أو بعض الدول الأعضاء فيها بضمان تنفيذ تلك المبادئ. «وكما أسلفت فإن المبادئ التي ذكرتها ليست من تأليفي أو ابتكاري ولكنها قرارات صادرة عن الأمم المتحدة سواء عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة».

وتنفيذ مثل هذه التسوية يتوقف على ثلاثة شروط واقعية ومعقولة ولا بد من تحقيقها وهي:

أولا: وقف الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل.

ثانيا: وضع حد للغطرسة الإسرائيلية التي يمثل مناحيم بيجن أبشع صورها.

ثالثا: التسليم بأن الرقم الفلسطيني- كما يقول الأخ ياسر عرفات- هو الرقم الأساسي في المعادلة الشرق أوسطية

وننقل في هذا السياق ما يذكره البعض من أن الملك فهد كان له دور رائد وفعّال في إقرار السلام في منطقة الشرق الأوسط، من خلال مؤتمر السلام الذي انعقد في مدريد في أكتوبر 1991م، وفي مؤتمر موسكو متعدد الأطراف. ويعدون مؤتمر السلام في «مدريد» ثمرة لجهود المملكة ودول عربية أخرى في إقناع الدول الكبرى بأن النظام العالمي الجديد يقتضي رؤية جديدة للصراع العربي الإسرائيلي.

وفي كلمته التي ألقاها في اجتماع مجلس الوزراء 28/4/1412ه 4/11/1991م تحدث الملك فهد عن الدور الذي اضطلعت به المملكة العربية السعودية من أجل عقد مؤتمر «مدريد» مثمنا دور الرئيس الأمريكي، والرئيس السوفيتي ووزيري خارجيتهما في إنجاح ذلك المشروع.

وكان لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وحكومته موقف واضح من تجمع الفلسطينيين حول منظمة التحرير الفلسطينية، واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد

للشعب الفلسطيني وتأييد ما تتخذه من قرارات لصالح الفلسطينيين. كما أيدت الدولة الفلسطينية منذ إعلانها.

ففي لقاء مع الملك فهد أجرته جريدة «الرأي العام» الكويتية سنة 1984م قال: إن المملكة تتمسك بوحدة المنظمة باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، كما أن المملكة تؤيد ما يختاره الفلسطينيون بأنفسهم لمعالجة قضيتهم، هذا مبدأ ثابت في سياستنا، ولقد حدد قادة الشعب الفلسطيني في مؤتمر الجزائر مواقفهم.. واختاروا قيادتهم، ولذلك يجب أن يحترم هذا الاتفاق من الفلسطينيين أنفسهم ومن الدول العربية.

وقد جاء على لسان ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز تأكيد الوضع القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية من حيث كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأنها تتمتع في الدول العربية وعدد من دول العالم بجميع صفات الدولة ومميزاتها. وأنها ليست بتنظيم سياسي يمكن حله، بل هي كيان سياسي قائم بذاته وهي بمثابة الدولة تماما.

وفي خطاب الملك فهد في الأمم المتحدة 20/2/1419ه، 1/10/1988م، أيد ذلك التوجه إذ يقول: «إن المملكة العربية السعودية سبق وأن أعربت مرارا عن تأييدها التام ودعمها المتواصل لكل ما تراه منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، سيحقق التوصل إلى استعادة حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على أرضه وحق تقرير مصيره. وستواصل المملكة جهودها في هذا الاتجاه وفق ما تقرره منظمة التحرير الفلسطينية، وتجده محققا لهذه الأهداف».

ويدعو الملك فهد بن عبدالعزيز الدول العربية لتأييد تجمع الفلسطينيين حول منظمة التحرير في بعض المناسبات: «وبمشاركة جميع الأطراف المعنية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني».

وعقب الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في الجزائر، جاءت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية والإسلامية والأجنبية اعترافا بالدولة الفلسطينية. وجاء على لسان أحد المسؤولين السعوديين في 6/4/1409ه «تابعت المملكة العربية السعودية باهتمام بالغ اجتماعات الدورة الطارئة للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر، وترحب المملكة العربية السعودية بقرار المجلس الوطني الفلسطيني إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وترى في هذه الخطوة وما رافقها تعزيزا للشرعية الدولية ولقرارات القمة العربية. والمملكة إذ تعلن تأييدها التام لهذه الخطوة، تعلن في الوقت ذاته اعترافها الكامل بالدولة الفلسطينية المستقلة»»

ثم بعث خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في 7/4/1409ه برقية إلى رئيس الدولة الفلسطينية ياسر عرفات بالتهنئة والتأييد الرسمي السعودي لهذه الخطوة المباركة، واعدا إياه بالدعم الدائم والثابت للأشقاء الفلسطينيين

وتبعا لذلك اعترف بمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية على أنها سفارات دبلوماسية تمثل دولة فلسطين، فتحول مكتب منظمة التحرير في الرياض إلى سفارة، وغدا ممثلها سفيرا فوق العادة لدولة فلسطين، بل قامت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ببناء سفارة خاصة على حسابها للدولة الفلسطينية بالرياض، ثم افتتحت السفارة رسميا في 24 جمادى الأولى 1409ه الموافق 1 يناير 1989م بحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومشاركة الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، رئيس اللجنة الشعبية لمساعدة أسر مجاهدي وشهداء فلسطين، وعدد كبير من كبار المسؤولين في الحكومة ومن سفراء الدول العربية والإسلامية والأجنبية

يد العطاء وفلسطين

لو تأملنا في الدعم المادي الذي تقدمه حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز لفلسطين لوجدنا ذلك يتمثل في ثلاثة مظاهر، هي مظهر الالتزامات المالية من قبل الحكومة، والتبرعات النقدية من قبل الشعب، ثم مظهر المساعدات الطبية، ثم مظهر المساعدات التعليمية والثقافية.

ففي المظهر الأول تلتزم حكومة المملكة العربية السعودية منذ نشأتها بدعم القضية الفلسطينية التزام شرف لم يفرض عليها منذ أيام مؤسسها الملك عبدالعزيز - رحمه الله -، وذلك يفرضه حق الإسلام والتاريخ والعروبة. ونذكر على سبيل المثال أنه حينما عقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم عقب هزيمة حزيران وكان في جمادى الأولى 1387ه أغسطس 1967م تقرر الالتزام بمبلغ سنوي لدعم منظمة التحرير الفلسطينية قدره 135 مليون جنيه إسترليني كان نصيب الدولة السعودية منها خمسين مليونا من الجنيهات الإسترلينية سنويا

واستمر دعم حكومة المملكة العربية السعودية من بعد ذلك وخصوصا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز دونما توقف، فقد جاء في حديث لسفير فلسطين السابق في المملكة الأستاذ رفيق شاكر النتشة صرح به لوكالة الأنباء السعودية في 4/6/1410ه: إن المملكة العربية السعودية كانت الدولة الوحيدة التي سبق لها أن أوفت بالتزاماتها كاملة لمنظمة التحرير الفلسطينية حسب قرارات مؤتمر قمة بغداد خلال عشر سنوات منذ عام 1979م وحتى عام 1988م والتي بلغت ثمانمائة مليون وخمسة وخمسين مليون دولار.

وفي حديث لنائب رئيس الصندوق القومي الفلسطيني د. عبداللطيف عثمان نشرته جريدة اليوم السعودية في 8/8/1410ه ذكر أن المملكة تدفع شهريا ستة ملايين وعشرين ألف دولار لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، أي أنها تدفع سنويا اثنين وسبعين مليون دولار ومائتين وأربعين ألفا من الدولارات.

ولتقدير الدور الذي تؤديه حكومة وشعب المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز من أجل دعم فلسطين والقدس وشعبهما؛ نجد أنه وفقا لإحصائيات نقلتها بعض المصادر من واقع سجلات اللجنة الشعبية لمساعدة مجاهدي وشهداء فلسطين عن مكتبها الرئيس في الرياض، فقد بلغت التبرعات منذ عام 1377ه - 1957م وحتى نهاية عام 1417ه - 1997م 2,006,694,118 ألفي مليون وستة ملايين وستمائة وأربعة وتسعين ألفا ومائة وثمانية عشر ريالا. على أن هناك إيرادات أخرى حوّلت إلى أسر الشهداء بلغت 1,198,165,061 ألفاً ومائة وثمانية وتسعين مليوناً ومائة وخمسة وستين ألفاً وواحد وستين ريالاً. وذلك عدا التبرعات التي جمعت عن طريق بعض المؤسسات الخيرية بالمملكة لصالح الأسر الفلسطينية وأبناء فلسطين مثل هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، ومؤسسة الحرمين الخيرية وغيرها، بعضها بدأ منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عاما وباستمرار مما يدخل في نطاق مئات الملايين أيضا.

ويذكر بعض المصادر أن المساعدات المالية المباشرة المقدمة للفلسطينيين بين عامي 1400 - 1409ه بلغت 1,399,551,000 مليارا وثلاثمائة وتسعة وتسعين مليون دولار وخمسمائة وواحداً وخمسين ألف دولار أمريكي، بينما كانت الريالات السعودية التي سجلت في ذات الفترة أيضا ولم تضف إلى المبلغ السابق 331,445,785 ثلاثمائة وواحدا وثلاثين مليونا وأربعمائة وخمسة وأربعين ألفا وسبعمائة وخمسة وثمانين ريالا. ثم يضيف إلى ذلك مما سجل على حدة مبلغ 256,650 مائتي ألف وستة وخمسين ألف جنيه وستمائة وخمسين جنيها إسترلينيا، وستين ألف ليرة لبنانية.

وفي المظهر الثاني، وهو نطاق المساعدات الطبية والاجتماعية، يتجلى دور المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في صور متعددة، منها أنه في أثناء الاعتداء الإسرائيلي على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان عام 1982م، أصدر الملك فهد بن عبدالعزيز أمرا ملكيا بمعالجة الجرحى منهم في مستشفيات المملكة أو المستشفيات خارجها. وبعث برسالة تأييد ودعم إلى ياسر عرفات القائد العام للثورة الفلسطينية، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، نجتزئ منها: زإننا إذ نحيي إخواننا المجاهدين الأشاوس على روح البطولة والصمود والفداء التي أبدوها في مقاومة الاعتداء الصهيوني الآثم على مخيماتهم. لنسأل الله سبحانه أن يكتب لهم العز والنصر، وتعاطفا مع إخواننا الفلسطينيين، ومشاركة لهم في آلامهم وتخفيفا لمصابهم فقد أصدرنا أمرنا إلى الجهات المختصة باعتماد معالجة المصابين منهم سواء كان علاجهم داخل مستشفيات المملكة أو خارجها، لذا فإننا نأمل إخبارنا عن الأماكن التي ترغبون معالجتهم فيها لنقلهم إليها.

أما المساعدات الطبية المقدمة للفلسطينيين من عام 1400 إلى 1409ه فبلغت 245 طنّا من الأدوية واللقاحات العلاجية، أي ما قيمته 3,700,000 ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف ريال. كما وجد أن هناك (530) مريضا عولجوا في المستشفيات السعودية. وتم علاج 1229 مريضا في مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون وغير ذلك.

ويُضاف إلى ذلك المساعدات التي قدمت للفلسطينيين من معونات ومواد طبية وقيمة مواد ومعدات أخرى بلغت 238,650,029 مائتي مليون وثمانية وثلاثين مليون ريال، وستمائة وخمسين ألف ريال وتسعة وعشرين ريالا.

وللتعرف على أهمية ما تقدمه حكومة الملك فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين في المساعدات الاجتماعية الأخرى، نشير إلى ما ذكره «جيورجيو جياكومللى» المفوض العام لوكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عن المساعدات التي تقدمها حكومة المملكة العربية السعودية للوكالة؛ فيذكر أن المملكة أكبر دولة عربية تقدم تبرعاتها الطوعية لوكالة «الأونروا» حيث قدمت عام 1982م خمسة ملايين دولار لطوارئ لبنان عدا التبرعات السنوية، كما قدم برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية الذي يرأسه الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود مساعدات جيدة في دعم بعض المشاريع الإنمائية في قطاع غزة والضفة الغربية تتمثل في بناء المدارس والمراكز الصحية.

والمظهر الثالث يتمثل في نطاق المساعدات الثقافية والتعليمية، فقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في مايو 1980م بتغطية جميع نفقات معرض الفن الشعبي الفلسطيني الذي أقامه مكتب المنظمة في لندن بمناسبة ذكرى 15 مايو. وتضمن هذا المعرض 620 قطعة تمثل التراث الشعبي الفلسطيني وتاريخه.

واستضافت المملكة العربية السعودية عام 1407ه الدورة العادية الرابعة للمجلس الاستشاري لهيئة الموسوعة الفلسطينية في الطائف، وأثمرت رعاية المملكة لهذه الدورة عن تحويل فكرة الموسوعة إلى حقيقة واقعة تحتل مكانتها بين الموسوعات العالمية الأخرى.

وفي عام 1982م، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أمرا يقضي بمعاملة أبناء الفلسطينيين المقيمين في المملكة كالسعوديين بالنسبة للمدارس والجامعات. وأمر أيضا بأن تتحمل المملكة نفقات دراسة مائة طالب فلسطيني داخل المملكة وخارجها من غير المقيمين في المملكة.

وفي المجال التعليمي كذلك بلغ عدد الطلاب الفلسطينيين المقيدين بجامعات المملكة بين عامي 1400 و 1410ه خمسة آلاف ومائة وأربعة وعشرين طالبا وطالبة وكل هؤلاء الطلاب والطالبات يتمتعون بما يتمتع به الطالب السعودي من ميزات السكن والطعام والمكافآت النقدية التي تصرف لهم، وعدا ذلك فكان هناك طلاب وطالبات يتعلمون في الكليات المتوسطة ومعاهد المعلمات. أما أعداد الطالبات الفلسطينيات الدارسات بين عام 1400 وعام 1410ه فقد تجاوز الآلاف المعدودة في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، فعلى سبيل المثال نجد أنه في عام 1410ه بلغ عدد الطالبات المقيدات في المدارس الابتدائية (10448) طالبة بينما كن في عام 1400 (6915) طالبة. وفي المرحلة المتوسطة بلغ عددهن عام 1410ه (4215) طالبة بينما كان في عام 1400ه (2627) طالبة. وتطور العدد في المرحلة الثانوية من (1555) طالبة عام 1400ه إلى (2954) طالبة عام 1410ه..

وكانت تصرف لبعضهن المكافآت أسوة بالسعوديات، فعلى سبيل المثال نجد هناك إحصائية تثبت ما صرف للطالبات الفلسطينيات بمعاهد المعلمات بين عامي 1400 و1410ه، إذ بلغ مجموع المكافآت 4,811,400 ريال سعودي ل 297 طالبة طيلة هذه المدة.

تأكيد الهوية

الإسلامية العربية للقدس

ينبثق اهتمام الملك فهد بالقدس من مرتكز الأهمية القصوى للمسجد الأقصى بالنسبة لكل المسلمين، وكون القدس رمزا من رموز الهوية الإسلامية والثقافة العربية في فلسطين كلها ، ويتضح اهتمام الملك فهد بالقدس وهويتها في صور مختلفة يمكن إيجازها في شقين، أولهما استغلال المناسبات الإسلامية والدولية لتأكيد الهوية الإسلامية العربية لهذه المدينة المقدسة، وثانيهما ابتكار الأسباب العملية أو الممارسة التطبيقية التي تؤكد حق الأمة العربية بل الإسلامية قيادات وشعوبا في خدمة هذه المدينة وقضيتها والحيلولة بالسبل العملية دون ادعاءات يهود فيها وإبطال مزاعمهم. ففي الجانب الأول نجد الملك فهد يحمل القدس في ضميره وقلبه هاجسا يؤرقه ويدعو القيادات المسلمة للاهتمام به. فيدعو إلى مواجهة مكائد اليهود بكل قوة: «وإننا مطالبون بمواجهة هذه الإجراءات التعسفية بما أُوتينا من قوة». ونجده يعبّر عن ارتياحه لما تحقق من خطوات اتخذها مؤتمر القمة الإسلامي في الرباط إذ يقول: «ولعل في الجهد المشكور الذي بذله جلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية ورئيس لجنة القدس والعمل الجاد الذي ينهض به جلالته في أعمال اللجنة الهادفة إلى استعادة القدس والإبقاء عليها عربية إسلامية بتراثها وأصالتها ما يستحق الإشادة والثناء».

والقدس وأهلها همٌّ إسلامي يحمله الملك فهد كأي مسلم وينادي به: «إن نداء القدس لا يزال يدوّي في أسماعنا، وتلك صيحات إخواننا من أبناء الأرض المحتلة لا تزال في أعماقنا، والعدو لا يزال في غيّه وعتوه يسفك الدماء ويقتل الأبرياء، ويعيث في الأرض فسادا».

ولطالما يستنكر الملك فهد تمادي دولة إسرائيل في اغتصابها فلسطين أرضا وشعبا وإعلانها القدس عاصمة موحدة وأبدية للكيان اليهودي، ويثير دهشته تحديهم للعرب والمسلمين ولقرارات الأمم المتحدة، ثم يتساءل هل هذا هو مفهوم الغرب للسلام العادل وينتهي بنا إلى نتيجة هي: «والحديث عن السلام مع إسرائيل أصبح من ضروب الخيال، ولن يهدأ لنا بال حتى تتحرر أراضينا العربية المحتلة».

وقطب المشكلة في نظر الملك فهد هو عروبة القدس: «وإذا كانت قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى، فإن موضوع القدس الشريف يشكل في نظرنا قلب المشكلة الفلسطينية، وإن المملكة العربية السعودية تجدّد في هذا الصدد تأكيدها على ضرورة المحافظة على طابع القدس الإسلامي العربي، وعلى إعادة المدينة المقدسة إلى السيادة العربية، حتى تعود كما كانت دائما ملتقى للمؤمنين من جميع الأديان السماوية، وموئلا للتسامح والتعايش بين مختلف الأديان».

وفي الجانب الثاني المتعلق بابتكار الأسباب العملية أو الممارسة التطبيقية لتأكيد حق الأمة الإسلامية في خدمة القدس؛ نذكر ما نشرته صحيفة الدستور الأردنية في عمان، وعنها نقلت صحيفة السياسة الكويتية، أن الملك فهد طلب من وفد فلسطيني على مستوى رفيع زار الرياض حينذاك، تزويده بكل الوثائق والخرائط المتعلقة بحماية تلك المقدسات من المخططات الصهيونية.

ومما يسجل بشيء من التقدير أن الملك فهد كان يهب لنداء الأقصى بفعالية، إذ بعد تلقيه رسالة مدير عام الأقصى والقبة التي بينت أن بنيان الحرم الثالث (المسجد الأقصى) و«قبة الصخرة» في حاجة ماسة إلى الصيانة، خاصة وأن الملك فهد كان أول من تبرع إلى اليونسكو في مشروع المسح العلمي حول المسجد وقبة الصخرة. وفي ذات الشأن تلقى الملك فهد رسالة من مدير عام منظمة اليونسكو «فيدير كوماير» لإنقاذ بعض المساجد في القدس من التصدع والتلف. فما كان منه إلاّ أن تبرع بمبلغ مجزٍ لإنقاذ تلك المآثر الإسلامية والحفاظ عليها.

وفي عام 1407ه أرسل الملك فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين هدية قيّمة عبارة عن سجاد فاخر لفرش كل مساحة المسجد الأقصى، وتم ذلك وكان له أثر كبير في قلوب الفلسطينيين وخدمة قضيتهم.

وكان أبلغ عمل قام به الملك فهد بن عبدالعزيز في هذا الشأن هو أمره بترميم الحرم القدسي الشريف وملحقاته مثل بيوت المؤذنين فيه، وترميم مسجد عمر بن الخطاب بجوار كنيسة القيامة ومسجد عبدالملك بن مروان، واهتم كذلك بترميم مسجد قبة الصخرة، وشملت عملية قبة الصخرة عدة جوانب منها:

1 كسوة قبة المسجد بالنحاس المذهب.

2 كسوة الأروقة بالرصاص وعلى أساس إزالة هيكل الألومنيوم واستبداله بهيكل خشبي، أي كما كان قبل عملية الترميم الأخيرة عام 1962م التي لم تنجح في هدفها منذ ذلك الحين.

3 تجديد الكسوة الرخامية الخارجية لجدران المسجد.

4 إقامة شبكة إنذار وإطفاء للحرائق.

5 الترميمات الداخلية للرخام والزخارف والأخشاب والفسيفساء، على أن تكون الأولوية لكسوة القبة والأروقة ولشبكة الإنذار والإطفاء من الحريق تحسبا لأية جرائم متعمدة أو حوادث لأسباب أخرى.

وقد وجدت هذه المبادرة لها صدى كبيرا على المستويين الشعبي والرسمي الفلسطيني وكذلك على المستويين العربي والإسلامي.

الخاتمة

يتضح مما تقدم أن القضية الفلسطينية قد حظيت باهتمامات حقيقية من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وحكومته وشعبه على مدى فترة العشرين عاما من ولايته عرش المملكة العربية السعودية.

وانطلقت تلك الاهتمامات في صور مختلفة وكثيرة وأمكن حصرها في نطاقات ثلاثة؛ أولها النطاق السياسي الفعّال، وثانيها النطاق المادي المبرمج، وثالثها النطاق العربي الإسلامي الذي يؤكد ضرورة الحفاظ على هوية مدينة القدس والأماكن الإسلامية المقدسة حولها.

ويمكن القول بأن المملكة العربية السعودية في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز اتخذت من العمل السياسي لنقل القضية الفلسطينية بمآسيها وأصالتها والحق الفلسطيني برنامجا فاعلا في المحافل الدولية، ووظفت الكثير من المناسبات الدولية والإسلامية والخليجية والداخلية لخدمة تلك القضية وتقديمها للعالم أجمع بصدق وفعالية وتأصيلها عربيا وإسلاميا دائما بعيدا عن الشعارات الجوفاء التي لا تُجدي. وبلغ ذلك الانتماء السعودي لهذه القضية المأساوية أن عُدَّ السعوديون في دفاعهم عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، كما نقلت ذلك صحيفة النهار البيروتية عن رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (العلاقات السعودية الفلسطينية، ص 119). ووصف بعضهم مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد للحفاظ على هوية القدس وترميم الأماكن المقدسة فيها بأنها تنم عن مدى الإخلاص للأماكن الإسلامية، ورغبته في الحفاظ عليها مفخرة لكل المسلمين (لبيك أرض القداسات، ص 127). ونجد الملك فهد وحكومته يؤيدان بقوة التجمع الفلسطيني حول منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ثم حينما أعلنت الدولة الفلسطينية كانت المملكة العربية السعودية في مقدمة المعترفين بها، بل قامت ببناء سفارة لها في وقت قصير على نفقتها. كما اتخذ من مبادرة الأمير فهد بن عبدالعزيز- الملك فيما بعد- منهج عمل عربي موحّد لإعادة الحق الفلسطيني المسلوب وشرطٌ للسلام في الشرق الأوسط.

وإذا تأملنا الأصول التي تقوم عليها السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية نجد أن بواعث أو مرتكزات الاهتمام تنبثق من إيمان الملك فهد وحكومته وشعبه بالله واتخاذهم الإسلام عقيدة لا تتبدل، وكتاب الله الكريم وسنة نبيه منهجا ودستورا، مما يحتم عليهم الاهتمام بأمور المسلمين جميعاً وفلسطين والقدس بصفة خاصة. وكثيرا ما يؤكد هذا خادم الحرمين الشريفين وبعض القادة السعوديين والمسؤولين في الدولة، الموقف الذي يستحق تقدير العالم الإسلامي والعربي ويتطلب مؤازرة الجميع- حكاما وشعوبا- للقادة السعوديين الذين ينصرون إخوانهم في أنحاء المعمورة.

ولتأكيد فعالية الدور السياسي نجد صدق ذلك في صورة الدعم المادي المبرمج والذي اتخذ صورا ومظاهر واقعية؛ إذ يكشف البحث عن عدة مظاهر تتمثل في قيام الملك فهد نفسه بعرض مقترح المساعدة في معالجة الجرحى كلما حل خطب بإخوانه الفلسطينيين على الطريقة التي تناسبهم وفي أي من المستشفيات التي يحدودنها. وإلى جانب ذلك فهناك برنامج المساعدات الطبية الذي يكشف صدق الاهتمام بالأسر الفلسطينية. كما أن المساعدات التعليمية والثقافية التي قدمتها المملكة العربية السعودية في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد لتنطق بالفعل الحقيقي والبرهان القاطع على الاهتمام المتواصل والمبذول في هذا النطاق للإخوة الفلسطينيين.

ووجدنا من خلال هذا البحث أن مدينة القدس اتخذت مرتكزا خاصا في قلب اهتمام ووجدان خادم الحرمين الشريفين لتأكيد ضرورة الحفاظ على هويتها الإسلامية العربية ليس بمجرد القول وإنما بالفعل، فنجده يعبّر عن ذلك بطلبه من الوفد الفلسطيني كل الوثائق والخرائط المتعلقة بحماية تلك المقدسات من المخططات الصهيونية. ولا يقف عند ذلك الحد فيأمر بترميم بعض المواقع الإسلامية في القدس مثل قبة الصخرة، ومسجدها ومساكن المؤذنين والأئمة الملحقة بالمسجد الأقصى ومسجد عمر بن الخطاب في المدينة مما يعطي برهانا لا يقبل الشك على صدق الفعل السعودي في هذا الجانب.

وإننا لنرجو أن يوفق الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز للمزيد من البذل وأن يحرر الأماكن المقدسة على يديه وأيدي المخلصين معه من القيادات الصادقة في العمل.