شكّلت فكرة اليوتوبيا، منذ القدم، حلما راود الإنسان من أجل تحقيق الحرية، والعدالة، والطمأنينة، والسلام، ولطالما داعب خيال الإنسان أمر إنشاء مستعمرات نائية يعيد فيها الانسجام الى نفسه وعالمه، ويحقق الصفاء الكلي. وقد انبثق ذلك الحلم على خلفية من الشعور بالألم، والظلم، والخوف. ينتج المخيال عالما متوهما يزاح عنه كل ذلك. وقد وجدت لهذا المكان تجليات في الفكر الديني والسياسي والأدبي. وفي كل ذلك يقع تخيل عالم مواز للعالم الحقيقي تتحقق فيه المساواة، وتحترم فيه الرغبات، فيكون مرة مدينة فاضلة، أو فردوسا مفقودا، أو جمهورية.

تجلت فكرة اليوتوبيا، أكثر ما تجلّت، في الأدب، ويعزى إلى توماس مور الفضل في أنه من أوائل الذين منحوا مصطلح اليوتوبيا(Utopia) شرعيته الدلالية، حينما جعله عنوانا لكتابه الذي صدر عام 1516 للدلالة على المكان المتعذر تحقيقه على الأرض، أي ذلك الحيز الخيالي الذي يستحيل العثور عليه في العالم لما يكون عليه من خصوصية يصعب إنزالها على خارطة الأرض. لكن جذور اللفظ تعود إلى اللغة الإغريقية، فهو نحت من(Ou-topos) و( eu-topos) وتنصرف دلالة الأول إلى الخلاء الذي لا يمكن إسقاط وصف المكان عليه، إنه المكان الذي لا يوصف إنما يمكن أن يُتخيّل، وبعبارة أخرى فهو اللامكان، فيما تنصرف دلالة الثاني إلى مكان الفضيلة، فتكون اليوتوبيا هي المكان الفاضل الذي لا نظير له في الأمكنة الواقعية. وبذلك تكون اليوتوبيا المكان المغمور بكل ضروب الخير والسعادة والعدالة، فلا يوجد فيه أي مظهر من مظاهر الكراهية والتعصب والضغائن، لكنه مكان خيالي، وعصي على الوصف إلا على سبيل الرمز والإيحاء.

يغلب الظن بأن أفلاطون هو الذي صكّ للمصطلح مفهوما واضحا حيث يتفانى الجميع في تحقيق المثل العليا في مكان سام، وفي سائر ما يحيل إليه المصطلح، فإنما يشير إلى المكان المثالي الخالي من التناقضات في مواجهة عالم مشحون بكثير من مظاهر السوء والأحقاد. والمثال الأكثر شهرة هو "الجمهورية" التي اقترحها أفلاطون، وجعلها موضوعا لأشهر محاوراته، ففي مدينته المثالية تحقق مفهوم "اليوتوبيا".

وضع الناقد والمفكر الفرنسي بول ريكور اليوتوبيا في تعارض مع الأيديولوجيا، فمثلما تعمل الأيديولوجيا على مستويات ثلاثة، هي: التشويه، وإضفاء الشرعية، والتعريف، تعمل اليوتوبيا، هي الأخرى، على ثلاثة مستويات: أولا، فيما تكون الأيديولوجيا تشويها تكون اليوتوبيا خيالا جامحا، وثانيا، فيما تضفي الأيديولوجيا الشرعية على السلطة، تكون اليوتوبيا بديلا عن السلطة القائمة، فكل اليوتوبيات، كائنا ما كانت ضروبها، تحاول أن تمارس السلطة بطريقة مختلفة عما هو قائم في الواقع. وفي مستوى ثالث، فكما أن أفضل وظائف الأيديولوجيا هي الحفاظ على هوية شخص أو جماعة، فإن أفضل وظائف اليوتوبيا استكشاف الممكن والمحتمل، فوظيفة اليوتوبيا، في نهاية المطاف، وظيفة اللامكان الذي يصبح وجوده ضروريا بوصفه نقيضا ضديا لمكان لا تتوفر فيه شروط العدالة.

يعود كل ذلك إلى أن ريكور كان قد وضع الأيديولوجيا واليوتوبيا في تعارض أعمق على المستوى الوظيفي، حينما تحدث عن احتمال أن تكونا مرضيّتين، فالحالة المرضية للأيديولوجيا تتمثل في الخداع الذي تمارسه، فيها يعتبر الهروب من الواقع هو الحالة المرضية لليوتوبيا، إذ يمكن أن يكون غياب المكان الذي تتحقق فيه فكرة اليوتوبيا مسوغا للهروب والانزواء. وهذا الفصل بين الاثنتين يسمح لليوتوبيا بالتنصل عن أية مسؤولية لمعالجة الصعوبات الواقعية لمجتمع موجود على الأرض.