واجهوا شدة البرد في «جحور الثعالب» وحظائر المواشي وإشعال «نبوع النخيل» ولبس ثوبين..!

الصراع الأزلي للإنسان مع الطبيعة كان أشبه بصراع بقاء من طرف واحد.. حاول من خلاله الإنسان -الذي وهبه الله ميزة العقل- أن يتحايل على المناخ وعوامل الطقس الأخرى، خاصة في مناخ قاري مثل مناخ وسط الجزيرة العربية، وشكّل له (برد الشتاء) التحدي الأكبر في ظل تدهور المستوى المعيشي وصعوبة توفير الوسائل المعينة؛ نتيجة ضيق ذات اليد، ومع تهالك ورداءة المباني أو الخيام التي يقطنونها كانت الفرش والأغطية نادرة جداً أو معدومة في الأصل؛ الأمر الذي يدفعهم في الليالي الباردة إلى الاحتماء بجحور السباع، ومخازن (التبن) والمساجد وحظائر المواشي والنار التي يوقدونها حتى الصباح.

وباعتبار سكان المدن والقرى أحسن حالاً من سكان البادية بفضل وجود المباني والعشش؛ فإن أهل البادية يعانون معاناة حقيقية تكاد تتكرر كل شتاء، وتحديداً في ليل صحاري مكشوفة، وخيام متواضعة، وتكاد تكون حيلتهم الوحيدة إشعال النار طوال الليل مع شبه انعدام وجود الفرش والأغطية؛ وإن وجدت فهي على شكل (قطيفة) وهي عبارة عن قطعة تنسج يدوياً من صوف الغنم، وتصبغ عادة باللون الأحمر تكفي فقط للرجل وزوجته وطفل أو طفلين صغار يفترشون نصفها ويلتحفون نصفها الآخر؛ أما بقية الأسرة -الإخوان والأبناء والبنات الكبار- فإن المحظوظ منهم من يجد بشت أو عباءة أو فروة يلتحف بها وقت نومه، أما من لا يملك شيئاً فإن حيلته أروقة بيت الشعر (الذريات) التي يخلع جزء منها ليلتحفها أو يندس بين أجساد المواشي المتلاصقة لتمده ببعض الدفء متحملاً بذلك روائحها وأبوالها!

مخزن "التبن"!

أما أهالي المدن والقرى فإن حيلتهم (المتبن)، وهي غرفة تخصص مخزنا للتبن الذي لا يقتصر على كونه علفاً للمواشي، بل يستخدم كوسيلة لحفظ بعض مقتنياتهم من الفساد والمحافظة على صلاحيتها لأطول مدة، مثل اللحوم المجففة والقرع وبيض الدجاج التي تغمر وسط التبن، ويسهم أيضاً في امتصاص الرطوبة، خصوصاً القرع الذي يحفظه صالحاً لبضعة أشهر؛ فهذا المتبن بالإضافة إلى كل هذه الاستخدامات كان أيضاً يلجأ إليه من لا يجد ما يقيه من البرد؛ فكان يلجأ إليه الرجال والصبيان يندسون وسط كوم التبن بملابسهم لتخفيف حدة البرد، ولو بالقدر الذي يستطيعون النوم فيه، لكنهم في هذه الحال يتحتم عليهم مداراة الأشياء المخزنة قبل ذلك، خصوصاً البيض حتى لا يتسببوا في إتلافها.

وكان في إحدى قرى القصيم -التي تحولت حالياً إلى محافظة كبرى- كان يوجد فيها (خان) واسع لأهالي البلدة؛ بمثابة سبيل يخزن فيه التبن، ويتسابق عليه صبيان البلدة بعد انقضاء صلاة العشاء مباشرة في الليالي شديدة البرودة؛ لحجز مكان مناسب يقضون فيه ليلتهم وسط أكوام التبن، ويتوقف عنده أيضاً (الطرقية) والمسافرين؛ ليشاركوا أهال البلدة المبيت داخله.


(برد الشتاء) في البادية يمثّل تحدياً كبيراً مع صعوبة توفير وسائل التدفئة

مناخير البقر

أما الحيلة العجيبة والطريفة في الوقت نفسه؛ ووفقاً لما ذكر لي الراوية المعروف "محمد الشرهان" -الذي جمعتني به مناسبة خاصة وقت إعداد هذا الموضوع- فهو يذكر أن أهالي القرى والفلاحين كانوا يستخدمون (البقر) كوسائل تدفئة فعّالة جداً، وقال -بما معناه- أن أهل المنزل في الليالي شديدة البرودة يستعينون بمجموعة من البقر اثنتان أو ثلاث أو أكثر يتم إدخالها أو إدخال رؤوسها من خلال باب غرفة (صفة) نومهم، ثم يبدأ البقر يزفر من مناخيره بسعة (نصف بوصة) تقريباً للمنخر الواحد.. (ينفخ) هواءً ساخناً من جوفه أثناء عملية التنفس ويشكّل هذا القطيع وحدة تكييف متكاملة في قياس وحدات التدفئة، بل إن عددا من البقر بالإمكان أن تدفئ منزلا متكاملا بحجم ومساحة المنازل القديمة التي يستخدم أيضاً في بنائها مواد بناء طبيعية، وتعتبر مواد عازلة مثل الطين واللبن وتحفظ حرارة وبرودة المبنى.


تحمل القوافل ما يحتاجه المسافرون من عتاد

نبوع النخيل

كما كانوا خصوصاً الفلاحين وسكان القرى يحتفظون بمجموعة من (نبوع النخيل) وجذوعها الضخمة بعد موتها، حيث يلجئون إليها مع هجمات البرد القوية والمفاجئة، ويسحبونها إلى جوار حظائر المواشي والمزروعات، ومن ثم إشعالها لحمايتها من البرد ويستعينون بها أحياناً لتدفئة (عريشات) المنازل والمباني المفتوحة؛ لأن من خاصيتها وإن كانت كثيرة الدخان أنها تشتعل بطريقة بطيئة، وقد تستمر ليوم أو يومين دون انطفاء.

ويستعين بعض الأجداد بالوجبات الدسمة عند توفرها لدرء هجمات البرد، خصوصاً في ليل الشتاء الطويل -الذي لا يجتمع فيه جوع وبرد حسب قولهم إلاّ وزاد من أوجاعهم وجلب لهم المرض-، وأثبتت لهم التجارب أن الطعام الدسم يمد أجسامهم بالطاقة والدفء ومن ذلك أيضاً الحليب عند توفره وتسخينه والشرب منه طوال الليل.

كما يتدفأ المتزوج ب(صالي) جسد الزوجة (الممتلئة)، وهذا أحد أسباب تفضيل المرأة السمينة أو الممتلئة في ثقافة الأجداد التي عبروا عنها في مقولتهم الشهيرة وهم يوصون بها -أي بالمرأة الممتلئة- فقالوا عنها:(عليك بها فإنها تروي الرضيع وتدفئ الضجيع)، كما تغنوا فيها وبجمالها بأشعارهم.

نوم "الطرقية"

أما (الطرقية) -أي المسافرون- فهم يبحثون عمن يضيّفهم في منزله أو خيمته ويقنعون بما يُقدم لهم، ولا ينتظرون من مضيّفهم فراشاً ما لم يكون ميسوراً؛ لمعرفتهم بأحوال مجتمعهم، وبذلك فإن المضيف لا يجد حرجاً عندما تحين ساعة نومهم أن يقول لضيفة (نم في حجرة التبن)، أو يقول له إن كان المنزل ضيقاً عليك أن تبات في المسجد، حيث كان المسجد يعد مكاناً للمبيت، حيث لا يقصده المسافرون فقط، بل بعض شباب البلدة أنفسهم ممن تضيق منازلهم، والوضع نفسه ينطبق على (الطرقية) في البادية -في حال عدم وجود ما يعطى لوقايته من البرد-؛ يترك يتصرف بنفسه أما في المبيت وسط المواشي أو جوار النار التي يظل يشعلها طوال الليل، أو يبحث له عن مكان في أروقة بيت الشعر، ودرجت مقولة معروفة في البادية توجه للضيوف عندما تحين ساعة نومهم وهي قولهم (جنوب البل يا ضيوفنا)، وتعني الطلب من الضيف البحث عن جملين متلاصقين لينام بينهما.


المسافرون في الصحراء يشاركون الثعالب جحورها في المبيت

جحر ثعلب!

ويواجه المسافرون -الذين لا يعثرون على خيام للبدو في الصحراء، وبالتالي يضطرون إلى المبيت في العراء، ومثلهم الرعاة والحطابة ممن يجمعون الحطب في الصحراء، والمداوير الذين يبحثون عن مواشي فقدوها في الصحراء ومن في حكمهم- صعوبات كبيرة عندما يحل عليهم الليل، ويكون بارداً أو ممطراً وهم لا يحملون ما يكفيهم من الأغطية، أو لا يجدونها بتاتاً، وهنا ليس لهم إلاّ النار التي يشعلونها طوال الليل ويبيتون يتقلبون إلى جوارها، ومنهم من يحفر حفرة في الأرض أو يبحث له عن (جحر ثعلب) مثلاً أو تجويف غار يغمره ب(الملّة) -وهو التراب الساخن الذي ينتج عن النار ويؤخذ من تحت أو أطراف الجمر- وبعد وضعه في الحفرة أو الغار يغطيه بتراب بارد، ثم ينزل إليه ويسحب معه غطاء للحفرة سواءً كان حجر أو فرع شجرة، وينام في خندقه بضع ساعات دون أن يشعر بالبرد، ويجد أهل البادية عموماً في هذه الطريقة حيلة فعّالة حتى في بيوتهم للتعامل مع البرد المفاجئ.

لبس ثوبين!

كل ذلك كان يجري في ظل إمكانات وظروف معيشية غاية في الصعوبة اقتصر بها اللباس على ثوب وحيد يلبس للصيف والشتاء، ويحاول صاحبه ترقيعه والحفاظ عليه إلى أن يبلى بعد سنوات لا يجد ما يلبسه تحته أو فوقه.. اللهم من لديه ثوب آخر فإنه يلبسه في الشتاء فوق الأول، ولم تكن قد عُرفت الملابس الداخلية و"الجاكيتات"، وإن وجدت بمسميات أخرى فتكاد تكون حكراً على الميسورين فقط، ومثل ذلك الأحذية التي ارتبط استخدامها بحياة الترف ولم تتمكن من توفيرها الأغلبية الكادحة نساءً ورجالاً حتى كانت تتشكل في بطن قدم كل واحد منهم طبقة من الجلد السميك (الميت)؛ يكون بمثابة حذاء، أما الصبيان والبنات؛ فإنهم عادة ما يعانون في صباحات أيام الصقيع؛ فيلجئون إلى لف أقدامهم ببعض الخرق البالية -إن وجدت- أو التقافز فوق الأحجار وأوراق الشجر حتى يتمكنون من السير.

أمثلة شعبية

ومن أهم الخطوات التي تعلمها ابن الجزيرة العربية وعلّمها لأبنائه: معرفة النجوم والطوالع والأنواء، ووصف ما يحدث خلالها من برد وحر ومطر ورياح حتى يستعد لها في وقت مبكر ويتلافى أخطارها المفاجئة، وصاغ على إثر ذلك قوالب تحذيرية على شكل أمثلة ووصايا وحكايات مثل قولهم: (مبيّع الخبل عباته)؛ ويشير إلى فترة في آخر الشتاء ينقطع فيها البرد ويظن البعض أن الشتاء قد ولى فيذهب ليبيع عباءته في السوق، لكنه ما يلبث أن يداهمه البرد مرة أخرى.

وسموا شباط برد الطويلين والمقصود بهما (الرجل والجمل)، وقالوا عنه -أي شباط- بأنه يغير على أهل البادية في الصحراء، وقبل ما يشن غارته يسأل عن استعداداتهم؛ فيقال (شبوبهم سمر ومأكولهم تمر)، وهنا يأمر جنوده بتركهم لأنهم محصنون يأكلون أطيب الطعام ويوقدون بأفضل أنواع الحطب ولا حيلة له فيهم في هذه الحال، أما إن قيل بأن (شبوبهم عراد ومأكولهم جراد)، ويعني انهم يوقدون بأردأ أنواع الحطب، ويأكلون أفقر أنواع الأغذية؛ ففي هذه الحال يهاجمهم لأنه يستطيع عند ذلك إيذاءهم.

محلّف الشيبان

وصنّفوا موسم (العقارب) إلى ثلاث عقارب مدة كل واحدة منهن 13 يوماً؛ الأولى عقرب سم في إشارة إلى شدة البرد، والثانية عقرب الدم والأخيرة عقرب الدسم؛ لتواؤمها مع فصل الربيع الذي يكون فيه البرد قد ولّى، وتحصل حالة مزعجة للإنسان في الصحراء يجتمع فيها ذرى الشجرة بظلها في بعض الأيام يطلقون عليها (مبكّية الحصني) يكون فيها اليوم بارداً ومشمساً في الوقت نفسه، ويقولون بأن الثعلب يركض فيه إلى ذرى الشجرة؛ فيجد حاله في ظلها، ثم يخرج من الظل إلى الشمس فيجد نفسه بمواجهة الرياح الباردة؛ عندئذ لا يبقى أمامه إلاّ الإجهاش بالبكاء تعبيراً عن العجز وقلّة الحيلة رغم تصنيفه من أكثر الحيوانات ذكاءً.

ويردد أهل البادية مقولة (محلّف الشيبان) يتهمون فيها كبار السن بترديد القسم عاماً بعد عام بأن برد هذا الشتاء لم يحصل لهم في أي من الأعوام السابقة، ويقصدون فيها أن الإنسان كلما تقدم به العمر قلّت مقاومته للبرد، وإن كان هناك من يقول ان كبير السن قد يصادف عاماً بعد ما يتقدم به العمر هو الأكثر برودة ويلحق أضراراً بالناس يطلقون عليه محلّف الشيبان..!