يأخذ الروائي سعود السنعوسي قارئه، منذ بداية روايته "ساق البامبو"، على مركب بحري ضاف، وهو مركب لا يشبه القارب البحري الذي أبحر براشد الطاروف وزوجته الفلبينية إبحاراً قصيراً كانت ثمرته هي عيسى بطل الرواية.

اختار سعود السنعوسي لصوت السارد صوتا ملائما لمأزق بطله الروائي فكان صوتاً هادئاً، لا هو حزين فيغرق في البكائيات ولا هو انفعالي فيطغى بهجائياته على النص. لذا، كان عيسى يسرد حكايته كما لو أنه على مركب بحريّ تنساب معه الحكايات.

كان عيسى البعيد هناك، وتحديدا في الفلبين، يسرد حكاياته عن القريب هنا، عن الكويت. لقد تولت ذاكرة جوزافين السرد وهي تشرح وتصف المشهد لعيسى وللقارئ باسترجاعاتها في منزل الطاروف. صوتها السردي كان متماسكاً وآملاً، وأيضا ميالا لصوت الحكمة فعندما يسألها هوزيه عن مصير فتيات الليل : هل يذهبن إلى الجحيم ؟ . لتجيبه: لست أدري ، ولكنهن ، حتماً يقدن الرجال إليها.

فهي الأم وإن كانت خسرت حياتها الزوجية فثمة أمل يحدوها بأن يسترد ابنها أحلامها وآمالها، وربما كانت تأمل من عيسى أن يعيد وصل ما انقطع وما تبدد وأن يلمّ شمل الأسرة من جديد.

لقد كانت مشاعر الأم في السرد تحمل الحب والتبجيل لراشد و تحاول ما استطاعت أن تكون لطيفة بما يكفي لإبعاد ابنها عن مشاعر الكراهية للجدة أو للعمات، وحتى للمكان بشكل عام فقد استخدمت لغة التشويق كي لا تجعل ابنها يتخذ موقفا عدائياً ويرفض العودة إلى موطنه الأصلي، وهي بذلك إنما كانت تهيئ هذا الابن لمحبة المكان البعيد وليس القريب .

بعد أن أصبح عيسى مراهقاً تولى هو زمام سرد الحكاية فلم يعد هناك حضوراً للأم إلا من خلال ما يسرده عيسى، وكأن دور الأم قد انتهى، ثم كما تحمّل عيسى مصيره في الحياة فقد كان عليه أيضا أن يتحمل عبء السرد في النص .

في الرواية كانت هناك ثلاث حالات لمن يعيشون دون أب: الحالة الأولى هو الجد ميندوزا والحالة الثانية ميرلا والحالة الثالثة هو عيسى. ولكن كان لكل حالة تداعياتها، فالجد بولعه بمراهنة الديوك وعدم ممانعته لابنته أن تعمل كفتاة ليل وكذلك بعزله لأمه في مسكن وحيد وبتصرفاته العصيبة كل ذلك يمنحنا تصوراً لماذا كان ميندوزا بتلك الحالة المضطربة . أما ميرلا فهي ثمرة رجل أوروبي مجهول رحل بعيدا وترك ملامحه الأوروبية على ميرلا، التي كانت كارهة للحياة وللعالم الأوربي ومتمردة دينيا واجتماعيا وأسرياً. لذا، كانت تظن أن خيارها الوحيد هو الانتحار.

أما حالة عيسى فهي حالة مختلفة إذ إنه ابن شرعي لكن والده كان غائباً. لقد تخلى عنه وعن والدته، فعاش عيسى طفولته بين أحلام العودة لموطنه، تلك التي كانت تغذيها أمه، وبين أن يواصل العيش في الفلبين وسط ظروف الحياة القاسية. لقد كانت أحلامه بالعودة ممزوجة بحلمي الحنين الروحي للأب، الثراء المادي، وكانت أمه تعده دوما بأن الحياة المادية في الكويت هي الأفضل. كان الثلاثة كديوك الجد: الديك الرابح، والديك الجديد، والديك الخاسر.

إذا كان بطل رواية "حياة باي"، في ظل ديانات متعددة في أرض الهند، قد اختار أن تجتمع تلك الأديان في قلبه وبحسب فلسفته الخاصة، فإن عيسى شبيه بباي من ناحية، لكنه مختلف من أخرى، واختلافه جاء في كونه من أبوين يحمل كل منهما ديانة مختلفة، إذ كانت أمه متسامحة دينيا أو ربما كانت تحسب حساب عودتها ابنها الى الكويت فلم تحرص على أن يكون مسيحياً خالصاً ولا أن يكون بوذياً وأيضا لم ترغبه كثيراً في الإسلام ولم تنفره منه. تركت له خيارات تعتقد من خلالها أن الزمن هو من سيتكفل بجعل عيسى يختار حياته. وعندما عاد عيسى الى الكويت كان مهيئاً لأن يكون مسلماً مثلما كان مهيئاً لأن يكون كويتياً.

لماذا اختار المؤلف أن تكون بعض شخصيات روايته مثقفة أو ميالة للثقافة والقراءة؟

أعتقد أن موضوع النص لعب دوراً في ذلك، فأزمة الهوية تتطلب الكثير من الحالة المعلوماتية والخطابية، وكان لا بد أن تكون الشخصية ذات وعي وثقافة تؤهلانها لتلعب مثل ذلك الدور. فالأم كانت تهوى الروايات، وتلك الهواية هي من قرّبها من زوجها راشد، وهو الآخر كان يكتب المقالات وله رواية لم تكتمل. أما غسان، صديق راشد، فهو شاعر، بينما هند ناشطة حقوقية ولديها رصيدها الثقافي. هناك أيضاً خولة، المحبة للقراءة، والتي تقترح على عيسى أن يكتب روايته.

لكن تلك الشخصيات المثقفة، التي عول عليها المؤلف في النهوض بالنص معرفياً، كانت هي في واقعها من مارس الخذلان، وهي من تسبب في أزمة عيسى بطل الرواية.

فراشد، ولمجرد أن خادمة المنزل تصغي إلى أحاديثه عن الروايات وعن الأدب قرر أن يتزوجها دون أن يستكنه عواقب الأمور وعمّا إذا كان قادراً على مواجهة العائلة والمجتمع بهذا الزواج الصادم! والأم لمجرد حديث هذا الرجل معها عن الروايات وكونه قد خصها بالبوح الأدبي قررت أن تغامر معه دون تأمل لعواقب الأمور أيضاً فهي تقول: قرأت الكثير من الروايات، أحبتت سندريلا وكوزينت بطلة البؤساء، حتى اصبحت مثلهما خادمة. إلا أنني لم أحظ بنهاية سعيدة كما حدث معهما.

أما الشاعر غسان ولأن عائلة الطاروف رفضت زواجه قرر أن يعيد عيسى الى الكويت بحجة تنفيذ وصية راشد، لكنه في حقيقة الأمر كان يريد رد الدين لتلك العائلة التي رفضته ليجعل ابنهم عيسى شاهداً على تناقضهم الاجتماعي. أما هند، المناضلة حقوقياً، فهي من استسلمت لقرار رفض العائلة لزواجها من غسان وعندما جاءت اللحظة المناسبة لتعلن موقفها من قضية البدون في برنامجها الانتخابي فشلت في الإجابة عن حقوق البدون وخسرت بذلك الاستحقاق الانتخابي. وإذا انتقلنا لشخصية خولة، فهي ورغم تعاطفها الطفولي مع عيسى، إلا إنها، عندما جاءت لحظة الحسم، وكانت المفاضلة بينها وبين عيسى في البقاء في بيت العائلة، اختارت أن يرحل عيسى وتبقى هي كي لا تخسر الامتيازات التي كانت تنالها من الجدة ماما غنيمة. وهكذا، بدت الشخصيات المثقفة في الرواية هي الأضعف إنسانيا وهي من تسبب في أزمة عيسى الذي عاش على أمل الفردوس المفقود.

حين قرر عيسى العودة إلى الكويت، وبينما كان يركب الحافلة، تأمل الحياة الفقيرة وتأمل الوجوه الكادحة، وفي تلك اللحظة لم يعد هو هوزيه.. كان في لحظتها عيسى الكويتي الذي يلتفت ولأول مرة إلى هذه الأماكن بتلك النظرة المختلفة. هنا بدأ ينفصل عن المكان وأصبح يراه بإحساس آخر، وعندما وصل إلى الكويت لم يكن عيسى الفتى الغريب هو وحده من يتأمل الكويت ويرصد بمشاعره وأحلامه تفاصيل المجتمع الكويتي بل كان كل الغرباء من الجنسيات المختلفة في الرواية يرصدون المجتمع في شخصه . ففي مطبخ العائلة والذي تجتمع فيه أكثر من جنسية كان يتم تبادل البوح عما يشعرون به تجاه المجتمع. حتى سر عيسى، الذي أخفي عن الجميع، كانوا يعرفونه بل وقد استنكر أحدهم اعتقاد أهل البيت بأن المستخدمين لا يعرفون. كذلك في حفلة عيد الميلاد للأصدقاء الفلبينيين كانوا في عز ثمالتهم يعبرون عن المجتمع الكويتي وعن رؤيتهم التي عبر كل منهم عنها بحسب موقعه وبحسب صفته. فالرجل المتأنث كان يرى جانباً لا يراه الرجل الثمل، وآخر كان يقول إنهم لا يملكون إلا المادة وآخر يقارنهم بالمجتمع البحريني وآخر كان رأيه عنهم إيجابيا. أما عندما عمل عيسى في المطعم، فقد رصد أيضاً رؤية أخرى لعمال المطعم في ذلك المجتمع . كانت هذه هي رؤية الغرباء، غير أن هولاء الغرباء لم يكونوا وحدهم من كان يعبر عن المجتمع، فقد كان عيسى بدوره يستمع الى تعبيرات أخرى بأصوات محلية عن المجتمع الكويتي من غسان ومن شلة الاصدقاء الكويتيين الذين التقاهم في الفيلبين ومن خولة، لكن عيسى وبسبب أزمته كان هو النموذج الذي عاني من كل تلك الحالات المتناقضة.

عندما كان عيسى في الفلبين كان السرد يذهب الى تفاصيل المكان وكان بيت ميندوزا يتجلى لنا. ثمة وصف للأشجار وللفواكه وللاخضرار بشكل عام وحتى منزل تلك العجوز أدركناه من خلال الوصف . ولكن ما أن عاد عيسى إلي الكويت حتى انصرف السرد الى سرد الظواهر الاجتماعية وأغفل تفاصيل المكان. وكان هذا الأمر مبرراً، فمنذ اللحظة الأولى لوصوله المطار شعر عيسى بالمفارقة، وبدأ في رصد الوجوه الكويتية، التي ظن أنها تشبه وجوه أولئك الشباب الذي التقاهم في الفلبين، والذين كانوا باسمين وفرحين لأنهم كانوا يعيشون فرحهم المؤقت في الخارج .

حادثة اختطاف الجابرية، موت الشيخ جابر الصباح، تحرير الكويت، الانتخابات، هلا فبراير. كل هذه الحوادث التاريخية والاجتماعية تضمنها النص. فهل كان هناك مبرر لاستدعاء كل تلك الحالات؟

أعتقد أن المؤلف حاول أن يخلق لنصه مهابة، وأعني أن استحضار تلك الحوادث يمنح النص أهميته لدى القارئ المحلي، بينما قد تشكل دوراً تعريفياً بتاريخ الكويت للقاريء الأجنبي، وبهذا فهو يضمن حالة مزدوجة من التلقي مهما كان موقع القارىء. أيضا خالط النص شيء من الحس الوطني العالي، وهو ما يتناغم وحالة عيسى الذي يريد أن يستشعر حالة المواطنة، وإن كانت هناك مبالغة في تلك الحالة إلا أن الحس السردي البارع من المؤلف خلق تناغماً بين الحس الوطني والحس الانساني. أما حالة المصادفات في النص فقد تجاوزت حدها المعقول، حتى وإن حاول المؤلف صناعة مبرر ما لكل مصادفة، إلا أن كثرتها تكاد تكون هي العيب الفني الأبرز في الرواية.

ومما يحسب للمؤلف هي براعته في زرع العلامات في النص واسثمارها فيما بعد، فمثلا قدرة عيسى على التدليك كانت ستبدو إضافة مجانية في النص لولا أن استثمرها المؤلف في التقارب مع الجدة ماما غنيمة. كذلك عندما كان الجد ميندوزا يكرر مقولته أكره مجهولي الآباء، وعندما ماتت تلك العجوز أدركنا سر تلك العبارة .

رغم الجدية التي كان عليها النص ورغم عمق المأزق الإنساني الا أن المؤلف لم ينس أن يبلل النص بدفقة من الحس الكوميدي أو باللقطة الطريفة كما حدث في مواقف الجد مع هوزيه وكذلك مواقف ميرلا. أيضاً عندما قام عيسى بتدليك ساق ماما غنيمة لأول مرة وسألها عما كانت تقول فأخبرته خوله بأنها تقول لا تنس الساق الأخرى، ومثل موقفه مع الرجل الثمل الذي طارده ومواقف أخرى لا يمكن رصدها الآن، لكنها حملت طرافة خففت من السوداوية التي تحملها أزمة النص.

هل كان النص إنسانيا خالصا؟

في تصوري، لم يكن الأمر كذلك، فالسارد انحاز الى قضية واحدة وهمّ واحد وشخصية واحدة . فمثلا لم تكن أزمة الأم تعني المؤلف ولم تكن أزمة ميرلا وأمها تشغل باله، فالنص كان يتجه الى معالجة القضية في بعدها الاجتماعي أكثر من بعدها الإنساني.لذا كانت العائلة ترفض وجود عيسى لأنه سوف يتسبب في خسائر اجتماعية لتلك الأسرة، حتى أنهم كانوا يظنون أنه يمكن لعيسى أن يتجاوز أزمته بالمال وحده ..المهم لديهم هو أن يذهب بعيدا. حتى في مشهد الوداع الأخير في المطار، ورغم كل دموع ومشاعر العائلة المصاحبة لوداع عيسى، لم يفكر أحدهم أن يطلب منه التراجع والاستقرار في الكويت. فعلوا كما فعل راشد والد عيسى الذي اكتفى بالمساعدة المادية عن بعد دون ان يتحمل وجود هذا الكائن الذي اسمه عيسى. لكن هل بعد عودة عيسى إلى الفلبين وإنجابه طفلين هناك، سيعيش هذان الطفلان مأزق والدهما وبذلك يتم تدوير أزمة الهوية إلى ما لا نهاية؟

عندما تنتهي من قراءة ساق البامبو تشعر بالامتنان لبراعة المؤلف في سرد حكايته و تثمّن جديته في الجانب المعلوماتي والثقافي الذي تضمنه النص وتبارك له استحقاقه بالفوز بجائزة البوكر في دورتها السابعة لعام 2013.