يُعد تسلط بعض أولياء أمور النساء أحد أهم الإشكالات التي تعاني منها المرأة في مجتمعنا، وهو ما يُمثل أقسى أنواع الظلم، وله آثار سلبية على نفسية المرأة، رغم وصية الرسول صلى الله عليه وسلّم بالنساء، بقوله: "استوصوا بالنساء خيراً"، إلاّ أن المُلاحظ وجود تعنت من بعض أولياء الأمور ضد بناتهم أو أخواتهم أو زوجاتهم من دون وجه حق، وهو ما قد يؤدي إلى إحباطهن وتحطيمهن نفسياً، وضياع حقوقهن مادياً.

نساء يروين ظلمهن مع أولياء حرموهن الزواج والتعليم والمال.. ومازالوا مصرين على الظلم

وتُعاني بعض النساء من "تعسّف" و"تسلّط" الأب أو الأخ، متمثلاً في رفض زواجها أو حصولها على الوظيفة أو حتى ابتعاثها، أو من المُمكن الموافقة على أي أمر مُتعلق بها بشرط أن يكون "راتبها" هو الضحية، من خلال تنازلها عنه لتحصل على ما تُريد، وهنا لا بد من التشديد على ولي الأمر سواء أكان "أباً" أو "أخاً" بأن لا يتجاوز "حدود الحق" بإحداث الضرر بالمرأة، حيث أقرت الأنظمة العدلية أنه إذا كان ولي الأمر متعسفاً، فإنه يحق للقاضي رفع "ولاية الأمر" فيما يخص النكاح أو المال أو الحضانة أو جميعها.

سيدة: «ودي أغيّر الولي لكن من يضمن أن أرجع إلى المنزل بعد المحكمة»!

لم أتزوج

وقالت "فاطمة صالح" -معلمة مرحلة ابتدائية-: إن والدها تسلّط عليها كثيراً، ورفض كل خاطب لها؛ بحجة أنهم غير مناسبين، حتى أصبحت في الخامسة والأربعين من العمر، ولم يعد أحد يرغب بالزواج منها، مضيفةً أنه بعد أن توفي -منذ ثلاث سنوات- واصل أخوها مسيرته في تسلطه، كل ذلك من أجل الراتب، مبينةً أنها كانت بالنسبة لهم مثل "ماكينة صرافة" ومن الصعب الاستغناء عنها، مشيرةً إلى أنها كانت تتمنى لو تزوجت وأنجبت الأطفال كباقي زميلاتها.


ضرب الولي ليس من الولاية ولا قوامة الرجل

رفض التعليم

وأوضحت "شروق منصور" أن والدها رفض بشكل قاطع أن تتعلم، فهي الفتاة الوحيدة بين خمسة أولاد، مضيفةً أنه بعد أن بلغت (18) عاماً زوّجها لأحد الأقارب، الذي دعمها بقوة، حيث التحقت بمحو الأمية مع الكبيرات، وقد أصبحت بفضل الله من المتفوقات، وحالياً أنهت دراستها الجامعية وتنتظر الوظيفة، لافتةً إلى أنه لا بد من حل لوقف ذلك التعنت.


تعسّف بعض أولياء الأمور يُؤلم المرأة ويؤثر في نفسيتها

معاملة سلبية

وذكرت "مشاعل فايز" -ربة منزل وأم لثلاثة أطفال- أنها عانت الكثير بسبب تسلط اخوتها بعد وفاة والدها، مضيفةً أن أباها من أصحاب العقار، لذلك من الطبيعي أن يكون لها جزء من الإرث، مبينةً أن إخوتها رفضوا تزويجها إلاّ في حالة التنازل عن نصيبها؛ لأنهم يرون أنه من الظلم ذهاب أموال والدها للغرباء، مشيرةً إلى أنها رفضت طلبهم في البداية، لكن مع مرور الوقت والمعاملة السلبية وافقت، حيث تعيش الآن حياة أسرية مستقرة.


هناك من يرى أن الولاية في أخذ راتب الموظفة

صدمة نفسية

وقالت "سارة محمد": إنها حصلت على بعثة لإكمال دراستها خارج المملكة في أحد التخصصات الطبية الدقيقة، لكن والدها رفض البعثة بحجة انشغاله، كما أن اخوتها رفضوا ذهابها لوحدها، مبينةً أن موقفهم سبب لها صدمة نفسية؛ لأن عددا من صديقاتها تلقين الدعم من أولياء أمورهن لمواصلة دراستهن خارج المملكة.

وأوضحت "نوف فالح" -موظفة قطاع خاص- أنها تمكنت من إلغاء ولاية أخيها بعد عامين من استغلاله لراتبها ورفضه تزويجها، لتتولى المحكمة مؤخراً إجراءات عقد قرانها ممن اختارته عريساً لها.


د. مازن الفريح

رفع قضية

وأشارت "حصة هلال" -ربة منزل- إلى أنها تزوجت أربع مرات وجميعها باءت بالفشل، مضيفةً أنه قرر والدها وإخوتها منعها من تكرار التجربة، حيث رفضوا الكثير من طالبي الزواج، لكن هذا التصرف دفعها إلى رفع قضية بالمحكمة ضد ولي أمرها، وفي الجلسة الأولى حذّر القاضي الأب والاخوة من استمرار تعنتهم وضرورة تزويجها، وإلاّ سوف يلغي ولايتهم عليها، مؤكدةً أنه بسبب هذا الحكم استطاعت الزواج من جديد.


فيصل المشوح

كم راتبي؟

وقال "د. مازن بن عبدالكريم الفريح" -مستشار أسري في جمعية التوعية والتأهيل الاجتماعي-: إن من أكثر صور التعسف شيوعاً وإيلاماً وخيانة للمسؤولية تعسف بعض أولياء الأمور في اختيار الزوج لابنته، فلا يكترث بالسؤال عن دينه ولا عن خلقه، مضيفاً أنه يمر عليه من يغش ابنته في كتمان عيوب الزوج ليتخلص منها بالزواج، وعندما تقرر الرجوع إلى منزل أبيها هرباً من جحيم الزوج يرفض الولي استقبالها، أو حتى يرفض استقبال أبناءها، ليمارس عليها ضغطاً حتى تعود إلى بيت زوجها، مشيراً إلى أنه من صور التعسف الاستحواذ على مال البنت، حتى إن إحداهن تسأل مديرتها في العمل كم أصبح راتبي الآن؟ لأن راتبها يدخل حسابها ليتجه بعدها إلى حساب والدها عبر بطاقة الصراف التي لم تمسها إلاّ مرة واحدة يوم استلمتها من البنك!


فواز العتيبي

تغيير الولي

وأكد "الفريح" أنه يحق للمرأة أن تغيّر وليها إذا كان الولي "عاضلاً" لموليته، أو يلحق بها الضرر الأخلاقي أو النفسي أو غيره مما يخل بمقصد الولاية إذا ثبت ذلك لدى القاضي، مضيفاً أن الواقع يجعل نزع الولاية أمراً في غاية الصعوبة سواء في إجراءاته أو من حيث عواقبه وتبعاته، ذاكراً أنه نصح إحدى النساء المظلومات بأن ترفع قضية لتغيير ولي أمرها فقالت: "ودي أنا أغيّر، لكن من يضمن لي أن أرجع إلى منزل أبي بعد المحكمة وأنا أمشي على رجلي!" مبيناً أنه مما ينبغي ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من التعسف في حق المرأة فقال: "اللهم أني أحرّج حق الضعيفين, اليتيم والمرأة"، بمعنى أن يضيع حقها، وأُحذر من ذلك تحذيراً بليغاً، وأزجر عنه زجراً أكيداً.

الاحتفاظ بالولاية

وأشار "فواز بن صالح العتيبي" -محام- إلى أن القانون حدّد ثلاثة أركان لاستعمال حق الاحتفاظ بالولاية، وإذا تخلّف ركن منها فيكون الشخص الممتثل قد تعسف في استعمال حقه، مضيفاً أن هذه الأركان هي وجود الحق وثبوته، التزام حدود الحق، حسن النية، مبيناً أن جميع القوانين الوضعية تؤكد ضرورة الالتزام بحدود الحق، وأن القائم على الحق كالولي والوصي لا يكون متجاوزاً لحدود حقه، فيحدث ضرراً على من وُلّي عليهم، مؤكداً أنه أقرت الأنظمة العدلية المعمول بها في بلادنا أنه إذا كان ولي الأمر متعسفاً، فإنه يحق للقاضي رفع ولاية ولي الأمر فيما يخص النكاح أو المال أو الحضانة أو جميعها.

وأضاف أنه ذُكرت أحوال التعسف في القوانين الحديثة على ثلاثة أحوال؛ هي أن يأتي الإنسان بعمل مشروع ويقصد من خلاله الاضرار بغيره، أيضاً أن تكون له مصلحة ضئيلة لا تتناسب مع الضرر الذي لحق غيره جراء هذا العمل، وأخيراً أن يأتي بعمل مشروع لتحقيق مصلحة غير مشروعة.

غير عادل

وقال "فيصل المشوح" -محام-: إن القانون والشرع بيّنا أن الرجال قوّامون على النساء، وشرح العلماء القوامة بأنها في حدود الإنفاق على من تحت يده وفي حفظ العرض وضمان الكسوة والمسكن، وما عدا ذلك من الضرب والاحتقار والتسلط ومنع المباح أو الإكراه والتسفيه أو العضل فهي من التعسف والتسلط، مضيفاً أنه ذكر العلماء أن الولاية والقوامة تسقط إذا كان الرجل غير عادل، أيضاً لا ولاية لفاسق أو كافر أو مجنون أو معتوه، كما تسقط الولاية بالغيبة الطويلة ونحوه، لافتاً إلى أن هذه الأشياء تمنح المرأة الحق في طلب تغيير الولي في دعوى ترفعها إلى القضاء ليفصل بينها وبين والدها أو أخيها، ويضع ولياً آخر خلفاً له، وإن وجد فتنتقل الولاية إلى أول رجل فتنتقل إلى جدّها لأبيها أو جد جدّها من جهة الأب، فإن لم يكن فتنتقل إلى ابنها إن كان لها أبناء، وهكذا وإلاّ تولى القاضي ولاية المرأة فيكون الزواج وما تحتاجه بإذن قضائي، لقوله عليه الصلاة والسلام: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".

وأضاف: لا يوجد هناك سن معينة، كما أنه من حق الفتاة والصبي أن يغيّروا الولي متى ما رأوا فيه ما يعيب من خلق أو سلوك أو نقصان في الدين والعقل.