ربما أصبحنا على يقين من أن بلادنا باتت واحدة من أهم نقاط استهداف تجارة المخدرات، هذه حقيقة يمكن استنتاجها بمنتهى السهولة من الحجم المهول للضبطيات فضلا عما يتسلل منها إلى الداخل ولم تعد تخفى آثاره، ولعل أكثر تبريرات هذا الاستهداف البغيض رواجا هو توفر القوة الشرائية (هكذا يقولون) مما يسيل لعاب أساطين هذه التجارة اللعينة، إلى جانب تكرار أسطوانة الحسد المشروخة والرغبة المجردة في تدمير شبابنا، وقد يكون لهذه التبريرات جانب من الصواب.. لكنها قطعا ليست هي كل ما يُغري تجار المخدرات في ركوب المخاطر للوصول إلينا. أولا لأن الوفرة المالية ليست دائما هي السبب الرئيس في الرواج، بدليل أن انتشار ظاهرة التعاطي تنتشر حتى في أوساط الفقراء وربما أكثر من انتشارها في الطبقات الأفضل في مستويات المعيشة، والأمر الثاني أنها تجارة فيما نعلم باهظة الأثمان مما يقلل من قيمة تبرير دافعية الحسد والرغبة في تدمير الشباب، لأن غاية كهذه تحتاج إلى توفير هذه السموم بأرخص الأثمان لتكون في متناول الجميع ليتحقق الهدف بأيسر الطرق. إذن لا بد من أن يكون هنالك سبب آخر ورئيس هو ما يحقق لها هذا الرواج في أوساطنا، وهو هنا في تقديري لا يخرج عن احتمالين: إما لأسباب نفسية سيكولوجية تتصل بإقصاء الشباب والتعامل معهم كقنابل موقوتة، وضيق مساحات الترفيه المتاحة لهم داخل مجتمعاتهم، أو انعدامها تقريبا، مما يدفعهم للبحث عما يغيبهم عن هذا الواقع، وإما نتيجة تفاقم قائمة العطالة، وهو أمر واقع لا نزال حتى هذه اللحظة نفتش عن الحلول الجذرية له.. لكننا قطعا لم نصل إليها بعد.

ما نلاحظه أن هنالك حالة من العنف السلوكي لدى نسبة كبيرة من الشباب، وهذا يُمكن رصده من خلال ظواهر شبابية متعددة، تبدأ من سرعة استثارة غضبهم بحيث يمكن لخطأ مروري صغير أو أي موقف عابر أن يستفزهم ويدفعهم إلى مشاجرات عنيفة، إلى جانب ملاحظة انتشار أدوات العراك اليدوي معهم، حيث لا تكاد تخلو سياراتهم من عصا غليظة أو سكين إن لم يكن أكبر من ذلك، مما يشير إلى ارتفاع نسبة احتمالية المشاجرة في أذهانهم بشكل يدعو دائما للتأهب المسبق.

هذه المؤشرات تعني أننا أمام خلل سيكولوجي لا يزال يواصل قضم مساحة التسامح في نفوسهم لصالح العنف نتيجة غياب أوعية احتواء طاقة المراهقة بشكل طبيعي، ومن ثم ارتفاع معدلات الاكتئاب الجماعي في أوساط الشباب.. الأمر الذي يجعلهم لقمة سائغة لتجار هذه السموم الذين يبيعونهم وهم السعادة بثمنين: الصحة والمال.

هذا المبرر لا يزال للأسف مغيبا لأسباب غير مقنعة، مما جعلنا نفتش عن الحلول في المكان الخطأ.. لهذا يجب أن نعي أننا نعيش عصر الأحمال النفسية الثقيلة والزائدة، وما لم نعمل على تخفيفها فستتحول إلى سلوكيات لا يمكن قبولها، ولن يكون هنالك أحد بمنأى عنها، من هنا ورأفة بشبابنا لا بد مضاعفة العمل من أن نفتح النوافذ لشمس الابتسامة والمحبة ومراعاة المتغيرات في بعض العادات والتقاليد، والعمل على تكثيف التوعية والمراقبة قبل أن يقتلنا التجاهل، ويقتلهم داء الإقصاء والعبوس والضجر، ويلفهم بأكفان الموت كهدايا مجانية لتجار هذه السموم.