لم أكتب عن الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام لأنني نأيت بنفسي عن الجوقة التي بلورها وحدث آلياتها زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني قبل ربع قرن من الزمان. أطلق رجل الدين المتعصب ذاك فتوى تشرعن قتل كاتب بريطاني أساء لبيت الرسول الكريم.

هاج غوغاء الشارع الإسلامي وماجوا. لم يكن المثقفون والسياسيون في ذلك الزمن يملكون القدرة على مواجهة هذا السيل من الغثاء المتدفق. انحنى بعضهم وبعضهم صمت وآخرون التحقوا بالحملة دفعاً للتشكيك أو من باب التقيا او من أجل الكسب. حقق الخميني ما كان يريده من شعبية. تعدت زعامته وطنه وراحت تمتد على طول العالم الإسلامي شيعته وسنته. كانت تلك الفتوى الأولى من نوعها في عصرنا الحديث. شعر رجال دين إسلامي آخرون بالغبن من الصيت الذي اكتسبه الزعيم الإيراني بضربة واحدة. وجد الدعاة في المملكة في فكرة الفتوى المدوية مثالا يحتذى. كشف لهم الخميني عن كنز (الجماهيرية) المخبأ في جعبة التخلف، فساروا وراءه في كل شيء حتى في تكنولوجيا الكاسيتات. مكونات الطبخة بسيطة جدا: قيافة معينة، شيطنة الغرب، خطبة حماسية، فتوى مجلجلة.

صاروا يقدمون خلطتهم هذه في القرى وفي الهجر. تشكلت طبقة من الشباب أطلق عليهم الملتزمون. انقسم هؤلاء الملتزمون إلى قسمين. قسم إعلامي: دورهم الصراخ والضجيج وتوزيع النشرات والكاسيتات . وقسم تنفيذي: اقتحام وشغب واعتداءات وتفجيرات في نهاية الأمر. عرف هؤلاء الملتزمون بالعوام في التاريخ الإسلامي. يثورون ويشتمون وينفذون بصورة عمياء وبشكل حرفي فتاوى شيوخهم. لا يقرون بأن الإسلام هو شيخهم بل تجدهم يتحدثون ويقدسون وبصورة جلية عددا من الشيوخ معروفين بالاسم. (علماؤنا قالوا وعلماؤنا افتوا). لا يعترفون بالعلماء الآخرين. وهؤلاء العلماء الآخرون صار لهم غوغاؤهم الخاصون. صار لكل مجمومة دينية أو دعوية في كل بلد إسلامي غوغاؤها التي تأتمر بأمرها وتقدسها. مع الوقت اقترب غوغاء الأمة الإسلامية من التوحد على اسس محددة. ساهمت وكالات الأنباء والإعلام الجديد في التقريب من أساليبهم والترويج لانجازاتهم. لم يعد غريبا اليوم أن يثور عشرة أو عشرين غوغائيا في ليبيا فيجدوا من يساندهم في التويتر في المملكة ويجدوا من يقلدهم في شوارع باكستان فتتسابق إليهم وكالات الأنباء.

يمكن القول إن الزمن تجاوز تركيبة المدرسة التي أسسها الخميني. إطلاق الفتوى صار يشكل خطرا على صاحبها. الحرب المسلحة على الإرهاب التي ادارتها الدول توجهت إلى مجموعتين بشكل مباشر دون غيرهما. اصحاب الفتاوى الخطرة والمنفذين المباشرين. بسبب الخوف من الملاحقة انقلب الأمر. صارت الغوغاء تهتاج وتأخذ المبادرة فيلحقها من يريد أن يلحق من الدعاة ورجال الدين.

هؤلاء الغوغاء أو سمهم المتلزمي،إذا شئت، كتلة واحدة مستقلة عن جموع المسلمين. الشعب الليبي خمسة ملايين نسمة. هل سمعت أن طلبة المدارس في ليبيا خرجوا في الشوارع يتظاهرون؟هل شاهد أحدنا المصلين في المسجد المجاور لبيته اهتاجوا ورددوا الشعارات المعادية للغرب أو لأمريكا، هل وجهت التلفزيونات كاميراتها إلى ميدان التحرير بالقاهرة لمتابعة الملايين التي تجمعت فيه احتجاجا على الفيلم المسيء. كل ما في الأمر أن هذه الكتلة المبرمجة تنتج عملا يجتذب الإعلام العالمي بسهولة. مجرم الترويج العنصري استطاع وحده أن يجعل الإعلام العالمي بأسره يقف عند بابه أسابيع.

الفيلم المسيء لم تنتجه شركة عالمية معروفة ولم يعرض في أي صالة محترمة ولم يكلف صاحبه أكثر من مئة ألف دولار ولم يعرف عنه احد. إذا كان لابد من عمل لمواجهته أن يوعز لمنظمة إسلامية في امريكا برفع دعوى قضائية ضده. لم أكتب لأنني لا أريد أن أسقط في الفخ وأكون أداة إعلامية لهؤلاء المبرمجين.