بدأ مهندساً في "وزارة الدفاع والطيران"، ثُمَّ فَكَّر في تطوير نفسه والبحث عن فرصة عمل تقوده إلى مرحلة أخرى من حياته تلائم إمكاناته وطموحاته، لتأتي فكرة إنشاء مطعم مختلف ل"البرغر"، بحيث يكون المُكوِّن له لحماً طازجاً، فافتتح الفرع الأول في "شارع الأمير سلطان بن عبدالعزيز" في "حي العليا" بالرياض عام 1988م، برأس مال يصل إلى (250) ألف ريال، تحت مُسمَّى "كودو"، وهو اسم لنوع من أنواع الغزلان الإفريقية.

تأثر بوالديه وشقيقته وتعلّم منهم الصدق والعطاء والتواضع والقناعة ورد الحقوق..

"عبدالمحسن بن عبدالعزيز اليحيى" -مؤسِّس ورئيس تنفيذي لشركة "كودو"-، استطاع بالصبر والمثابرة والإخلاص في العمل، وكذلك التطوير والاهتمام بمتطلبات الزبائن، إضافةً إلى التواصل معهم، مستنداً على تجربة "التركيز في مجال واحد، وعدم التنويع"، ليُحقق سلسلةً من النجاحات في مجال الوجبات الغذائية بفروع يصل عددها إلى أكثر من (230) فرعاً في معظم أنحاء المملكة، ولم يقف الأمر على ذلك بل افتتح مطاعم "عالخفيف" بفروع بلغت أكثر من (30) فرعاً حتى الآن.

توصُّل مع صديقه إلى فكرة إنشاء مطعم ل«البرغر» على أن يكون المُكوِّن هو اللحم الطازج

"الرياض" تستقصي بدايات ونجاحات رجل الأعمال "عبدالمحسن بن عبدالعزيز اليحيى".

بداية حياته

وُلد "عبدالمحسن اليحيى" في "حي المرقب" بالرياض، حيث التحق بمدرسة "الخالدية" بالبطحاء ليدرس بها حتى أنهى دراسة الصف الثالث الابتدائي، ثُمَّ انتقل إلى "معهد العاصمة النموذجي"، ثُمَّ "جامعة الملك سعود" في كلية الهندسة بقسم "الهندسة المدنية".

تأثَّر كثيراً بوالديه وأخته "حصة" -رحمهم الله- جميعاً، إضافةً إلى عدد من إخوته، حيث تعلَّم من والده محبة الله وطاعته والخوف منه، وكذلك الصدق والعطاء والمثابرة، إضافةً إلى التواضع والقناعة ورد الحقوق، وتعلم من والدته الصبر ومحبة الناس، كما تعلَّم من أخته "حصة" النظام والنظافة والاعتناء بما تملك.

وعن الفرق الجوهري بين الحياة قديماً والآن، أوضح أنَّ هناك فروقاً كبيرة وملحوظة، حيث إنَّ المجتمع كان قبل (50) عاماً يرى أنَّ تعليم المرأة -مثلاً- غير مقبول اجتماعياً، بينما أصبحت في الوقت الحالي تساند الرجل في المسيرة والبناء بكل ثقة واقتدار، كما أنَّ "التلفزيون" كان يلقى مُعارضةً كبيرة من جانب معظم أفراد المجتمع، في حين أصبح اليوم حاضراً بقوَّة في كل وقت ومكان.

تدخلت والدته عندما احتار في ترك «العسكرية» والتوجه ل«العمل الحر»

قرار حاسم

ولازال "اليحيى" يتذكر بعض المواقف، أبرزها محاولاته المتكرَّرة مع والده -رحمه الله- للسماح له بالسفر إلى "أمريكا" مُبتعثاً مع بقية زملاء الدراسة، حيث رفض تلك الفكرة خوفاً عليه، فالتحق بجامعة الرياض "جامعة الملك سعود" قسم "الهندسة المدنية"، ولازال يتذكر فرحة والده بتخرجه مهندساً، وكذلك الأمر بالنسبة لوالدته، ومن ثم التحاقه بإدارة "الأشغال العسكرية" في "وزارة الدفاع"، حيث كان لِزاماً عليه أن يختار بين أن يكون "عسكرياً" بمزايا مالية جيِّدة، أو أن يكون "مدنياً" بمزايا أقل، وعندما تردد في اتخاذ القرار المُناسب تدخَّلت والدته لتختار له أن يبقى مدنياً؛ حتى لا يُفرض عليّه التنقل والبعد عنها.

الجدية والمثابرة والصبر والإخلاص هي «مفاتيح النجاح» لمن يرغب في تحقيق مستقبل مذهل

غضب وخوف

وذكر "اليحيى" أيضاً موقفاً آخر حدث بعد عامين من انطلاقة العمل بمطاعم "كودو"، حيث جاء ذلك بالتزامن مع بداية حرب "الخليج" 1990م، التي أثَّرت تداعياتها على العمالة الأجنبية العاملة معه، حيث إنَّ معظمهم كانوا من أبناء الجنسية "الفلبينية"، وكانوا مستأجرين فيلا في حي "الروضة"، مُشيراً إلى أنَّه اجتمع بهم مراراً ليُطمئنهم أنَّ مكان المعركة بعيد عن مدينة "الرياض"، وبالتالي فإنَّه ليس هناك ما يدعو للقلق، بيد أنَّ أحد صواريخ "سكود" التي كان يتم إطلاقها على مدينة "الرياض" انفجر وسقطت قطعة منه على سكن العمالة، وعندما توجه إليهم ليطمئن عليهم كان الغضب والخوف يسيطران عليهم، حيث كانوا ينظرون إليه بريبة وعدم تصديق.


اليحيى متحدثاً للزميل العثمان «عدسة- فلاح الشمري»

إنطلاق كودو

عن بدايات العمل وأبرز مراحل التطور، بدأ "اليحيى" مهندساً في "وزارة الدفاع والطيران"، كما عمل في مكتب هندسي أثناء الفترة المسائية، ثم بدأ يُفكّر بجديِّة كبيرة في تطوير نفسه والبحث عن أعمال تجارية تُلائم إمكاناته وتتوافق مع طموحاته وتقوده إلى مرحلة أخرى من الحياة، كان يجتمع مع عدد من زملائه المهندسين يُفكِّرون ويبحثون ويخططون ويتلاقحون الأفكار، من أجل الخروج بفكرة مشروع تجاري مُتميِّز، وفي ذات مرة جلس برفقة زميله "م.صالح الصالح" وتم التوصُّل إلى فكرة إنشاء "مطعم" مختلف ل"البرغر"، بحيث يكون المُكوِّن الرئيس له "اللحم" الطازج، ولتأكيد ذلك فقد اتخذ قراراً بجعل "المطبخ" مفتوحاً أمام الزبائن، ثم تعرَّف على شخص يُدعى "مصطفى حماده" وهو يمتلك خبرةً كبيرةً في إدارة "المطاعم"، أيَّد الفكرة وأضاف لها "الساندوتشات" -التي اشتُهرت بها "كودو"-، وافتُتح الفرع الأول بمجمع المطاعم بشارع الأمير "سلطان بن عبدالعزيز" في حي "العليا" بمدينة الرياض، وكان ذلك في (16/04/1988م)، ليلة الأول من رمضان، وبرأس مال بلغ (250) ألف ريال.


أول فرع لكودو

فروع كثيرة

كانت البداية ناجحة، نتج عنها افتتاح الفرع الثاني بشارع "التحلية" بمدينة "الرياض"، ثُمَّ افتُتح فرع آخر بمدينة "جدة" في عام (1992م)، كما تمَّ افتتاح فرع آخر بالمنطقة الشرقية في عام (1993م)، حيث إنَّ تلك الخطوة ساندت مسيرة التطور والنجاح التي تميَّزت بها مطاعم "كودو"، إلى أن بلغ عدد الفروع أكثر من (230) فرعاً، كما تمَّ افتتاح قسم "العائلات"، وأُدرجت خدمة "السيارات" والتوصيل المجاني إلى "المنازل"، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة كبيرة في حجم المبيعات، تلك النجاحات التي تحققت قادته إلى افتتاح مطاعم "عالخفيف" بفروعها التي بلغت أكثر من (30) فرعاً حتى الآن، وتمتلك "كودو" النسبة الأكبر في شركة "كان"، ومقهى "كان"، وكذلك مطاعم "عبدالوهاب" اللبناني، ومطعم "لافيلا" الإيطالي، إضافةً إلى مطاعم "عالبال".


محتفلاً بذكرى مرور

وعن إعداد اللحم والخبز، أوضح أنه يتم تزويد مطاعم الشركة بمنتجات "اللحم" من خلال "مصنع اللحوم المُغذِّي"، بينما يتم تزويدها بمنتجات "الخبز" من خلال "مصنع المخبز" الذي يُزوِّدها بجزء من المنتجات، بينما يتم تسويق الجزء الآخر.

فشل التقليد

وعن أسباب إطلاق اسم "كودو" على سلسلة المطاعم، أوضح "اليحيى" أنَّ الفكرة جاءت عندما كان يتم البحث عن اسم تجاري يتكون من كلمة واحدة سهلة التذكُّر والنطق تنحدر من أصل عربي، حيث وقع الاختيار على هذا المُسمَّى، مُشيراً إلى أنَّه اسم لنوع من أنواع الغزلان الإفريقية.

ويرى أن أيِّ مجال عمل له مُعوِّقات وعقبات، حيث إن الفرد يحتاج إلى التعرُّف عليها ومعالجتها أولاً بأول، مُضيفاً أنَّ النجاح الذي تحقَّق لسلسلة مطاعم "كودو" في "المملكة" أدَّى إلى محاولة تقليد العلامة التجارية التابعة للشركة، مُوضحاً أنَّ الأمر تجاوز التقليد إلى محاولة السرقة، مُشيراً إلى أنَّ ذلك لم يقتصر على الشأن المحلي فحسب، بل وصل إلى دول خارجية ك"مصر" و"لبنان" و"الفلبين" و"ليبيا" و"أمريكا"، لافتاً إلى أنَّ تعدُّد الجبهات أدَّى إلى بذل جهود كبيرة في سبيل الحصول على حقوق الشركة في هذا المجال، الأمر الذي نتج عنه غض الطرف، وبذل تلك الجهود في تطوير سلسلة مطاعم "كودو"، مُبيِّناً أنَّ مُقلِّدي وسارقي العلامة التجارية فشلوا في تقديم وجبات تضاهي الوجبات التي يتم إعدادها داخل مطاعم "كودو".


يوقع اتفاقية رعاية الموهوبين

إغراءات مادية

وأكد "اليحيى" على أنَّ هناك من يعتقد أنَّ نجاح سلسلة مطاعم "كودو" يعود إلى جهود العمالة فقط، فبدأوا بتقديم الإغراءات المالية لبعضهم، حيث إنَّ من بينهم من تجاوب مع تلك الإغراءات المادية، كما أن أحد العاملين القُدامى ترك المجموعة بعد أنَّ تمت عملية المخالصة النهائية معه في "مكتب العمل"، والأنظمة تمنعه من العودة للعمل في "المملكة" إلاَّ بعد مرور ثلاث سنوات، ومع ذلك فإنَّه عاد بعد أقل من ستة أشهر فقط، ليعمل مجدداً لدى أحد المطاعم بمدينة "الخبر"، ذاكراً أنَّه تمَّ التعامل مع الموقف بموجب الإجراءات النظامية التي تكفل حقوق المجموعة، على الرغم من كونها طويلة جداًّ ومُتعبة.

وعن العمل في مجال المطاعم والأرباح التي تتحقق نتيجةً لذلك، أوضح أنَّ فيها خيراً كثيراً، إلاَّ أنَّها تعتمد على توفير العمالة الأجنبية المُميزة بشكل كبير، إلى جانب الأنظمة الجديدة المعمول بها في توطين الوظائف، مُضيفاً أنَّ عدم إقبال العديد من الشباب على العمل في المطاعم سيؤدي إلى نشوء عقبات قويَّة في طريق نجاح هذه الصناعة في المستقبل.


اليحيى يتسلم جائزة أفضل رئيس تنفيذي في قطاع التجزئة في الشرق الأوسط

ثقة واحترام

وكشف "اليحيى" أنَّ خدمات المطاعم من أصعب الأعمال؛ لأنَّ التعامل فيها يكون بشكل يومي مع العديد من الأجهزة الحكومية والزبائن والعاملين إلى جانب المُورِّدين والشركاء، مُضيفاً أنَّ لكُلٍّ من هؤلاء همَّه وأهميته، مُوضحاً أنَّ العلاقة تُبنى معهم بشكلٍ جيِّد في وجود الثقة والاحترام ورد الحقوق أولاً بأول، مُشيراً إلى أنَّ عوامل النجاح التي ساهمت في نجاح وتميُّز مطاعم "كودو" تعود إلى توفيق الله -سبحانه وتعالى-، ثُمَّ الجهد والمثابرة والإخلاص المبذولة من قِبل جميع العاملين، إضافة إلى تقديم كل ما هو جديد في هذا المجال، إلى جانب عمليات التطوير التي تتم في كل مرحلة من مراحل عمر "كودو" سواءً على صعيد الهُويَّة والشعار، أو فيما يتعلَّق بقوائم الطعام وما تتضمنه من وجبات جديدة، وكذلك فيما يتعلَّق بتصميم الفروع وتنفيذها واختيار مواقعها، إضافةً إلى توظيف الكفاءات البشرية التي تلائم المرحلة، والحملات التسويقية لدعم حضور العلامة التجارية، والاهتمام بمتطلبات الزبائن والتواصل معهم، إلى جانب تقوية البنية التحتية للشركة في مجالات الحاسب الآلي، وخدمات الإمداد والتموين، وإسكان العاملين.

صبر وصدق

وذكر "اليحيى" أن كثيراً من رجال الأعمال يسعون إلى تنويع الأنشطة التجارية، ومع ذلك فإنَّه لا يُحبِّذ تنويع نشاطه التجاري، مُضيفاً أنَّ تركيزه مُنصب على تطوير وإدارة مطاعم "كودو"، مُوضحاً أنَّ تنويع الأنشطة يُشتِّت الذهن، ويُضعف التركيز، مُشيراً إلى أنَّ الاستثمار في مجالات أخرى كالأسهم والعقار أو المشاركة في مشروعات تجارية أخرى لا تتطلب جهداً كبيراً في الإدارة والتشغيل، وبحكم الخبرة الطويلة التي اكتسبها في العمل التجاري نصح "اليحيى"، نصح الشباب بالجدية والمثابرة والصبر والصدق في التعامل لكونها مفاتيح النجاح.

«كودو» اسم تجاري سهل التذكُّر والنطق وينحدر من أصل عربي ويعني «الغزلان الإفريقية»

مشاركة وبناء

وعن واقع المجتمع، ومستوى التعليم والصحة، يرى أنَّ المجتمع مَرَّ في ال (50) عاما الماضية بمراحل لم تمر بها معظم الشعوب والمجتمعات الأخرى، حيث انتقل من الجهل والتشتُّت والأمراض، إلى التحضُّر والتعليم والرفاهية في مدة وجيزة بمقاييس الشعوب، وكان لذلك تبعاته الإيجابية والسلبية معاً، الأمر الذي جعله ينعكس على سلوكيات أبناء المجتمع بشكل متباين، مُوضحاً أنَّ تجاهل بعض أبناء المجتمع لإرثنا الحضاري والثقافي جعلنا لا نراها إلاَّ في مهرجان "الجنادرية"، معتبراً ذلك ابتعاداً منهم عن ذلك الإرث، مُشدِّداً على ضرورة أن يتم الاهتمام ببناء الانسان جنباً إلى جنب مع بناء الوطن، مُشيراً إلى أنَّ ذلك من شأنه أن يجعل الشباب يشاركون ويساهمون في البناء دون تعثُّر بعيداً عن الاستعانة بالآخرين، داعياً إلى بناء مدارس نموذجية لتخريج جيل واعٍ يشارك في مسيرة البناء العظيمة التي حظي بها هذا البلد المعطاء على يد ولاة الأمر -أيَّدهم الله-.

وأضاف: من أجل أن ننتقل بمجتمعنا إلى مرحلة متقدمة ونجعل أفراده يهنأون بحياة أفضل، فإنَّه لابُدَّ من العمل على التطوير والتحديث في كافة المجالات التي تهم أفراد المجتمع بما يتناسب مع هويتنا ومبادئنا، وكذلك تطبيق مبادئ العدالة وحفظ الحقوق والشفافية، إضافةً إلى تطوير أداء كافة القطاعات الخدمية إلى الأفضل.


عبدالمحسن اليحيى

دعم الجمعيات

وحول المسؤولية الاجتماعية والدور المطلوب من القطاع الخاص ورجال الأعمال، أكد "اليحيى" على أنَّ ذلك ليس حِكراً على رجال الأعمال فقط بل يشاركهم فيه جميع أفراد المجتمع، داعياً إلى تفعيلها والتشجيع عليها كل بقدر طاقته وإمكاناته.

وعن مساهمات شركة "كودو" في المجالات الخيرية والمسؤولية الاجتماعية، أوضح أنَّها تهتم بالجانب الإنساني منذ بداياتها كواجب وطني والتزام أخلاقي لابد من عمله والاستثمار فيه، ومن ذلك المساهمة ببرامج وأنشطة مختلفة مع جمعيات خيرية ومؤسسات حكومية تُعنى بالمسؤولية الاجتماعية، إلى جانب المشاركة مع هيئات تصب فعاليتها في خدمة المجتمع، مُوضحاً أنَّه تمَّ في إطار ذلك دعم "جمعية الأطفال المعوقين" و"جمعية إنسان" و"الجمعية السعودية للإعاقة السمعية" و"جمعية المكفوفين" وغيرها، إلى جانب التعاون مع "الدفاع المدني" و"المرور" في تنظيم حملات تثقيفية لتوعية المجتمع.