إسرائيل دائما تجيد توقيت عدوانها، فقد استغلت فترة الركود التي تلت انتخابات 2008م في هجومها على غزة أواخر ذلك العام وبداية العام الذي تلاه، وهي اليوم تكرر نفس المشهد في فترة إعادة التوازن التي يشهدها البيت الأبيض بعد خروجه من الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة.

الجديد هذه المرة أن العدوان الإسرئيلي يختبر إرادة مصر، ويستثمر حالة التعبئة المحلية الإسرائيلية في تغذية الأجنحة الصهيونية المتطرفة بالمزيد من الشعبية لجني ثمار الاستحقاق الانتخابي. وليست هذه هي المرة الأولى التي تنتهك فيها إسرائيل كل الأعراف والمواثيق الدولية، ولن تكون الأخيرة التي تمارس فيها آلتها العسكرية العدوان على الإنسانية، فهي معتادة على الضرب عرض الحائط بكل المعاهدات الدولية منتهكة كل الأعراف والقيم الإنسانية. وإذا كان كل ذلك ليس جديدا على إسرئيل. فما الجديد؟

الجديد أن إسرئيل لا تريد أن تكون تحت رحمة الخوف من الحكام الجدد في مصر، ثم الحكام المرتقبين في سوريا فآثرت الهجوم بالتوقيت الذي اختارته؛ فإما أن تكتشف أن لا جديد في المنطقة العربية وأن الربيع العربي لم يأت بما يمكن أن يشكل تهديدا لها وعليه فلا مانع من تقديم تنازلات لحلحلة القضية السورية وتحفيز الغرب عموما وأمريكا خصوصا على وضع حد للنظام الحاكم في سوريا، وإما أن إسرائيل قد تواجه بموقف حازم مختلف عما عهدته تؤكد فيه حكومة مصر المجاورة بأنها تملك خيارات مفتوحة للتعامل مع الموقف وعندها تكون إسرائيل في حل عندما تشن هجوما استباقيا قد يفرض واقعا جديدا على الأرض وتدخل المنطقة في دوامة حرب تعيد صياغة واقعا لا يمكن التكهن به.

إسرائيل بكل أسف هي الكاسب الوحيد في كل الحالات، ذلك أن المعطيات تؤكد أن مصر غير جاهزة للحرب، وأن إجماعا عربيا على حرب جديدة ليس واردا لأن الدول العربية لا تملك قرارا موحدا من الحرب، فلكل دولة ظروفها الداخلية وحساباتها الخاصة، ويغالط نفسه من يظن أن هناك نظاما عربيا واحدا أو أمة عربية ذات توافق على أمن عربي محدد المعالم. كنتُ ومازلت أقول بأنه لا توجد أمة عربية لسبب بسيط وهو أن مصالح الأمة لابد أن تكون متسقة غير متناقضة، بينما لكل دولة عربية حاليا مصالحها غير المتفقة مع الجارة العربية الأخرى. ولذلك فأقرب وصف لنا هو دول ناطقة باللغة العربية وليس أمة عربية. وما يؤكد تباين الدول العربية ما تشهده الساحة الفلسطينية من اختلاف وتقسيم المقسم واحتلال المحتل ولمّا بعد تعلن دولة فلسطينية مستقلة.

ما قدمته مصر من مواقف سريعة من العدوان الإسرائيلي لافتة للنظر، لكنها قذفت بكل ما في جعبتها دفعة واحدة، وخلفت زيارة رئيس وزرائها تدمير الموقع الذي التقى فيه قيادة حماس في إهانة إسرائيلية واضحة لكل الجهود المصرية التي تحاول أمريكا أن تعتبرها مساعي تهدئة متفقا عليها مع واشنطن وليست تعبيرا عن موقف مصري مستقل وداعم للموقف الفلسطيني في غزة.

أعتقد أن التغيير الذي طرأ على المنطقة يزيد الأمور تعقيدا، فالشارع العربي أصبح غير قابل على التعاطي العقلاني مع الموقف، في حين تبدو الأنظمة العربية الجديدة طامحة لاختطاف مشاعر الشارع بخطبها الرنانة مع أنها في الواقع مكبلة بتحديات أكثر إلحاحا تمنعها من الدخول في حرب جديدة. وكل الأنظار تعود مرة أخرى إلى واشنطن والعواصم الغربية التي ستقنع العرب بإعادة إعمار ما تدمره إسرائيل بين الفينة والأخرى.

إن المقاومة الفلسطينية التقليدية من خلال الحجر أو الصواريخ البدائية هي أكثر ما يقض مضاجع الإسرائيليين بعيدا عن جعجعة العرب التي لا تنتهي. الخطير على الموضوع الفلسطيني أن يستخدم للاستهلاك المحلي لإطفاء المعارضة وتصبير الشعوب على اعتبار أن المقدرات والسياسات متوجهة لنصرة الفلسطينيين.

خاتمة المشهد تتمثل في عودة المنطق إلى العمل العربي وتحكيم العقل والاتزان، واستخدام المعلومة بشكل جيد؛ إذ أنه من العيب ألا نستطيع الوصول إلى شرائح مؤثرة في المجتمع الغربي الذي جعلته المعلومة المتوفرة أمامه حاليا يدين الضحية ويتعاطف مع الجلاد.