حفلت حياة العلامة المصري الدكتور سيد كريم؛ الذي رحل عن دنيانا في الثامن عشر من يوليو عن أربعة وتسعين عاماً؛ بالعديد من المحطات البارزة والاجتهادات المؤثرة في أكثر من ميدان، حيث استحق الرجل أن يكون رائداً للتخطيط العمراني في مصر والعالم العربي، واستطاع أن يسهم في تخطيط معظم المدن العربية مثل الرياض وجدة ومكة المكرمة والطائف وبغداد ودمشق والعقبة ونابلس وأبو ظبي وغيرها، كما وضع تخطيط القاهرة الكبرى ومدينة نصر ومدينة الغردقة وسفاجا ومرسى علم، وصمم مباني المؤسسات الصحفية الشهيرة كأخبار اليوم وروز اليوسف والمصري، وغيرها. وإضافة إلى كونه شيخاً للمعماريين العرب، فقد قدم الدكتور سيد كريم أبحاثاً ومصنفات جادة في التاريخ والآثار، وكشف العديد من ألغاز الحضارة الفرعونية. ومن بين ما أسهم الدكتور سيد كريم في تفسيره أن الفراعنة قد تمكنوا من إلغاء الجاذبية الأرضية عند رفع الأحجار التي استخدمت في بناء الأهرامات وتحريكها لمسافات طويلة، وذلك عن طريق توجيه ذبذبات صوتية خاصة وشحنات كهروستاتيكية لتسهيل عملية رفعها، وأن قدماء المصريين هم أول من احتفلوا بعيد الأم كعيد مقدس ابتداء من الدولة القديمة حتى أواخر عهد البطالسة؛ حيث ورد ذكر عيد الأم في أكثر من بردية من برديات كتب الموتى وخاصة كتاب أني دنيستي، كما وجدت ضمن مقابر الدولة الحديثة كثير من البرديات تضمنت نماذج من النصوص التقليدية للدعاء للأم في عيدها، وأن عيد شم النسيم أو عيد الربيع الذي يحتفل به العالم كله هو هدية مصر مهد الحضارات ومهبط الأديان إلى مختلف شعوب العالم القديم والحديث، وأن جميع ما يرتبط بالاحتفال بعيد الربيع من عادات وتقاليد اجتماعية أو طقوس وعقائد هو أمر ثابت في أعماق تاريخ مصر الذي يرعى براعم الحضارة ويكفل نموها وبقاءها.

وتعد علاقة الدكتور سيد كريم بالمملكة العربية السعودية ورجالها وأمرائها من أهم محطات حياته، وهذا ما أورده الكتاب الموسوعي الضخم الذي يحمل عنوان «الدكتور سيد كريم رائد تخطيط المدن» والذي صدر في القاهرة عن «المركز العربي الإعلامي» متضمناً سيرة ذاتية وعلمية للمعماري الكبير الدكتور سيد كريم، وفيها يقول د.كريم: من أهم المحطات خلال مشوار حياتي علاقتي بالمملكة العربية السعودية ورجالها وأمرائها الذين قدموا تدعيمات لمشروعات عظيمة أقيمت على أرض هذا البلد الطيب، وكنتُ طرفاً أصيلاً في تخطيط تلك المشروعات المهمة في ذلك المكان المبارك الأمين..، المملكة السعودية، زعيمة منطقة الخليج العربي، بل وزعيمة العالم الإسلامي كله. وخلال رحلتي الطويلة في المملكة العربية السعودية ظهر معدن الرجال، وبدا بوضوح في أسمى معاني الوفاء والترحيب والمحبة التي أحاطتني أينما كنت هناك في هذا البلد الطيب. ولقد لعبت محبتي الخاصة للمملكة دوراً في حياتي الشخصية، إذ ربطتني علاقات بعائلاتها، ولذلك فقد قمت ببناء مجموعات سكنية بالرياض طبقت فيها نظرية الملكية المشتركة، ومنها أيضاً مجموعة سعود السكنية وهي أول عمارة سكنية بالرياض، وأول تجربة للفيلات المجمعة والتي تحقق خصوصية عدم الاختلاط بين الرجال والنساء بفصل المداخل. وبعد أن توطدت علاقتي بالأمير فيصل بن عبد العزيز الذي كان يعاون والده في حكم البلاد، دعوته لمشاهدة مشروع القاهرة الكبرى بقاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية، وقد أعجب الأمير بالمشروع، ثم طلب مني السفر لبناء قصر له. وفي بيت متواضع في جدة قابلت الأمير فيصل، وبدأت أعرض عليه تصميمات بعض القصور، وهو يستمع بهدوء، ثم توقفت وطلبت منه أن يطلعني على احتياجات القصر الذي يريده ومواصفاته. وتوقفت عن الحديث منتظراً منه أن يرد على كلامي، ولكنه فاجأني بقوله: هل تظن يا دكتور سيد أنني أستدعيك لبناء قصر لي؟! وهل يمكن أن أعيش في قصر والشعب حولي يعيش في خرائب؟ لا يا دكتور سيد، أنا محتاج لتخطيط شامل لمدينة جدة على مستوى تخطيطك للقاهرة الكبرى. وعندما أطمئن إلى أن الشعب أصبح يعيش في مساكن محترمة، يمكن أن أقول إن فيصل بن عبد العزيز يستحق أن يبني قصراً! ولقد استمر عملي بجدة ثم انتشر إلى معظم مدن المملكة، ووضعت تصميماً عربياً لقصر الأمير فيصل بن عبد العزيز الموجود في شارع الأندلس حالياً مع تقاطع شارع الحمراء ويسمى حالياً قصر الحمراء ويطل على البحر الأحمر، وقد علمت أن الأمير فيصل لم ينتقل إليه حتى بعد أن صار ملكاً للبلاد إلى أن لقي وجه ربه، وإن كان قد عقد به عدة لقاءات رسمية وأصبح حالياً مقراً للضيافة.

والدكتور سيد كريم (المولود في عام 1911) تخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة في عام 1933 وكان ترتيبه الأول على قسم العمارة، وأرسل في بعثة دراسية إلى زيورخ وحصل من جامعتها على الماجستير والدكتوراه في تخطيط المدن. وقد عمل الدكتور كريم كأستاذ مساعد في كلية الهندسة بجامعة القاهرة من عام 1938 إلى 1951، وأنشأ أول مكتب استشاري للعمارة والتخطيط في مصر، كما أنه أول مصري تعينه الأمم المتحدة كمستشار لتخطيط المدن. وقد تعاقدت معه الهيئة الدولية لتخطيط المدن التابعة لهيئة المعونة الفنية للأمم المتحدة في الخمسينيات لتخطيط مدن العالم العربي في كل من السعودية والأردن والكويت والجزائر والمغرب، كما قام بتخطيط بغداد الجديدة ودمشق الجديدة وأبو ظبي والبحرين وغيرها من المدن العربية والأجنبية. وهو صاحب أول مجلة متخصصة للعمارة والفنون في مصر في عام 1939، وصاحب مشروع تخطيط القاهرة لكبرى في عام 1952، وأول من أدخل عمارة الأدوار العالية إلى مصر. وقد حصل د.كريم على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير من بلجيكا وسويسرا ومعظم الدول العربية، وقد أصدر موسوعة «لغز الحضارة المصرية» الشهيرة التي تقع في ثلاثين جزءا.