ضل آخر

العروض نظرية تربوية..!

حين ينشدون لاينتظرون المطر.. لكنهم ينتظرون عصا الخليل بن أحمد تهشُّ قطيع المستمعين إلى ساحة النفاق..! مما لاشك فيه ان الخليل بن احمد الفراهيدي.. شخصية عبقرية فريدة في تاريخ القصيدة العربية.. من خلال نظرية العروض الشهيرة التي جاء بها في اواخر القرن الهجري الثاني.. فقد رسم ببراعة فائقة (النوتة) الموسيقية للقصيدة العربية على اختلاف ايقاعاتها المعروفة.. والموروثة آنذاك.. وهو قفزة عبقرية فذة في مجال التعامل مع الصوت قياساً بتلك الحقبة الزمنية.. لكن السؤال الجدير بالطرح هنا.. ما هو الدافع وراء وجود هذه النظرية.. طالما جاءت تطبيقاً على ما هو موجود..؟ هل الهدف من وجود هذه النظرية.. هو تعلم الشعر؟ وهل الشعر لا يكون الا بدراسة هذه النظرية واتقانها ؟! الحقيقة، المنطق يخالف ذلك بدليل انتشار الشعر وشيوعه بل وتغلغله في نفس العربي.. قبل نظرية العروض الخليلية الشهيرة هذه.. وفي المقابل يبدو الدافع من وجودها هو العبقرية التربوية التي سيطرت على ذهن الخليل بن احمد حين تكشف له وبوضوح ان الشعر خاصة وعاء التاريخ والعلوم والثقافة العربية حيث كانت الشفوية المترنّمة هي الأسمى مقارنة بمهنة التدوين والورّاقين في ذلك العصر.. وهذا تحديداً ما يفسر لنا تجاهل الخليل لبحر المتدارك الذي جاء به بعده تلميذه الأخفش.. ولم يكن سهواً من الخليل بقدر ما كان عدم شيوع هذا البحر الشعري من اهم مسوّغات تجاهله.. ذلك أنه لا يخدم نظريته التربوية التي اشرت اليها.. مثل هذه الفكرة تفتح لنا آفاقاً من التأمل والملاحظة.. بل وتفتح ابواباً من التأويلات الحلمية.. لعل أهمها.. هو ماذا لو ان عقلية عبقرية كالخليل.. طرقت باب الشعر بنظرية فنية لا تربوية..؟ إن ما قدمه الخليل بن احمد للشعر.. كقيمة (وعائية) يفوق كثيراً ما قدمه من الناحية الفنية.. ولعل السقوط الشنيع للشعر في عصر الدول المتتابعة أو عصر (انحطاط الشعر) كما يسمّى أحيانًا شاهدٌ حي على الاحتفال بالصنعة التي سعى اليها الخليل دون قصد.. وهي ذاتها المفسر الوحيد للغياب شبه الكلي للقصيدة التقليدية ذات الآفاق الشعرية في العصر الحديث .. وقبل أن يشنقني (الخليليون) على بوابة (فاعلاتن وأخواتها).. سأقول بكل تلك العفوية التي جبلت عليها في علاقتي مع القصيدة.. والله إنه لتتملكني الدهشة، والذهول.. وتنتابني حالة من التأمل البارد حين اقرأ قول امرئ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنواع الهموم ليبتلي

ثم أعود واقرأ قوله:

مكر مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

ومثار هذه الدهشة وهذا البرود الفني هو كون البيتين جاء على إيقاع شعري واحد بحسب البحر الخليلي (اللي يبلبط فيه الشاعر) (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلنفعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن) فهل اكتفى الإيقاع (الخليلي) هنا برسم المنهجية الشعرية في إطار تنظيمي؟! وأين دور الإيقاع في عملية التأثير التعبيري المتمثل بالشعر؟! أعلم إن إثارة قضية التوجه التربوي الخالص في نظرية العروض الخليلية ستثير احتجاج أصدقاء كثر.. لكنني هنا بينما - أصفّف أيامي تحت غيمة من قصيدة - أكاد أجزم بها فمن غير المعقول أن يكتفي الإيقاع بدور المنظم أو الجلباب دون أن يكون له دور في التأثير الفني.. بل إنه ربما حق لنا أن نجتهد في رص التفعيلات بصورة مختلفة بين البيتين.. وبصورة أخرى قد لا يختل معها الإيقاع الشعري، أو على الأقل نزاوج بين هذه التفاعيل علها تتكاثر فعلولات وفعاليل أخَر..! لكنني وبصدق وحيادية في الوقت ذاته ربما أتساءل.. كيف يمكن أن نستسلم لهذه السلبية الموسيقية والتهميش المفرط لأهمية الايقاع في عملية التأثير الشعري حين تصدر من شخصية لا نشك في تفردها وعبقريتها كشخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي..؟! إن هذا النموذج الحي لبيتين من الأبيات الخالدة في الشعر العربي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك من ان الهدف الذي سعى إليه الخليل من وضع نظرية العروض الشهيرة كان هدفاً تعليمياً تربوياً، ولم يكن هدفاً فنياً على الإطلاق.. وبالتالي يحق لنا أن نقول.. إن تلك الشخصية الفريدة أساءت للشعر كثيرًا من حيث لاتحتسب حين جاهدت بتحميله تاريخ أمة.. إرثها القصيدة فهمَّشت شاعريتها بصورة مفزعة ٍ واكتفت فقط بالدور الإعلامي للقصيدة كناقلٍ لتاريخنا العربي بكل أحداثه...!يااه..! ماذا لو أنَّ شخصية كشخصية الخليل بن أحمد (العبقرية) جعلت الفنية هدفها من النظرية العروضية ربما قدمت للشعر العربي خدمة جليلة على مدى عصوره.. وكفته مؤونة السقوط الشنيع في مستنقع الصنعة والتكلف في عصر الدول المتتابعة حتى وإن أتت عملية إحيائه على يد مدرسة الإحياء التي عادت به إلى ماقبل نظرية العروض أو حتى ماقبل الالتفات إليها أو التنبه لوجودها، وربما كفته مؤونة الحرب الضروس المفزعة بين ذوي الإيقاع منه والمنخلعين عن حظيرته.. فالحقيقة التي لاتخفى على كثر هي أن عملية الإحياء للشعر التي جاء بها شوقي ورفاقه في أول العصر الحديث، وبعيدًا عن أهدافها وبواعثها وقيمتها التاريخية لم تكن هي الأخرى متوائمةً مع العصر الحديث ومتغيراته وحداثته، حين حاولت كتابة شعر بغير زمنه، وجعلت نصف قصائدها لمديح (البشوات)، ودخلت بالتالي لعبة الصناعة الشعرية بنكهة مصرية جاءت ب (الأبيض والأسود) وبصورة أكثر سقوطًا وأكثر تنفيرًا، ولهذا لم تعمر طويلاً.. فظهرت بالتالي قصيدة التفعيلة ومن ثم قصيدة النثر وكل ذلك في محاولة جادة لتوليد جديد للشاعرية الموؤودة في تلك النظرية التربوية على يد شيخنا الخليل بن أحمد عفا الله عنا وعنه..!






مواد ذات صله







التعليقات

1

 خشان خشان

 2013-07-03 06:39:59

آلمني أن يتم ظلم الخليل على يدي أخي وصديقي إبراهيم الوافي.
مهمة العروض حفظ الوزن وليست البلاغة من أو التأثيرالفني من مهامة ولم يدّع ذلك أحد. كما أن مهمة النحو استقامة اللفظ وليس سمو المعنى أو إسفافه من مهام النحو.
فرض قضية خاسرة على الخليل ثم إدانته ليست من العدل في شيء.





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع