أكد باحث في قوانين الشركات والسوق المالية على أهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات، معتبراً أن ذلك أحد أهم المواضيع التي تزخر بها الأدبيات المتعلقة بقوانين الشركات والأسواق المالية وما يسمى مؤخراً بحوكمة الشركات كمبدأ أصيل تناوله العديد من الباحثين لعلاقته الوثيقة بنظرية «أصحاب المصالح» منهم العالم الأمريكي Dodd الذي يرى بأن الشركة لا تعتمد فقط على المساهمين بل على أصحاب المصالح المرتبطة، أمثال الموظفين والدائنين والعملاء في اتخاذ القرارات التي تخص الشركة.

ودعا فالح القحطاني الباحث والمتخصص في قوانين الشركات والسوق المالية إلى أخذ مبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات بعين الاعتبار، مطالباً بتأسيس نظام/قانون يعتبر بمثابة مرجع للشركات في تشجيع المسؤولية الاجتماعية، ويمكن أن يصاغ هذا النظام وفقاً لأنظمة مشابهة دولياً وبناءً على التطبيق الأمثل في دول العالم المتقدم بما يتوافق مع الأسس والمصادر الإسلامية.

الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية للشركات يزداد في العالم المتقدم بعد الانهيارات المالية

وقال القحطاني إن العديد من تعاريف المسؤولية الاجتماعية للشركات ذكرت بأن هذا المبدأ الأصيل يمثل مجموعة القيم والأخلاقيات والتعاملات التي يجب أن تقوم بها الشركة لتحقيق تأثير إيجابي على المجتمع الذي تعمل فيه، فعلي سبيل المثال المسؤولية الاجتماعية للشركات مناطة بالابتعاد عن الأضرار المتعمد أو غير المتعمد بالبيئة والعناية بالموظفين العاملين في الشركة على أساس أنهم جزاء ثمين في هذه المنظومة، والاهتمام أيضاً بدعم المناشط الاجتماعية في ذلك المجتمع.

وأضاف أن الاهتمام بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات ازداد في دول العالم المتقدم وخصوصاً بعد الانهيارات والفضائح المالية التي وقعت للعديد من كبريات الشركات في هذه الدول، موضحاً أن هذه الانهيارات المالية كانت سبباً لإفلاس الكثير من الشركات والأفراد على حداً سواء، بالإضافة إلى غياب مبدأ المسؤولية الاجتماعية لتلك الشركات، حيث كان تقرير «كادبوري» في المملكة المتحدة من أوائل التقارير في العالم التي ذكرت أهمية قيام الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية، وفي الجانب الآخر هناك العديد من كبار المتخصصين في قانون الشركات والأسواق المالية يرون بأن الشركات تلتزم بعقد غير مكتوب مع المجتمع الذي تعمل فيه ومن ثمّ فالشركة يجب أن تسعى جاهدة لتحقيق الرضا الاجتماعي عليها من قبل أفراد المجتمع وذلك يتم بقيام الشركة باحترام ما هو مقرر قانوناً للإنسان من حقوق وأيضاً دعم الأعمال المساعدة للمجتمع.

ولفت القحطاني إلى وجود من يري بأن الشركات في دول العالم المتقدم تحترم مسؤوليتها الاجتماعية والحقوق المقررة للإنسان أكثر من نظيراتها في دول العالم الثاني، والعالم الانتقالي بين المتقدم والنامي، ولكن نرى بين الفينة والأخرى ما يثبت عكس هذه الحقيقة والمثال على ذلك ما أحدثته شركة BP البريطانية من كارثة بيئية في خليج المكسيك عام 2009، عندما تسبب النفط ومشتقاته المنبعثة من عطل فني في أنابيب هذه الشركة بكارثة بيئية تكاد تكون الأسوأ في بداية القرن الحادي والعشرين ما تسبب بأضرار جسيمة على البيئة والأسماك والطيور والإنسان على حداء سواء ومن المبادئ القانونية المقررة دولياً في «إعلان ستوكهولم» في عام 1972م، والموقع عليه من قبل أكثر من مائة دولة: «أن الحق في بيئة صحية يعتبر من الحقوق الأساسية للإنسان، ويجب منع القطاع العام أو الخاص على حد سواء في أي دولة من تشكيل أي تهديد لحياة الإنسان واحتياجاته».

وشدد الباحث في قوانين الشركات والسوق المالية في حديثه على أن من الاختراقات الحالية لحقوق الإنسان من قبل بعض الشركات العاملة في دول العالم النامي توظيف الأطفال والنساء والعمال بما يطلق عليه (Slavery Labor) من دون منحهم رواتب مجزية مقابل الأعمال الشاقة التي يقومون بها، وأيضاً عدم توفير التأمين الطبي لهم والأسوأ من ذلك عدم توفير بيئة عمل مناسبة وموافقة لأنظمة السلامة لقيامهم بهذه الأعمال، مشيراً إلى أنه على المستوى الدولي كان هناك مجهودات تقوم بها بعض المنظمات الحكومية وغير الحكومية لإرساء حقوق الإنسان فيما يتعلق بأعمال الشركات ومن تلك المنظمات الأمم المتحدة التي أسست منهج قانوني فكري يطلق عليه «The UN Framework for Business and Human Rights» والمهتم بإرساء حقوق الإنسان فيما يختص بأعمال التجارة والشركات ومحاولة وضعها حيز التنفيذ حيثما أمكن، وفي الجانب السعودي فيما يختص بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، نجد أن لائحة حوكمة الشركات (مادة 10-F) الصادرة عام 2006م من قبل هيئة سوق المال ذكرت باختصار مبهم مادة فرعية تتعلق بتشجيع الشركات المساهمة على ذكر الأعمال المساعدة أو الاجتماعية التي قامت بها الشركة في التقرير الدوري.

وأشار القحطاني إلى أن المادة 74 من قانون الشركات الصادر عام 1975 نصت على أن تسأل الشركة عن المخالفات سواءً ما يتعلق منها بالأمور المالية والفنية للشركة وكذلك ما يتعلق مجازاً بالإضرار بالمجتمع التي تعمل به الشركة يعتبر من المخالفات التي تسُأل عنها الشركة وأعضاء مجلس إداراتها وهذه المساءلة تكون مقبولة نظاماً طالما أن عضواً أو أعضاء مجلس الإدارة وافقوا أو اعترضوا على حدث يشكل اختراقاً لما يطلق عليه مبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركة من ناحية المحافظة على البيئة وحقوق الإنسان.

ولم يخف القحطاني وجود العديد من الشركات المساهمة في المملكة سباقة في محاولة فهم دورها الاجتماعي، وأيضاً محاولة تكريس بعض جهودها وأرباحها كحق لهذا المجتمع الذي تعمل فيه وتتحصل على منافعه، إلا أن عدد هذه الشركات ليس كبيراً وفي الجانب الآخر المحبط هناك الغالبية العظمي من الشركات المساهمة التي لم تذكر قليلاً أو كثيراً عن دورها وقيامها بمسؤوليتها الاجتماعية، ويمكن معرفة ذلك من خلال الدخول على مواقع هذه الشركات وقراءة قوائمها وتقاريرها السنوية وما يكتب عنها في الصحافة وفي الغرف التجارية، وإن وجد تطبيق للمسؤولية الاجتماعية للشركات في مجتمع الأعمال السعودي، فهذا التطبيق يقتصر على أساسيات نذكر منها على سبيل المثال دعم النظام الصحي في السعودية بالأجهزة والمباني ودعم الجمعيات الخيرية وجمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة ودور الأيتام. أما ما يتعلق بالبيئة فعندما يوجد أكثر من 352 مصنعاً داخل مدينة سعودية (الجبيل) فالحديث عن المسؤولية الاجتماعية يجب أن يأخذ منحى جدّياً وعملياً للغاية حتى وإن كانت هذه الشركات والمصانع على قدر عال من الاحترافية في أداء أعمالها، فربما كانت الإشعاعات والتلوث البيئي سبباً مهماً للتذكير بالمسؤولية الاجتماعية وعلاقتها بحقوق الإنسان.