إلى وقت قريب نسبياً كان مؤرخو الأدب العربي الحديث يعتبرون رواية «زينب» للدكتور محمد حسين هيكل الصادرة عام 1913 أو عام 1914، أول رواية عربية بالمعنى المعروف للكلمة. أما ما صدر قبلها من أعمال سردية، فإنه لا يؤلف بنظر هؤلاء المؤرخين عملاً روائياً أو أعمالاً روائية.

ولكن هذا النظر إلى «زينب» على أنها الرواية العربية الرائدة، كان يضعف أحياناً إذ تعطى ريادة الرواية العربية في القرن العشرين لصالح روايات أخرى أقدم من «زينب» في الزمن، منها رواية لزينب فواز، وهي لبنانية عاشت في مصر في بدايات القرن العشرين.

إلا أن الباحثين المتأخرين، وفي طليعتهم الدكتور عبدالله إبراهيم، وهو باحث عراقي متخصص بالسرديات، يعودون إلى الأدب العربي المكتوب في القرن التاسع عشر، فيكتشفون أنه كان للبنانيين والسوريين على وجه الخصوص، فضل ريادة هذا الفن الأدبي الجديد يومها على العرب، أي الرواية بمعناها المتداول الآن.

أول هؤلاء اللبنانيين الذين كان لهم دور ريادي في فن الرواية هو خليل الخوري (1836/1907) صاحب جريدة «حديقة الأخبار» ومؤسسها الذي يصفه مارون عبود بأنه «أول رواد التجديد». فقد تبنى نشر الروايات المؤلفة والمعرّبة منذ بداية صدور جريدته عام 1858. ولعل أول رواية مؤلفة نُشرت فيها هي رواية البرّاق بن روحان التي لم يرد ذكر لمؤلفها. وقد بدأت في الظهور اعتباراً من العدد 40 في السنة الأولى لصدور الجريدة. ثم انصرف اهتمام الخوري إلى نشر الروايات المعربة بدءاً برواية «المركيز دي فونتاج» ثم أعقبتها رواية «الجرجسين»، وكلاهما من تعريب سليم نوفل.


محمد حسين هيكل

على أن خليل الخوري نشر بعد ذلك روايته: «وَيْ. إذن لستُ بإفرنجي» عام 1859 مقدماً إياها إلى القارئ على الصورة التالية: إذا كنت أيها القارئ مللت مطالعة القصص المترجمة، وكنت من ذوي الحذاقة، فبادر إلى مطالعة هذا التأليف الجديد المسمى: «وي اذن لست بإفرنجي» وقد وضع للرواية مقدمتين الأولى سماها مقدمة المقدمة، والثانية المقدمة. وبعد انتهاء النشر بمدة وجيزة صدرت الرواية كاملة في كتاب من 162 صفحة وكان ذلك عام 1860.

تُعنى رواية الخوري باللقاء الأول مع الغرب، ذلك اللقاء الذي عرفته بلاد الشام قبل سواها، فوجد طريقه إلى الأدب الروائي. ولم يكن المؤلف يكتب دون أن يلحظ ما يترتب عليه من مهمة اجتماعية وأخلاقية وذلك ما دعاه، شأن غيره من الكتّاب، إلى الاهتمام بالبعد الاعتباري لروايته التي كانت تتراوح بين نوع من المغامرة الارتحالية في أماكن متعددة، والأحداث المباشرة التي يراد بها التعبير عن جانب من عصر المؤلف. على أنه بصرف النظر عن الملاحظات التي يمكن أن يسوقها المرء تجاه هذه الرواية، فإن هناك زمناً شاسعاً يفصلها عن عام 1913 أو عام 1914 وهي السنة التي صدرت فيها «زينب» التي كانت تعتبر إلى عهد قريب رائدة الرواية العربية.


موسوعة السرد

وينسب تاريخ الأدب العربي في القرن التاسع عشر فضلاً كبيراً لكاتب حلبي اسمه فرنسيس مرّاش (1835/1874) كتب رواية مختلفة عن رواية خليل الخوري، ركز فيها على القيمة الذهنية والرمزية للسرد، وبلغة متمردة على الموروث السائد، تحاول الاحتجاج عليه في التركيب والغاية. هذه الرواية اسمها «غابة الحق» التي صدرت عام 1865، أي بعد خمس سنوات من صدور رواية الخوري آنفة الذكر. وكان مراش أصدر عام 1861 كتاباً يستعين بالسرد وسيلة له اسمه «درّ الصدف في غرائب الصدف»، كما أصدر بعد ذلك كتابه «رحلة باريس». ومن قراءة كتبه هذه، يتبين أنه كان يتحرك في مجال السرد الذي انصرف كلياً إليه. ويتفق معظم الدارسين الذين اهتموا بمراش على أنه حاول التوفيق بين الوظيفة الفكرية للأدب والغايات الجمالية التي يوفرها السرد الأدبي. ويقول الفيكونت دي طرازي عن روايته هذه: «إنها كتاب أخلاقي وضعه على أسلوب القصة، وضمنه انتقاداً دقيقاً للأخلاق والعادات، ولم يجانب مارون عبود الصواب عندما أكد عام 1949، وبعد 75 عاماً على وفاة مراش، أنه كان على قصر عمره «زعيماً أدبياً ترك دوياً»، وأن روايته «غابة الحق» التي طبعت ست مرات حتى عام 1990، وقد كتبت على غرار «رؤيا يوحنا» كونها تبدأ بالحلم وتنتهي به، إنما هي طراز خاص. «فالخيال فيها يبلغ مداه الأبعد، وقد استولى فيه المؤلف على الأمد.


خليل الخوري

العرض والسياق جيدان، والقص يمشي على رسله. أما الأبطال فلا سماوات لهم، ولم يستعر المؤلف لشخوصه الاجساد التي تنبثق منها أعمالهم وآراؤهم وأفكارهم، بل ناب هو عنهم جميعاً، واكتفى بأسمائهم، ثم راح يقول بلسانهم ما يقول.. وقد يعذر على ذلك لأنهم رموز لا أشخاص، ولكنه في كل حال مسؤول عنهم لأنه خلقهم. أما العبارة فخيالية سهلة، ولكنه ينقصها شيء لتخرج ناتئة بارزة. إنها كتلك الرسوم التي لم تفز بحظها الكامل من الألوان والخطوط. والإنشاء على ما فيه من خيال وصور قلما نحسّ فيه تلك الحركة، ولا ذلك الزخم».

ولكن هذا ليس كل جهد اللبنانيين والشوام في تاريخ السرد في القرن التاسع عشر. ففي الوقت الذي عرفت فيه رواية «غابة الحق» وشاعت، كان لبناني آخر هو سليم البستاني (1846/1884) يتأهب للقيام بتأليف أول سلسلة متكاملة من الروايات في تاريخ الأدب العربي، تلك السلسلة القائمة على الحركة والمغامرة التي بدأها بروايته «الهيام في جنان الشام»، وظهرت ابتداء من العدد الأول من مجلة «الجنان» الذي صدر في بيروت خلال يناير من عام 1870. يومها كان هناك تلازم بين الكتابة الصحفية والكتابة الروائية. لم يقتصر ذلك على سليم البستاني وحده، أو التأليف الروائي العربي في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، إنما كان الأمر تقليداً شاع في القرن التاسع عشر. ففي الفترة ذاتها التي كان ينشر فيها الخوري والبستاني رواياتهما متسلسلة في «حديقة الأخبار» ثم في «الجنان»، كان دستويفسكي (1821/1881) ينشر رواياته الخالدة في الصحف والمجلات الروسية.

وعندما وافت البستاني المنية كان قد خلّف تسع روايات نُشرت جميعها في «الجنان» بين الأعوام 1870 و1884 وهي على التوالي «الهيام في جنان الشام»، «وزنوبيا»، و«بدور» و«أسماء»، و«الهيام في فتوح الشام»، و«بنت العصر»، و«فاتنة» و«سلمى» و«سامية». وحينما ندقق اليوم في البناء الفني لروايات البستاني التأسيسية، وروايات معاصريه طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجد أنه بناء قائم على هذا النسق المغلق من الأحداث المعبرة عن أفكار ثابتة وجاهزة. على أن البستاني ومعاصريه كانوا يستثمرون ذلك النسق لبث أفكارهم الإصلاحية. فنقدهم كان خاصاً بالسلوك، ولم يصل إلى الأفكار المولدة لتلك الانساق المغلقة كان الهدف الذي يتوخاه البستاني من نشر رواياته هو الموعظة وأخذ العبرة والإصلاح الاجتماعي الذي كان يسعى إلى تحقيقه. وكانت رواياته تجمع بين التسلية والترفيه والترويح عن النفس والفائدة والغاية منها تربوية وتعليمية وتثقيفية.

وفي الوقت الذي شهدت فيه مدينة بيروت هذه الحيوية في انتاج الرواية، موضوعة أو مترجمة، كانت هناك حيوية، ولو لاحقة زمنياً بعقد أو عقدين، في مصر، بدأ جورجي زيدان، اللبناني الأصل، بوضع رواياته التاريخية المبنية على أحداث تاريخ الإسلام. وفي الأعوام العشرة الأخيرة من القرن التاسع عشر دخل الشاعر أحمد شوقي على خط الرواية، فنشر ثلاث روايات ظهر بعضها كحلقات مسلسلة في جريدة «الأهرام» التي كانت تصدر في ذلك الوقت من الاسكندرية. إحدى هذه الروايات صدرت مؤخراً عن «دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية» في القاهرة بعنوان: «عذراء الهند». أما الروايتان الأخريان لشوقي، فالعمل جار عليهما حالياً لاعادة طبعهما من جديد، وكل ذلك يؤكد لنا أن «زينب» رواية محمد حسين هيكل لم تكن الرواية العربية الأولى أو الرائدة لفن الرواية، وإنما سبقتها بزمن روايات أخرى أشرنا إلى قسم منها فيما تقدم ،كما يؤكد هذا لنا أن هناك مناخاً من السرد قد بدأ يغزو الدوريات العربية والعالم العربي. ومن ضمن نتاج تلك المرحلة روايات عربية أو معرّبة عن الأجنبية.