يا أخي أراك على مدى السنوات تسير على ذات البرنامج الرتيب القاتل، تعود من عملك قرابة وقت العصر فتصفع "أم عيالك" بعبارات التبرّم واللوم لتعجل تحضير وجبة الغداء التي ما إن تتناولها بلا كلام حتى تنطرح على فراشك نائما حتى ما بعد صلاة المغرب. اعرف هذا البرنامج منذ عرفتك قبل عشر سنوات واعرف ان زوجتك حين توقظك لا تتكلم معك في شأن البيت وأطفالك بل تكتفي بتأكيد أنها أعدت "زمزميات" الشاي وبعض المأكولات الخفيفة لتنطلق بها إلى استراحة "الشلّة" التي تمكث فيها حتى ما بعد منتصف الليل أغلب أيام الأسبوع.

أخي الكريم تعال معي نتحدث عمّا أنجزت لنفسك خلال هذه السنوات؛ وهنا أعني بالإنجاز تطوير قدراتك وتنمية مواردك وقبلها كلها قضية صيانة علاقة بربك ومن لهم حق عليك من الأهل والأقربين. أما ما تفعله مع صحبك طيلة ساعات الليل الطويلة فكما علمت منك وأنت تقول "والله حالة" فلا يخرج عن تقليب القنوات الفضائية البائسة أو متابعة "مشاغب" أو "موتور" يهاجم قيما يصونها الدين أو ينتقص معنى يعزّز الوطن.

نعم أعلم أن هناك تطوّرات هائلة حصلت في أدوات الترفيه في استراحة الأنس بعد أن انتقلتم إلى عصر "التويتر" وعلى الشاشات البيضاء سودتم الصفحات بالسخرية والاستهزاء من كل رمز أو مؤسسة، وحينما سألتك لماذا هذا السلوك اكتفيت بكلمة "وش فيها؛ نوسع الصدر عليهم".

أخي الكريم أطفالك لم يعودوا أطفالا فقد كبرت أحلامهم مع أعمارهم وهذه "الشقة" الضيقة التي وضعتهم فيها لم تعد البيت المناسب، وزملاؤك تدرجوا في سلم الترقي وأنت بقيت تقبع في زاوية الاستراحة رهين "شلتك" وأوهام التسلية. كيف رضيت لمواهبك أن توجهها لتدمير أغلى ساعات عمرك فيما لا ينفع من قول وعمل؟ كيف لك أن تستعيد هذه الأعوام الذهبية وأنت سائر في برنامجك البائس الذي لم يتغير فيه على مر السنين سوى الأدوات والضحايا؟

لن أسالك عن حال زوجتك التي يسمونها "الصابرة" بعد أن أعيتها الحيل في إصلاح وقتك ونظرتك للبيت ومسؤوليات الحياة التي اخترت فيها ان تكون "رب" أسرة. ولن أسالك عن طفليك البريئين اللذين بلغ أحدهما التاسعة من عمره وأنت لا تعرف ملامح طموحه وأحلامه الصغيرة في حياة أنت غائب عنها. كيف لم تتساءل يوما؟ أليس من حق طفليك ان يروك ويسمعوك ويتعلّقوا بك؟ وأنّى لهم ذلك وأنت إن غافل أحدهم أمه ليتحدث إليك طردته وعنّفت أمه أن أنقصت دقائق من ساعات نومك في النهار؟ وكيف تلتقيهم وأنت لا تعود إلا بعد منتصف الليل الذي لا يقطع سكونه إلا "ضجيج" السعال" المقيم في صدرك جراء كميات "المعسّل" والتبغ التي تستهلكها كل مساء؟ أخي: هل هذا هو دورك في الحياة؟

  • مسارات:

قال ومضى: لا تعتب عليّ إن وضعت المرآة أمامك.. فقط اكشف القناع وسترى وجهاً جميلاً غيبته الأقنعة.