التعلم من تجارب الآخرين فيه فائدة كبيرة فهو إما أن يعطيك معرفة جديدة ويفتح لك أبواباً مغلقة أو أنه يؤكد أن ما تقوم به يسير في الطريق الصحيح. هذا ما تأكد لي من خلال رحلات استطلاع الخبرات في مجال التراث العمراني التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار والتي كان آخرها إلى أسبانيا الأسبوع قبل الفائت. هذه الرحلة هي الثامنة والفكرة بدأت قبل سنوات عندما قرر رئيس الهيئة الأمير سلطان بن سلمان أن يقوم بأول رحلة اختار فيها مجموعة من المسؤولين في قطاع البلديات والمحافظات، كون هؤلاء لهم دور مباشر في المحافظة على تراثنا العمراني الوطني، وبيدهم يمكن أن يحدث الفرق وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق بالتوجيه أو الأوامر ولكن بالاقتناع والمبادرات الشخصية، وكان الأمير على قناعة أن مثل هذه الرحلات سوف تصنع هذه القناعات التي ستقود مع الوقت إلى المبادرات.

الفكرة كانت تركز على التجربة المباشرة وكان الهدف إحداث نقلة في الوعي بقيمة التراث وبناء موقف جديد من هذا الكنز الوطني الذي كان يهدر بشكل يومي وبأيدي أولئك المسؤولين. تغيير المواقف ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض، فقد كانت المواقع التراثية عبئاً كبيراً على البلديات وكان البعض يراها إحدى علامات الماضي المتخلف الذي يجب أن نتخلص منه، وتغيير هذا الموقف يحتاج إلى رجل مؤمن بالتراث ومستعد أن يحارب من أجله ولديه الاستعداد أن يعمل بنفس طويل ويخطط على المدى البعيد، لذلك بدأ الأمير سلطان رحلات الاستطلاع وحوَّلها إلى منهج تعليمي مباشر وعلى مدى السنوات الماضية أحدثت هذه الرحلات تحولا كبيرا في مواقف أمناء المناطق ورؤساء البلديات والمحافظين وحتى الأكاديميين الذين تعلموا في الغرب ولم تتح لهم الفرصة أن يحتكوا بتراثهم وتاريخهم المعماري. التغيير الذي حدث لم يكن بالقوة والفرض ولكن بالاقتناع من خلال الاحتكاك، لقد اكتشف كل من شارك في رحلة من هذه الرحلات أن لدينا مصدراً ثقافياً واقتصادياً مهماً لم نلتفت له ابداً وما علينا إلا أن نعيد التفكير فيه ونستثمر الإمكانات الهائلة التي حبانا بها الله سبحانه ونوظف هذا التراث حتى يكون "جسر الماضي للمستقبل" ليس فقط من الناحية الثقافية بل من الناحية الاقتصادية هو ما شعر به جميع فريق استطلاع الرحلة الأخيرة إلى أسبانيا التي شارك فيها 4 أمناء مناطق وعدد من رؤساء البلديات التي يوجد بها مواقع تراث عمراني قابل لإعادة الحياة.

الدرس المهم الذي قدمته رحلة أسبانيا هو تعانق الثقافة مع الاقتصاد، إذ إن هناك من يرى أن الثقافة مكلفة وهي مصدر صرف لا مصدر دخل بينما تؤكد التجربة الأسبانية أن الثقافة يمكن أن تكون آبار نفط غير ناضبة وأنها يمكن أن تساهم بشكل كبير في بناء الاقتصادات المحلية في مناطق المملكة وتحول مناطق ليس لديها مصادر طبيعية إلى مناطق ذات دخل اقتصادي عال لأنها تملك الموارد الثقافية. في مدينة أشبيلية الأسبانية كانت المدينة تعج بالحركة وفي قرطبة تحولت المدينة القديمة بأكملها إلى سوق ولا يكاد يوجد شارع واحد يخلو من المحلات الصغيرة التي توجد خلفها أفنية المنازل القرطبية الرائعة. في تلك البلدات قدم التراث العمراني نفسه بأسلوب عملي بعيد عن العاطفة وفتح أبواب العمل لسكان هذه المناطق وجلب لهم الزوار الذين يقدرون بالملايين سنويا، وبين للجميع أن الاقتصاد يمكن أن ينمو عندما تستثمر الامكانات الثقافية للمكان بشكل ممنهج وواضح.

لقد أثبت التراث العمراني أنه قادر على تقديم محطات سياحية متكاملة، ففي قرطبة سكنَّا في أحد الفنادق التراثية (مستوى خدمات عالٍ وتجربة فريدة لا يمكن أن تتكرر في مكان آخر فالمكان مختلف والتجربة مختلفة) وهو فندق في وسط المدينة القديمة وعلى بعد خطوات من مسجد قرطبة العظيم وأذكر أن أحد المشاركين في الرحلة علق بقوله "التراث لا يتعارض مع المعاصرة والتقنية فهذا فندق تاريخي لكنه عالي التقنية ومعاصر". وفي غرناطة توقفنا عند فندق "الباردورز" (وهي شركة فنادق متخصصة في الفنادق التراثية وتمتلك عدداً كبيراً من المواقع داخل أسبانيا فقط)، وهو فندق يقع في قلب قصر الحمراء ويحتل جزءاً من مبانيه الخلفية، التجربة كانت فريدة ومباشرة ولا تحتاج إلى إقناع أحد بقيمة هذه المواقع التي يمكن أن تصبح منجم ذهب لمن يملكها. أثناء انتقالنا إلى مدينة (كثارست) توقفنا عند قرية اسمها "جراندلينا" وهي تشبه قرى الباحة والنماص وعسير وقد تم تحويلها إلى قرية تعليمية بالكامل يؤمها الطلاب من كل أنحاء أسبانيا لعمل معسكرات طلابية. الأفكار بدأت تزدحم فكل مكان ننتقل إليه يؤكد أن التراث العمراني يمكن أن يكون جسرا متينا ينقلنا إلى المستقبل.

لا أبالغ عندما أقول إن التجربة لم تحتج إلى التحدث عن الأماكن التي زرناها فهي تتحدث عن نفسها والجميل هو أن كل مكان كان يعبر عن هوية ساكنيه وكان يقدم شخصية المدينة والمكان والتراكمات التاريخية التي مرت عليه كما أنه كان يقدم المبادرات الشجاعة والعظيمة التي قام بها السكان فقد توقفنا عند أحد الفنادق في أشبيلية قام بترميمه وتشغيله الدوق "سغوربي" وهو رجل من عائلة نبيلة ومن سكان المدينة وقام بترميم 27 بيتاً تاريخياً في وسط المدينة التاريخية وحولها إلى فندق تراثي على مستوى عال حتى أن فريق الاستطلاع تمنى لو أننا بقينا أياماً أكثر في أشبيلية حتى نكتشف هذا الفندق الفريد. بمثل هذه المبادرات تعتز المدن ويحفظ التاريخ، وبمثل هذه العزيمة يتحول الذي كان يعتقد أنه في طريقه إلى الاندثار إلى منتج مزدهر. المبادرات الخلاقة التي عشناها أثناء الرحلة الأسبانية أشعرت البعض بالغيرة حتى أن أحد رؤساء البلديات قال لي بالحرف الواحد "سوف أقدم اعتذاراً لأبناء مدينتي على أهمالنا لتراثها العمراني"، فقلت له مازال لدينا الفرصة للعودة من جديد وحفظ ما تبقى من هذا التراث.

أكتب هذا المقال في اليوم الثاني من مؤتمر اليونسكو الذي يتناول موضع "الثقافة مفتاح التنمية المستدامة" وهو يعقد في أحد مواقع التراث العالمي في الصين في مدينة "هانجزو" (15-17 مايو) التي يعتبرها الصينيون "جنة الله في الارض"، وهو مؤتمر يؤكد على القيمة الاقتصادية للثقافة، فقد أصبحت السياحة الثقافية هي التي تصنع الفرق وهي التي تجعل من هذا التقارب بين العالم له معنى فهي تتحدى المتشابه وهي التي ترضي فضولنا بالاكتشاف والتغيير. ما تبقى من تراثنا العمراني هو الذي سيعطي المدينة السعودية هويتها وهو الذي سيجعلها مختلفة وهو الذي سيغرينا بأن ننتقل داخل بلادنا الواسعة ونكتشفها من جديد وكأننا نزورها لأول مرة.