ذكرنا في الحلقة الماضية تحت هذا العنوان رؤية الانجليزي عبد الله فيلبي (أربعون عاما في البرية) عن التحول الذي طرأ على المجتمع السعودي في ظل حضارة النفط وبداية تدفق الثروات إلى بعض الأفواه الجائعة فترة أربعينات وخمسينات القرن الميلادي الماضي وما حصل من نقلة أعقبها تغيير مفاجئ طال الهيكل الاجتماعي والثقافي لابن الصحراء نتيجة توفر المال واتصاله بالعالم المتحضر والتي عدها انقلابا على العادات والقيم العربية خصوصا الشأن المتعلق بالمرأة ومكانتها التي كانت قبل آفة النفط حاضرة في وجدان الرجل وفي تفاصيل حياته الأخرى وضرب مثالا بالمرأة التي كانت قبل ذلك ترعى غنمها في الصحراء وتبات أحيانا وحيدة تحميها عناية الله ثم أخلاق وقيم مجتمعها, ثم أصبحت الآن تفر إلى أقرب ربوة بمجرد سماعها صوت السيارة نظرا للسمعة السيئة التي لحقت ببعض السائقين وبعض رجال القنص .. إلى ذلك يقول مبتدئا بما اسماه جيل الفضيلة :

حدث أن تحدث الملك الراحل بصراحة عن النساء اللاتي قابلهن في حياته مثل عماته وشقيقته نوره وعن بعض زوجاته وسراياه وعن بناته المحببات لديه. كان الرجال الآخرون يفعلون الشيء نفسه لكن على نطاق ضيق , وكان الانطباع العام السائد يساعد على تكوين صورة عن الحياة الأسرية السعيدة .

وطيلة مدة حكم الملك الراحل احتلت شقيقته نورة مركز الصدارة في عالم المرأة إلى حين وفاتها في عام 1950م حيث صادف ذلك عام اليوبيل الذهبي للملك

ان الأجيال القديمة آخذه في التناقص. فقد انتهى العمر في عام 1954م بإحدى عمات الملك وهي طرفة بنت فيصل التي رحلت عن عمر شارف على المائة عام وكانت طرفة سيدة فاضلة, لم يكن شيء يعادل إخلاصها وتفانيها لابن أخيها المشهور سوى ورعها. وكان الملك الراحل دائما يتحدث عنها بكل الود والإعجاب

ان الشخص العربي شخص واقعي لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها.. وذلك ينطبق على كل حركة من حركات الجسد سواء أكان ذلك ذكرا أم أنثى. لكن كانت أسس مجتمع تلك الأيام كانت قائمة على الفضيلة وعلى النحو الذي حدده القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومن باب المقارنة والحديث عن عامة مجتمع تلك البلاد نقول : انه في الوقت الحاضر أصبح من النادر جدا أن نسمع رجالا في هذه البلاد يتحدثون عن المرأة. اذ سنحت لهم الفرصة أن يختلطوا مع النساء الغربيات من فئات اجتماعية مختلفة. لقد ملأوا أنظارهم وأشبعوا رغباتهم من مفرزات عالم هوليود, وأصبحوا ينظرون إلى المرأة على أنها إحدى متع العالم الجديد في الوقت الذي كان فيه وجودها يستحوذ على تفكيرهم, وكانوا يختلسون النظر للصور النسائية التي كان رجال مراقبة الإعلام يحذفونها قبل السماح لها بالدخول إلى البلاد (كان هؤلاء المراقبين يقومون بطمس الصور أو تمزيق الصفحات التي تحوي صور النساء التي لا تبدو في نظرهم محتشمة ويبالغون أحيانا بطمس الوجه كاملا وأطراف الأيدي والأقدام حتى في بعض صور من تقدمت بهن السن) خشية أن تسيء لمشاعر وحساسية الناس , وبالتالي تسهم في إفساد تلك المشاعر . ومما لا شك فيه أن الرجال في المملكة يتزوجون وينجبون الأطفال, لكن حياتهم الأسرية لم تعد تحظى بالأهمية التي كانت تحظى بها عند ما يودون الهروب من العالم ومن مشاغله. في الزمن الماضي كانت الحياة الأسرية تسيطر على الرجل من بعد صلاة العشاء مباشرة حتى صلاة الفجر , أما اليوم فهناك حفلات العشاء وأفلام السينما – التي كانت في الماضي تتم بسرية تامة ( وقتها كان هناك سينما متنقلة يستأجرها مع المشغل بعض الرجال والنساء ايضا في المنازل بالإضافة إلى صالات سينما الأندية الرياضية الكبيرة التي بدأ بعضها بالظهور )علاوة على بعض وسائل الترفيه الأخرى التي يقضي بها الرجال أمسياتهم بعد يوم طويل يقضونه في السعي وراء جشع المال وحب جمع الثروة .

وكان من الطبيعي أن تجد المرأة طرقا وأساليب تنتقم بها من الرجل, إذ أصبح بإمكانها أيضا إقامة حفلات العشاء والاستمتاع بعروض الأفلام . وأصبحن – بشكل متزايد يسافرن إلى مصر وسوريا ولبنان وهناك يطرحن خمارهن . وأصبح بإمكانهن الوصول أيضا إلى فرنسا وجنيف والى العديد من المنتجعات في ألمانيا , حيث يمكنهن العيش مثل أخواتهن الأوربيات : يتناولن العشاء في أفخم المطاعم ويذهبن إلى المسارح ودور السينما.

وبالطبع كن يقمن بالتسوق من أحدث دور الأزياء دون أن يراودهن أدنى قلق بالأمور المادية, كما كان يخطر على بال ربة البيت الأوروبية : كن يشترين المجوهرات والعطور والفراء والثياب المزركشة, وكل مسببات الأناقة المتكلفة التي تدخل السرور إلى قلب المرأة .