ملفات خاصة

الاربعاء 12 رجب 1434هـ - 22 مايو 2013م - العدد 16403

أحاديث في الأدب الشعبي

أخلاق البدو تقدر ظروف عابري السبيل وتحافظ على مشاعر الآخرين

عبدالرحيم الأحمدي

الكرم والحفاوة بالضيف في الجزيرة العربية يهدف إلى سد حاجة العابرين من الطعام، ويبلغ درجة الإيثار على النفس، كما يهدف إلى إشاعة الفرح في النزل والمضارب، ذلك أن الجوار يشارك الضيوف الحفاوة بهم، ولم يكن الجود والكرم من مظاهر المفاخرة أو تحقيق مصلحة بيد الضيف تحقيقها كما يحدث اليوم في كثير من الحفاوات التي من مظاهرها الإسراف والبذخ الذي نهى عنه الإسلام ، ومهما بالغ المضيف في البادية أو الحاضرة في الحفاوة فإن ذلك لا يعد اسرافاً لأخذهم في الحسبان شمولية الفائدة، أما ضيافات الوفادة فلها نظمها وفق مبرراتها. ويفخر الكرماء ومن ينتمي إليهم بما يقدمون من كرم.

وطبيعة الصحراء في الماضي تعرض السفر للحاجة للطعام والمأوى ولذا تجد إشعال النار في منتديات المضارب لإرشاد العابرين لارتيادهم. ومنها أسس الكرم على حاجة اجتماعية فعاد قيمة يحرص الناس على تجسيدها لإسداء الجميل وسد حاجة العابرين، ومن يلوذ بالبعد عن مقابلة الضيوف يناله الذم والهجاء، لذا عدوا الكرم واجباً والجود فضيلة. ومن هنا تناقل الناس أخبار المغرمين بالجود ونسبته إليهم، وساهم الرواة في ذلك كما طبيعة الروايات الشفهية، غير أن القصص الشهيرة تظل قيمتها المعنوية محافظة على نسبتها إلى أصحابها. ومن ذلك قصة المرتعد العنزي الذي مر بديار شمر على أصدق الروايات، وكان يرأس فريقاً من قومه، ولما كان ذلك في زمن العوز وضيق ذات اليد فقد طلب المرتعد من رفاقه أن يتفرقوا بين المضارب وألا ينزلوا جميعاً على بيت واحد فيسببوا لأهله الحرج. تفرق القوم وأم المرتعد ونفر معه أحد بيوت المضارب وكان صاحب البيت غائبا فرحبت بهم زوجته وأدخلتهم إلى المضافة وقدمت لهم الحطب وأواني القهوة وانصرفت. وبعد وقت عادت يبدو عليها الحزن والارتباك إذ ليس لديها ما تقدمه للضيوف من طعام ولم تسعفها المضارب بشيء من ذلك. وعندما لاحظ المرتعد حزنها وقلقها وحيرتها خرج وسألها: ما الأمر؟ فشرحت له ذلك . قال : ماعليك وأخذ يخفف من ألمها و حيرتها وسألها: هل لديك وعاء دهن؟ قالت: نعم ولكن ليس به شيء من الدهن. قال: هاته وأخذ يدهن يديه و يدي رفاقه.وقيل أنه طلب منها إشعال النار لتري المضارب حفاوتها بالضيوف.

أصل القرى زين النبا والتراحيب

وكان المرتعد يود أن يستر هذا البيت من شماتة الآخرين، وكان يهدف أيضاً إلى ترسيخ قيم الكرم، وأنصرف ورفاقه يظهرون للناس ما وجدوه من كرم في بيت الشمري، وعلامة ذلك مايصدر من رائحة الدهن، ولئن زالت عنهم مشاعر الجوع لحسن تقديرهم للظروف الصعبة التي قد تحدث في ذلك المجتمع فإن المرأة عانت كثيرا من هذه الحادثة حسرة وألما لعدم استطاعتها الحفاوة بالضيوف.

وعندما عاد الشمري أخبرته زوجته بماحدث وجزع ونهض إلى إحدى نوقه ووضع عليها وسم العنزي وأشهد جماعته على ذلك، واستمر يضع الوسم على سلالتها حتى أصبحت ذوداً.

وشاء الله أن يلتقى الرجلان بعد حين، ويباشر الشمري العنزي بقوله:

يا المرتعد واجبك حق وصايب

حق على اللي يفهمون المواجيب

وسمتها بحضور كل القرايب

ذبيحتك يامنقع الجود و الطيب

لوما بغينا ما علينا غصايب

لاشك ضيف البيت له حق مصيب

يفداك من هو ضاري للسبايب

لاضاف علق بالمعزب كلاليب

جمالة ياشوق ضافي الذوايب

وذي عادة الطيب بستر المعازيب

يعترف الشمري بواجب الضيف، ووجد من حق الضيف الاحتفاظ بذبيحته له وأيضاً ما تناسل منها حتى يلقى العنزي ويدفع له الأمانة، والوسم علامة الملكية، وليس من حق الضيف إن لم يجد قرى أن يحتفظ له بحقه ولكنها فضائل الكرم. ويفتخر البادية بخصال عديدة في الرجال ومنها الكرم وتجد النساء يفضلن ذوي الخصال الحميدة ويعتبرونهم شوقهن كما جاء في البيت الأخير ، كما يفتخرن بالذوائب وهي الشعور الضافية التي تكسو أجسادهن أينما اضفينا الذوائب، ولذا أشار الشاعر أن المرتعد هو من يستحق عشق الجميلات.

ولقد أجاب الشمري بالأبيات التالية:

الطيب في وجه المشبب وهايب

وطيب الفتى من عند ربه مواهيب

ثلث لنا و ثلث لبيتك حلايب

مقسوم بين الضيف هو و المعازيب

ومعزبتنا يا "فتى" وانت غايب

نشمية تسوى كثير الرعابيب

من جرب الدنيا يعرف النوايب

تراه مايشنى ولا يذكر العيب

واللي يسب لشبعة البطن خايب

أصل القرى زين النبا و التراحيب

وسواء كانت الذبيحة من الإبل أو الأغنام لا يهمنا سوى الفكرة، وتقدير الظروف. والكرم ليس بملء البطون وإنما ترحيب صادق، ومؤانسة دمثة، وتقديم الموجود، وظروف الصحراء قاهرة لا تساعد على وضع الحلول لتفادي مثل موقف هذا الحي من شمر.

والأبيات المتبادلة بين المرتعد صياح العنزي و مطير الشمري، تعبر عن الرجولة وعرب الصحراء. وأسلوب الحياة في زمن الحاجة والفاقة.

والشمري يرى أن محالفة التوفيق لحسن العمل والقول هي هبة من الله يودعها بعض الناس. ويرى المرتعد أن الذود الذي احتفظ له به الشمري ليس من حقه أخذ غير الثلث، قسمة رآها المرتعد ذلك الرجل الشهم الذي قوبل حسن ظنه بمضيفه بالاحتفاظ له بحق الضيافة غير الملزم، وهو بكريم أخلاقه يصون رجولته من عثرات اللسان، ويرتفع بأخلاقه إلى درجات الفضيلة. ومثله الشمري الذي ما أن عرف ضيفه حتى عرف مكانته واحتفظ بحق الضيافة و جسد الرجلان الرجولة في أسمى معانيها.

هذه أخلاق البدو الكرام، فيها تقدير لعابري السبيل، ومحافظة على مشاعر الآخرين. ولما تسابق بعض القبائل على نسبة القصص الجميلة لهم فتلك شهادة بشهامة أصحابها، وفي كل قبيلة من الإيجابيات والسلبيات ما يكفيها إن خيراً فخير وان شرا فشر، والرابح من حسن عمله.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 20

1

  سعد

  مايو 22, 2013, 6:46 ص

إعاده!

2

  العم قوقل

  مايو 22, 2013, 7:43 ص

كان البداوه غدت في وقتنا عيب انا اشهد ان العيب تاج على الراس

3

  الزكرتي

  مايو 22, 2013, 9:01 ص

موب كأن الموضوع مكرر؟

4

  سيكل ابو اربع كفريين

  مايو 22, 2013, 10:13 ص

شكرا للكاتب هذا الجهد الجيد نعم اخلاق البدو وكرمهم وشيمتهم وشجاعتهم وسام نفتخر فيه نايف العنزي

5

  عطاالله الدوامي

  مايو 22, 2013, 10:34 ص

قصة جميلة بارك الله فيك وتعبر عن المثل العليا التي يتمتع بها ابن الصحراء...

6

  راعي الدسك

  مايو 22, 2013, 10:37 ص

جمالة ياشوق ضافي الذوايب وذي عادة الطيب بستر المعازيب

7

  حيمور

  مايو 22, 2013, 11:38 ص

قصه رائعة وهذه افعال العرب الحقيقيه. (ستر.مجازاه)

8

  الساعة3

  مايو 22, 2013, ظهراً

حلو العنوان جذاب يالله السلامة

9

  بدراباالعلا

  مايو 22, 2013, 12:34 م

فديتها من عطتني بعض أهتمامها بدويه راس عالي مقامها بالسمال ياتاس بعترف ملكتنا بحسن أخلاقها الجمال قليل لو وصفنا بنت الشمال * * ** ( رواه / بدر اباالعلا )

10

  بدر باسم حرب

  مايو 22, 2013, 12:47 م

آه هل يعود الزمن الجميل

11

  هدهد بن بلبل ال عصفور

  مايو 22, 2013, 12:58 م

ياليتني من عرب شمر * اسأل وادور على نورة ؟ فديت الكرم والاصالة... موضوع رائع...

12

  طير شمالي

  مايو 22, 2013, 2:22 م

وللاسف الان كثير من ابناء القبائل يرون ان القبليه والتمسك باخلاق الاجداد عيب وتخلف ؟؟؟

13

  واضح

  مايو 22, 2013, 3:05 م

واضح جدا صدق الكلام في هذا المقال , والدليل قرارات وزارة الداخليه والعمل , والجوازات مع عابري السبيل... الله يثبتهم انشالله ويستمروا في صفه الايثار الجميله هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاه

14

  سعيد ال مهدي

  مايو 22, 2013, 4:20 م

اين هؤلاء الناس لقد رحلوا باخلاقهم وكرمهم واليوم خلفهم قطاع الطرق والمستغلون لحاجتهم وابتزازهم الشاعر الى قال امل الوجار وخلي الباب مفتوح /// خوف المسير يستحي ما ينادي رحمه الله العرب وكرم العرب رحل الله يرحمه وخلفه ابناء الفضائيات وحب الدنيا

15

  azizsmno

  مايو 22, 2013, 4:32 م

تفرق القوم وأم المرتعد ونفر معه أحد بيوت المضارب وكان صاحب البيت غائبا فرحبت بهم زوجته وأدخلتهم إلى المضافة وقدمت لهم الحطب وأواني القهوة وانصرفت. ليت تعلم المرأة معنا الاخطلاط وكيف تكون صورتها مشرفة في غياب محرمها...

16

  دواس الظلما

  مايو 22, 2013, 4:59 م

بعض الناس منقهرين

17

  الشمرية

  مايو 22, 2013, 8:20 م

يا لبيه يا شمر

18

  الشمرية

  مايو 22, 2013, 8:22 م

اجمل ما في الاربعاء حديثك يا كاتبنا الجميل

19

  cam

  مايو 22, 2013, 9:59 م

اصل العرب ولاهانو القبايل الثانيه وعلشان كذا الدوله اكثرهم وخاصه عنزه وشمر ماعندهم جنسيه لان الاصل مب بالجنسيه

20

  cam

  مايو 22, 2013, 10:23 م

للتصحيح بعض من قبائل عنزه وشمر المتواجدين في المملكه وباقي ماتجنسوا ومعاملاتهم قيد الاجراء بعضها لها اكثر من 20 سنه

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة