لا تجبروا أولادكم على اختيار تخصص جامعي يعجبكم أنتم وترغبون فيه أنتم، إن المهم هو رغبة الطالب نفسه، وتوافق قدراته مع التخصص الذي يتعلمه، فإنه بهذا يكون كالنهر الذي وجد مجراه، يسيل في مجراه بسهولة وسعادة تحفه الزهور والورود

من أوضح الأخطاء التي وقع فيها مسؤولو التعليم الجامعي لدينا: تعقيد القبول في الجامعات ووضع الشروط الصعبة جداً أمام الطلبة..

بل إنها أحياناً شروط تعجيزية كما في حالات القبول في كليات الطب البشري والهندسة والحاسب..

لا بد أن يأتي الطالب أو الطالبة بما يقارب المئة في المئة من العلامات، لا ينقص عنها إلا قليلاً جداً، مع مقابلات وامتحانات بحيث يتقدم الألوف ولا يقبل إلا العشرات!

لماذا؟

ألسنا نستقدم ألوف الأطباء والطبيبات من خارج المملكة ونحن - في الواقع - لا ندري عن مستواهم ولا نسأل عن معدلهم في الثانوي وكيف تم قبولهم؟

بل إننا نكتشف حالات كثيرة جداً - في أرجاء المملكة - يعمل فيها أطباء مزورون، بشهادات مزورة أصلاً!!

وكذلك المساعدون والممرضون، نكتشف الكثير من تزويرهم لمؤهلاتهم، وقد يكون الاكتشاف بعد عشر سنوات.. ومع ذلك يملأ الأطباء والطبيبات الوافدات مشافينا في القطاعين العام والخاص وتوضع العراقيل التعجيزية في وجوه أبنائنا وبناتنا حين يريدون الالتحاق بكليات الطب لدينا..

لماذا؟

أحرام على بلابله الدوح

حلال للطير من كل جنس؟!

وقل مثل هذا في كليات الهندسة! آلاف المهندسين الأجانب - الذين الله أعلم بمستوياتهم ومؤهلاتهم - تفتح لهم أبواب العمل بأعلى الأجور في القطاعين العام والخاص بينما يصد أبناؤنا وبناتنا عن القبول في كليات الهندسة إلا بأقسى الشروط.

كليات الحاسب الآلي كذلك!!.. نحن نستقدم في كل هذه التخصصات ونحرم أبناءنا من التخصص فيها إلا بشروط تعجيزية..

نستقدم بأسهل الشروط.. ونحرم أبناءنا إلا بأعقد الشروط.. والله إن هذا الأمر محير.. والله إن هذا لا يقبل ولا يجوز!

٭٭٭

وسبحان الله العلي العظيم!

ما أكبر جامعاتنا وما أقل بركتها!

جامعة القاهرة لا تأتي زاوية من زوايا جامعاتنا الشاسعة في مساحاتها ومبانيها ومع ذلك خرَّجت - وتخرج - الألوف المؤلفة في الطب والهندسة والحاسب وفي كل اختصاص..

وجامعاتنا على ضخامتها وفخامة مبانيها وسعة أراضيها وكثرة شوارعها حتى إن الإنسان ليضيع فيها لا تقبل أبناءنا في الاختصاصات الضرورية إلا (بالقطارة) بعدد ضئيل قليل إن استمرت جامعاتنا عليه لم نكتف في الطب والهندسة ولا بعد ألف سنة..

لماذا؟

ولمصلحة من؟

وما الفائدة من هذا التعقيد الشديد في القبول؟

ولماذا هذه الجامعات المكلفة والكبيرة جداً وهي لا تكاد تتسع إلا للنزر اليسير مقارنة بجامعات العالم!

جامعة كاليفورنيا أقل من ربع مساحة جامعاتنا في مبانيها وأراضيها وتقبل أضعاف عدد المقبولين عندنا وتؤهلهم وتعلمهم ولا تعقدهم كما تفعل جامعاتنا العجيبة..

وكذلك كل جامعات العالم.. لا يكاد يوجد جامعات في الدنيا بحجم جامعاتنا سعة في الأراضي وإسرافاً في المباني وكثرة في الشوارع والمرافق، وقلة في القبول!!

أمر يحير العقول!!

٭٭٭

والكليات العسكرية والأمنية كذلك!

القبول فيها عسر شديد!

لماذا؟

إن سكان المملكة يزيدون بمعدل عالٍ جداً، من أكبر معدلات الزيادة في العالم، وإن معظم المواطنين لدينا في سن الشباب، وهذا كله يفرض علينا دعم الجامعات والكليات الأمنية والعسكرية بالمال والإمكانات بحيث تتوسع بما يوازي توسع المجتمع وتستوعب التحديات الجديدة، فكثرة السكان والوافدين تحتاج المزيد المزيد من رجال الأمن المؤهلين، ومن الأطباء والمهندسين ومن الاختصاصات المختلفة في العلوم فالأبحاث، بدل الاستقدام، بل إن الاستقدام هنا لا يصح مع عراقة جامعاتنا نسبياً، ووفرة مواردنا المالية، وتكاثر شبابنا الراغبين في التعليم، ومع هذا فلا زلنا نعتمد على الاستقدام في مجالات الطب والهندسة والعلوم والحاسب والمستقدمون الله أعلم بمؤهلاتهم وشهاداتهم وكيف تم قبولهم في جامعات بلادهم..

إننا مع هذه الطفرة النفطية الهائلة التي لم تشهد مثلها المملكة في كل تاريخها، مدعوون لتعزيز التعليم الجامعي بالمخصصات المالية الكافية، وبتشجيع الجامعات على توظيف المزيد من المعيدين السعوديين - في كل التخصصات - وسرعة ابتعاثهم للخارج للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، بحيث يوجد لدينا من أساتذة الجامعة المواطنين ما يكفي، مع تعديل أوضاعهم ورفع مرتباتهم حتى لا يتسربوا من الجامعات التي تقتر عليهم، ويذهبوا إلى القطاع الخاص، أو يشغلوا بالتجارة على حساب العلم..

لا بد أن يرتاح أستاذ الجامعة في دخله وسكنه حتى يتفرغ لعلمه وطلبته وأبحاثه فيتعافى التعليم الجامعي لدينا ويستوعب النمو الكبير في أعداد المتقدمين للجامعات والكليات العسكرية والأمنية..

إن الوطن لا يبنى إلا بشبابه..

ولا يبني الأوطان إلا شباب مؤهل مرحب به غير معقد في بداية حياته..

٭٭٭

وإلى أن يتم التوسع في إعداد أساتذة الجامعة، عبر الابتعاث المكثف في التخصصات الهامة، للسعوديين، نقترح أن يتم التعليم الجامعي عبر الصالات التي تتسع للعديد من الطلاب، وهذا يسهل عملية القبول فوراً، ولا يؤثر كثيراً على مستوى الطلبة العلمي إذا تم وضع الحوافز الكافية والعادلة لأساتذة الجامعة..

٭٭٭

ولأعزائنا الطلاب من بنين وبنات نقول:

اعتمدوا على ميولكم الحقيقية في اختيار التخصص الجامعي، لا تعتمدوا على وجاهة التخصص الاجتماعية، ولا على عائده المادي في المستقبل، فكل هذا لا يجدي إذا تنافر مع الميل الحقيقي للطالب، ولم يتناسب مع قدراته ومواهبه، بل إنه يتعبه ويشقيه وقد يعرضه للفشل وفقدان الثقة بالنفس، وحتى إذا كابد نفسه على اختصاص لا يحبه - مسايرة لوجاهة اجتماعية أو خضوعاً لرغبة أب - ونال الشهادة في ذلك الاختصاص فمن النادر أن يسعد في العمل الذي أهله له اختصاصه غير المحبب لنفسه، وغير المتفق مع مواهبه..

إن أمام أي شاب قرارين في غاية الأهمية:

الأول: قراره في اختيار تخصصه الجامعي، لأن هذا القرار سوف يتحكم في نوع العلم الذي يدرسه، وسوف يتحكم في نوع العمل الذي يمارسه بعد التخرج، وقسر الطالب نفسه على تخصص لا يحبه ولا يميل إليه لمجرد أن معدله في الثانوية مرتفع جداً، أو لمجرد الوجاهة الاجتماعية، أو تحقيقاً لرغبة الوالدين، كل هذا لا يجدي مع نفور النفس من ذلك التخصص، ورغبتها الأكيدة في تخصص آخر تركه الطالب لاعتقاده أنه أقل وجاهة أو دخلاً، أو لزهد والديه فيه..

إن التعلم لا يرسخ في الأعماق ما لم يصحبه (الولع بالعلم الذي تخصص الطالب فيه) (وتجاوب قدراته مع ذلك العلم) إذا تحقق هذا أصبح التعلم متعة، والبحث لذة، وهذا ما يخرج لنا عالماً حقيقياً ناجحاً وسعيداً ومحباً للعلم الذي تخصص فيه طول عمره، حتى بعد تخرجه ونيله أعلى الشهادات، فإنه لحبه ذلك العلم وولعه به يبحر في أبحاثه ويبتهج بالتعمق فيه، ويعمل في نفس مجاله الذي يحبه من أعماقه والنجاح والسعادة كلاهما يقومان على الحب والانسجام والابتهاج بنوع الدراسة ونوع العمل..

أي تخصص جامعي يتوافق مع رغبة الطالب العميقة، ويتساوق مع مواهبه وقدراته، سوف يجعله أكثر نجاحاً وسعادة، أما إصراره على تخصص لا يتفق مع ميوله الفعلية، ولا يتسق مع قدراته ومواهبه، فإنه يتعبه ويشقيه ويحرمه من متعة العلم وبهجة البحث ولذة الاستغراق في تفاصيل العلم للوصول إلى جوهره..

والثاني: قرار الشاب أو الشابة في اختيار شريك الحياة، فهذا يتوقف عليه سعادة البيت أو شقاؤه - بإذن الله تعالى - ومن لا يجد السعادة في بيته فلن يجدها في مكان آخر.. وهناك مثل يختصر أهمية هذين القرارين، وهو (السعادة أن يكون عملك هوايتك وزوجتك حبيبتك).

٭٭٭

وكلمة محبة صادرة من القلب نقولها للآباء والأمهات الكرام:

لا تجبروا أولادكم على اختيار تخصص جامعي يعجبكم أنتم وترغبون فيه أنتم، إن المهم هو رغبة الطالب نفسه، وتوافق قدراته مع التخصص الذي يتعلمه، فإنه بهذا يكون كالنهر الذي وجد مجراه، يسيل في مجراه بسهولة وسعادة تحفه الزهور والورود، أما الذي يجبره والداه - بشكل أو بآخر - على قبول تخصص يعجبهما هما فقط، فإنه يصبح كمجرى الماء الذي يراد له أن يصعد جبلاً وما هو بصاعده، وإنما ينحسر أمامه، إن الإنسان له طبيعة معينة في نفسيته وقدراته وميوله تشبه طبيعة الأرض الزراعية وما يحيط بها من مناخ، هناك أرض ينبت فيها النخل ويعطي أفضل الثمر ولا يمكن أن تنبت الفراولة أبداً.. والعكس صحيح.. والناجح السعيد من عرف التربة التي تلائمه فزرع فيها بذوره.. إن كثيراً من الآباء والأمهات يوحون لأولادهم - وقد يصلون إلى حد الاجبار - بالتخصص في هذا العلم أو ذاك، رغبة في الوجاهة الاجتماعية والافتخار، أو اعتقاداً أن الابن امتداد للأب ورث ميوله ويجب أن يتخصص مثله.. وكل هذا غير صحيح ولا سليم.. القرار السليم في يد الطالب الذي ينبغي أن يفكر عميقاً ويتعرف على نفسه ونوع تربته وما هي أصالة ميوله ومواهبه فيتجاوب معها ويتخصص فيما تحبه وتميل إليه وتبدع فيه..

إن الآباء والأمهات الذين يوجهون أولادهم للتخصص الذي يرغبونه هم - أي الآباء والأمهات - يجنون على أولادهم في الواقع، ويشقونهم من حيث لا يشعرون.

٭٭٭

إننا نتطلع مع هذه الطفرة النفطية الهائلة التي جاد الله عز وجل بها على بلاد الحرمين إلى انفراج كثير من الأزمات، وفي مقدمتها ثلاث أزمات أرقت مجتمعنا كثيراً ولا تزال مع الأسف حتى الآن وهي:

  • أزمة البطالة.

  • أزمة القبول في الجامعات.

  • أزمة الصحة، حيث لا تزال الإمكانات الصحية قاصرة جداً عن تغطية حاجات المواطنين والمقيمين.