تحدث المستشرق الانجليزي جون (عبدالله) فيلبي في كتابه أربعون عاما في البرية بإسهاب عن حركات الاستقلال التي حدثت أول إلى منتصف القرن السالف في الشرق الأوسط والثروات التي هبطت على بعض دوله من عائدات النفط مؤكدا بأنها لم تمر دون حدوث بعض الخسائر التي طالت الهيكل الاجتماعي والثقافي للعديد من مجتمعات هذه الدول نتيجة اتصالها بدول الغرب وتبني الكثير من الأنماط الغربية بصفتها من المثاليات التي تسعى لتحقيقها، والتي بدأت تحل محل ثقافتهم العربية العريقة لتحدث تحولًا ملحوظاً في العادات والقيم الاجتماعية المعروفة عنهم خصوصاً في الجزيرة العربية، وبالتأكيد فإننا لا نستطيع التسليم بجميع ما ذكره خصوصا في جزئيته المتشائمة جدا والمتعلقة بالمرأة لاسيما وأنه كان يتحدث عن فترة أربعينات وخمسينات القرن الميلادي الماضي وهي فترة كانت لا تزال اغلب مجتمعات الجزيرة تعيش خلالها تحت ضغط الفقر والصراع على لقمة العيش وبالتالي لا يمكن تعميم رؤية فيلبي واعتمادها مقياسا من خلال طبقة الأثرياء والمجتمعات الارستقراطية القليلة التي كان الكاتب يعيش وسطها عند ما قال:

لا بد الآن أن أتوقف لأتحدث عن العرب الذين كانوا في الماضي القريب فخورين بشكل جامح بماضيهم المجيد، وبثقافتهم العريقة، وبنسبهم النبيل، وبكرمهم وسمعتهم القبلية، وبدينهم وأيمانهم برحمة الله يوم الحساب، نجدهم اليوم قد أشاحوا بوجوههم عن أكثر هذه الأمور وكلهم قناعة بأن الأساليب الغربية كفيلة وحدها بأن تؤمن لهم في دار الدنيا كل ما يمكن أن يحتاجوا اليه لتحقيق الثروة والراحة، ومقومات إطلاق العنان للأهواء والرغبات الشخصية. في الماضي كان من المعيب جدا أن تمر بخيام البدو في الصحراء دون أن تنعم بحسن ضيافة ساكنيها. حدث في إحدى المرات أن تعرضت لإطلاق نار، وأجبرت على العودة إلى منطقة مأدبا في الأراضي الأردنية، لكوني اقترفت جرم تجاهل تلك العادات بسبب رغبتي في الوصول المبكر إلى عمّان. وكان من المعيب أيضا أن تمر بجماعة تحلب الجمال ( النياق ) دون أن تشرب من حليبها المتدفق. لكن تغيرت الأمور وأصبح العرب الآن يمزجون الحليب بماء آبارهم ليحققوا المزيد من الأرباح. والفارق المؤسف الآخر بين النظام الاجتماعي القديم والنظام الجديد هو أنه في الأيام الخوالي كانت (راعية الأغنام) لا تخاف على شرفها أو سلامتها عند ما تواجه رجلا في البراري، لكنها أصبحت اليوم عند سماع صوت عربة قادمة تهرب تاركة قطعانها تركض نحو أقرب مرتفع من الأرض لتفادي الأذى والإهانة. وفيما يتعلق بمثل هذه الأحداث أقول بأن السمعة السيئة لحقت ببعض السائقين وبعض رجال قوافل الصيد. ربما يحتاج موضوع التغييرات التي دفعت بالمرأة إلى ذلك الوضع. والتي جاءت نتيجة لتبني العادات الغربية وشيوعها - فصلًا كاملًا إن لم يكن كتابا. يمكن أن تحسن المرأة موضوع التحدث عن هذا الجانب لكن ليس هناك العديد من النسوة الأجانب اللاتي يتعرفن عن كثب على

مجالس الحريم في السعودية، وبالتالي يمكنهن تدوين التغيرات التي طرأت على حياة المرأة منذ ذلك الحي، علاوة على ان سرية أعمالهن وأنشطتهن تمنعهن من التحدث بصراحة عن تلك الأمور. ومع ذلك يمكن أن أشير إلى بعض التغيرات التي كثر الحديث عنها وأصبح من الممكن لمتتبع الأمور أن يلاحظها، وبهذا الخصوص هناك موضوع واحد سبق أن شد انتباهي بشكل ملحوظ: عندما قدمت للمرة الأولى إلى الجزيرة العربية، وبعد حوالي عشرين عاما من ذلك التاريخ، ولنقل إلى بداية الحرب العالمية الثانية كانت المرأة بلا شك الشغل الشاغل للرجل وموضع اهتمامه. وكان الطعام والغذاء يأتي في المرتبة الثانية وذلك أمر طبيعي في بلد جائع.

وبالطبع لم يكن هناك مجال على الإطلاق لإقامة أي علاقة غرامية سرية أو غير طبيعية، اذ أن الدين الإسلامي يحرم إقامة مثل تلك العلاقات، علما انها كانت تحدث بين الحين والآخر بعض التحولات عن منهج الفضيلة هذا، لكن موضوع النساء كان يطرح وبحرية في المجالس، وخاصة من قبل الشباب الذين كانوا يحاولون ادخار المال للفوز بزوجة، ولتأمين مسببات الراحة لها، وكان هذا الموضوع يطرح من قبل رجال متزوجين يحبون نساءهم ويتفاخرون بالصفات الحسنة اللاتي يتمتعن بها، كما كان موضوع المرأة يطرح أيضا من قبل رجال مفتونين بزوجاتهم وخانعين لهن، لكنهم يتبجحون بعدد النساء اللاتي سبق لهم أن تزوجوهن وطلقوهن، ويمكن للمرء أن يسمع أبضا قصصا عن فضيلة المرأة وطهارتها، كما يسمع بعضا من خداع وإغواء النساء. (يتبع)