يوم بعد يوم بات حلم عنيزة في سوقها الكبير يتبخر فمن «المسوكف» إلى (المسوكف مول) أصبحت الآمال تتضاءل تدريجياً بل إن ثقة أبناء المحافظة في البلدية والقائمين على مشروع (المسوكف) تلاشت وربما انعكس ذلك على المشروع الجديد الذي تَقَزّم وتَأزّم وسار في اتجاه مباين للطموحات التي يحملها الأهالي.. أما سر هذا التحول فهو لا يزال غامضاً لدى الكثيرين بسبب التعتيم الكبير الذي ساد الأحداث التي تلت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم لحفل استعراض سوق المسوكف في 25/11/1423هـ حين تم الإعلان عن الأرقام الفلكية لتكلفة المشروع.

إن كان الذنب تتحمله المحافظة المطلعة على الموضوع أو البلدية أو المقاول فهذا لا يهم المواطن بل ما يهمه هو الإطلاع على السبب الحقيقي حول تقزيم المشروع.. هذا السؤال الكبير يجر في أذياله تساؤلات أكبر.

ونحن من خلال هذا التحقيق ننطلق في رحلة البحث عن إجابة لأكبر قدر من هذه التساؤلات علنا نخرج بمحصلة تروي نهم القارئ العزيز في التعرف على حيثيات الموضوع بشكل مفصل.

عندما تواردت الأحاديث عن مشروع المسوكف كان المتلقي بين مصدق ومرتاب لضخامة المشروع ولكون الأرقام المعلنة كبيرة جداً.. ولن يزول الشك لدى الكثيرين في حقيقة الأنباء إلا بعد حفل عرض السوق الذي رعاه أمير المنطقة يحفظه الله.

والغريب أن هناك من ظل يتحدث عن استحالة تحقق هذا الحلم الكبير وكأنه يعلم ما سيجري لاحقاً.. ولعل ما عزز الشك الذي يدور في هواجس أبناء المحافظة هو التأخر في تنفيذ المشروع حتى أن جداراً واحداً لم يمس من المباني القائمة في الموقع لا تزال حتى هذا اليوم قائمة وتمارس نشاطاتها التجارية وكأن شيئاً لن يكون ومع كل ذلك - في نظر الكثيرين - ظلت البلدية إلى وقت قريب تصر على دحض كل الشكوك حول إلغاء المشروع أو حتى تأجيله.

ولعل الاستعداد لهذا المشروع لم يتمثل إلا في بناء ما يقارب من مائة محل تجاري مؤقت استعداداً لترحيل بعض المحال القائمة على أرض المشروع وقد بلغ البناء مراحله الأخيرة.

تقزم المشروع

رئيس بلدية محافظة عنيزة المهندس أحمد بن عبدالله المزروع توجهت له «الرياض» بسؤال مباشر.. لماذا تقزم مشروع سوق (المسوكف)؟

ولم يكن ليخفي علامات التعجب التي بدت على وجهه إلا أنه أجاب بثقة وهو يقول: إن عقد سوق (المسوكف) هو عقد مع المستثمر لتأجير السوق بهدف تنمية وتطوير قلب المدينة النابض ومركزها التجاري.. أما مسألة العرض الذي قدمته الشركة أمام صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة القصيم فقد كان عرضاً مقترحاً من قبل الشركة ليس من بنود العقد ما يلزمها بتنفيذ المشروع وفق هذا التصميم المقدم خلال العرض بل لم نكن وقتها قد أبدينا موافقتنا عليه ولا شك أننا تفاجأنا بضخامة المشروع.

  • قاطعناه..: ولكن عرض المشروع بين يدي سموه وفي ضيافة البلدية وبعد دراسة ومشاورات مع البلدية كل ذلك يوحي بموافقة ضمنية من البلدية واعتمادها للتصميم!

هذا صحيح ولكن الحقيقة هي أن البلدية لا يمكن لها أن تفرض على المستثمر أي تصميم حسب العقد المبرم كما لا تملك البلدية الاعتراض إلا في حدود المواصفات الفنية المطلوبة دون التصميم الخارجي للمشروع.

الواقع الحالي

  • والآن.. ماذا عن المشروع؟

بعد أن تأخر المقاول في التنفيذ وتقدم لمفاوضتنا مقاول جديد رفضنا التعاطي معه لأن المسؤول أمامنا نظاماً هو المستثمر الأول ولذا رفضت حتى استقباله للتفاوض حول المشروع إلا بعد أن قدم أوراقاً تثبت بأن شركته هي إحدى فروع الشركة السابقة ومفوضة عنها.

بعد ذلك تم عقد اجتماع برئاسة سعادة محافظ عنيزة الأستاذ عبدالله بن يحيى السليم وعضوية رئيس البلدية ورئيس وأعضاء لجنة الأهالي لمناقشة التصميم المقدم من قبل المقاول الجديد.. وقد أقر الاجتماع المشروع الجديد على أن يتم أولاً تنفيذ مشروع سوق الخضار الجديد من قبل نفس المقاول ليشرع بعدها بتنفيذ سوق (المسوكف مول).. وذلك تحقيقاً لهدفين أولهما: ضمان جدية المقاول وثانيهما: ايجاد مكان مناسب لأسواق الخضار والدواجن واللحوم والحبوب والتي تقع جميعها في موقع مشروع سوق (المسوكف).

استهتار المقاول

  • عرض المشروع أمام أمير المنطقة والتباهي بالأرقام الفلكية ثم التأخير في التنفيذ لأكثر من سنة ثم ولادة شركة جديدة تدعي بأنها ابنة الشركة الأم المستثمرة ثم تقزيم وتقليم المشروع من حيث التصميم والأرقام.. الا يدل كل هذا على استهتار من قبل المستثمر؟

في كل الأحوال نحن لا نملك سوى التعامل بحزم مع المستثمر في حدود بنود العقد المبرم بيننا.

وقد حاولنا التواصل معه والتفاهم حول المشروع إلا أن المسؤولين عن الشركة كانوا يماطلون ويتهربون من أي مواجهة لدرجة رفضهم لمقابلتي عند زيارتهم في مقر الشركة.

  • ولمَ لمْ تأخذ البلدية ضمانات على المستثمر منذ البداية؟

لقد طالبت الشركة وأمام الجميع وعلى رأسهم أمير المنطقة بضمان بنكي بقيمة 20 مليون ريال قبل البدء بالمشروع.. إلا أنه ليس بالإمكان إدراج ذلك شرطاً ضمن بنود العقد ليبقى أمامنا الغرامة المتفق عليها في العقد.

حلمٌ تبخر

  • وإذا تبخر حلم عنيزة في سوقها الكبير؟!

هناك زاوية أخرى يمكن النظر للمشروع من خلالها وهي أن ثمة مكتسبات ستتحقق رغم صغر حجم المشروع الحالي مقارنة بالسابق ومنها تنظيم الموقع العام للسوق واستحداث 400 محل تجاري وفندق وأكبر من ذلك ايجاد سوق نموذجي للخضار والتمور والمواد الغذائية والذي أشرف على الانتهاء.

  • لماذا لم يطرح المشروع للمساهمة لتتاح الفرصة للمستثمرين في المحافظة المشاركة في المشروع؟

قد تمت مناقشة ذلك في أحد الاجتماعات ولكن مشروعاً بهذه الضخامة لا يتوقع نجاحه كمساهمة مفتوحة.. وعلى كل حال لا يمكن للبلدية فتح المساهمة فيما يتسنى للمستثمر ذلك على أن تكون المساهمة عن طريق مكتب تابع للمستثمر نفسه.

  • وماذا بشأن تسويق المشروع وتأجير المحلات قبل البدء بالمشروع عن طريق مكاتب عقارية واستثمارية؟

بالفعل علمنا عن شيء من ذلك وقد خاطبنا الشركة بعدم نظامية هذه العقود ما لم تكن عن طريق مكاتب تابعة لها.

تفاؤل دون قناعة

وكيل رئيس بلدية محافظة عنيزة للشؤون الفنية المهندس حمد بن محمد الشهوان وهو الأكثر اطلاعاً على خبايا الموضوع والأقرب إليه لا يزال يحمل تفاؤلاً كبيراً بنجاح المشروع وإن كانت كلمة (أنا لا أستطيع إلا أن أقول بأني متفائل 100٪) لم تكن توحي بالقناعة التامة.

وإجابة على سؤالنا هل نستطيع القول بأن مشروع (المسوكف مول) هو حلم عنيزة المتقزم؟

قال - وهو يبتسم-: قد يخلو التصميم الجديد للمشروع من عنصر الإبهار الذي كان عليه التصميم السابق، لكن ما أود إيضاحه هو أن التصميم السابق كان يحمل الكثير من الفخامة والضخامة في مظهره الخارجي إلا أن الأمر لا يعني الحال نفسه بالنسبة للمواصفات الداخلية وهو كذلك لا يغير من الاشتراطات الفنية أو الهندسية المتفق عليها في العقد المبرم بين البلدية والمستثمر.

ثم إن البلدية لا تملك الحق في إلزام المستثمر إلا بمواصفات وشروط فنية دون إلزامه بتصميم خارجي معين لأن العقد ينص على استثمار المستثمر للعقار دون التدخل في تفاصيل البناء.

مسؤولية التأخير

ونفى الشهوان تحمل البلدية لمسؤولية التأخير في تنفيذ الأسواق المؤقتة وتسليمه الموقع الأمر الذي جعل المستثمر يطالب بالتنازل عن إيجار السنة الثانية للأرض التي سيقوم عليها المشروع.. موضحاً أن العقد يلزم المستثمر نفسه بتنفيذ الأسواق المؤقتة.

وفي تعليقه على اتهام الكثيري للبلدية بالتراخي مع المستثمر مما أدى إلى التأخر في تنفيذ المشروع وبالتالي تحوله من إلى التصميم الجديد قال: أولاً أن العقد المبرم بين البلدية والمستثمر في 20/2/1425هـ يلزم المستثمر بإيجاد المحلات البديلة قبل إزالة القائمة وتأخر المستثمر في إيجاد البديل أدى إلى تأخر عملية المباشرة في تنفيذ المشروع الجديد.. وتعاقدياً لا تستطيع البلدية إلزام المقاول بغرامة أكثر من 500 ريال لليوم الواحد في حال تأخر التنفيذ عن سنة من تاريخ توقيع العقد وهذا هو الحاصل.

صراحة متناهية

وتجلت صراحة المهندس الشهوان في قوله: الأمر الآخر الذي أدى إلى التأخر في تنفيذ المشروع هو أن البلدية كانت تحمل تخوفاً من المستثمر وهو ما دعا إلى عدم تسليمه الموقع حتى الآن والسماح له بالشروع في التنفيذ.. سيما وأنه هو ذاته المستثمر لسوق الخضار الجديد ونحن نرى أن هذا المشروع يسير ببطء شديد وبمستوى متدن من التنفيذ.

والمشروعان بشكل أو بآخر مرتبطان ارتباطاً وثيقاً حيث إن محلات الحبوب وأسواق الخضار واللحوم والدواجن بانتظار أن يتوفر لها مكان في سوق الخضار الجديد لتنتقل اليه ومن ثم تخلي مواقعها الكائنة على الارض التي سيقوم عليها مشروع (المسوكف مول).

إجابة خجولة

أما سؤالنا عما يمكن للبلدية تقديمه من أجل الحفاظ على المشروع فكانت إجابته على استحياء.. فالبلدية - كما يقول المهندس حمد - لا تملك أكثر من حث المستثمر على تنفيذ المشروع وكذا تقديم جميع التسهيلات اللازمة لإتمامه.

استثمار جيد

من جهته كان وكيل الخدمات البلدية المهندس عبدالعزيز بن علي الزنيدي على قناعة بأن مجرد قيام المشروع بشكله السابق أو الحالي هو مكسب للمحافظة فأقل المكاسب - في نظره - هو تنظيم منطقة السوق وإيجاد استثمار جيد للبلدية وبالتالي للمحافظة وإن كان يفيد بأن الطموح أكبر من الواقع.

ولكونه المعني بمتابعة السوق المؤقت أوضح المهندس الزنيدي بأن السوق أصبح جاهزاً تقريباً بانتظار توزيعه.. أما سوق الخضار الجديد فيتوقع الانتهاء منه لا يحتاج لأكثر من شهرين وأن مطلع السنة الهجرية القادمة مناسب جداً للانتقال إليه وبالتالي إخلاء كامل العقارات القائمة بموقع مشروع سوق (المسوكف).

وبيّن ضعف موقف البلدية ووعود المقاول ومماطلة المستثمر تبقي أحلام عنيزة متأرجحة على أكف المعجزة حتى اشعار آخر.