في ديوانه «تمام الجحيم»؛ الصادر مؤخراً في القاهرة عن «المكتب المصري للمطبوعات»؛ يكتب الشاعر المصري المقيم بالإمارات كمال عبد الحميد روحه الملتاعة المعذبة؛ الممسوسة بأوجاع المدينة وخطايا المرأة وإفرازات الواقع، وذلك وفقاً لخصوصية تمنعه من الوقوع أسيراً في شراك موجة التفاصيل اليومية بما صارت تحمله من كليشيهات وعبارات وأطروحات نمطية.

إنه شاعر يكتب قصيدة النثر حقاً، ولكن وفقاً لإيقاعاته النفسية وتصوراته المعرفية وخيالاته المحلّقة، حيث يلقي بكتلة النار في وجوه متلقّيه لتترك بداخلهم شجناً جميلاً، وقلقاً أجمل؛ حين تتكشف القصيدة عن روح تتصارع مع ذاتها..، مع خارجها..، مع انكسارات صاحبها وأوهامه وإحباطاته. ويعترف الشاعر بأن ال«هي» أو «المرأة» هي قاتلته، إذ يقول: «أنا قتيلكِ، عظامي في القبر باردة، وأشياؤكِ تشقّ قمصانها. نحن الفانون..، نمر كعابري سبيل، ونُسحق بين الرمال!».

وفي نصه «تمام الجحيم»؛ وهو نص واحد يقع في مائة صفحة من القطع المتوسط؛ يبدو الشاعر مسكوناً إلى حد الموت بأسئلته الكبيرة المشحونة بالتوتر، وهي أسئلة لا يطرحها الشاعر في نصه باحثاً عن تفسيرات أو إجابات مريحة، بل هو طرح مصدره القلق، وغايته ليست اطمئناناً تاماً أو حتى ناقصاً، بل إن غايته التوتر ذاته الذي فجّر لديه السؤال! إنه منفتح على قلقه تماماً، مغرم به ولا يريد نهاية له، مطمئن إلى توتره، ولا يرضى براحته. وحين تجيء الأسئلة لتغلق من الأبواب أمامه ما كان موارباً منها، يجد أسئلة أخرى أكثر قسوة وحيرة! وقد جاء النص دون أي تأريخ أو إشارة إلى زمن كتابته، ربما عن قصد، ليترك الشاعر في كتابه الأول بوابته الشاسعة مفتوحة على قلق دائم، وتأويل آخر للزمان والمكان، وليتسق هذا كله مع أسئلته الكثيرة التي يزدحم بها النص حول الحياة والموت والمرأة والحب والفقد والحنين والاغتراب .. وغيرها.

أما لغة الشاعر، فقد جاءت مكثفة، دالة، بعيدة عن التقريرية واليقينية، منقاة من المجازات والتخييلات غير المألوفة، إضافة إلى ما فيها من مسحة رومانسية حزينة. وحينما تبدو العبارات لا منطقية أو قريبة من حد الهذيان؛ فإن ذلك لا يعني أن الشاعر قد نجا من «جحيمه»، فالشاعر؛ حتى في هذيانه؛ لا تنطفئ نيرانه المتقدة أبداً، بل تزداد توهجاً!

وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر كمال عبد الحميد من مواليد محافظة سوهاج في صعيد مصر، وهو حاصل على ليسانس الآداب (قسم الصحافة) في عام 1987، ويعمل حالياً مديراً لتحرير مجلة «المرأة اليوم» التي تصدر في دولة الإمارات.