لا أدري من صاحب تلك النظرية، والخطة الجهنمية (زوجوه ويعقل) على اعتبار أنها معالجة سلوكية لطيش الشباب وتهوره، لكن ما أدركه أنها إن نجحت مرة فقد فشلت مرات ومرات وفي أيامنا هذه تحديداً، فإن كان القصد أن المسؤولية والالتزام على كاهل الشاب ستحد من طيشه وانطلاقه وتهوره فليس شرطاً، فالواقع يحدثنا عن كم من الأحداث لعائلات بدل أن يسقط حمل ابنها المتهور عن عاتقها أضيف له هموم ومشاكل زوجته معه وأطفاله منها، وكم من ارتباطات فشلت لوجود مبدأ (شيء ببلاش ربحه بين) فالشاب الذي لم يتعب ولم يدفع في الزواج سهل عليه الطلاق وسيرخص تلك الحياة التي قد يعدها كبتاً وتقييداً لحريته، وإن كان القصد ربطه معنوياً ببيته فكم من علاقات فاشلة بين زوجين سواء من ناحية طبيعة العلاقة أو المحبة أو عدم وجود مشاعر مسؤولية كافية في نفسه فنفّرت الشباب من البيت أكثر، وفي بعض صور (المتسدحين المتبطحين) في الاستراحات أبلغ شاهد وبرهان، وكم من زيجات رفعت الوصاية والمتابعة من قبل الأهل وصيرت وضع الشاب مأساوياً وفي نماذج بعض المرابطين والمنتظمين في زيارة دول الجوار الشقيقة أمثلة وأمثلة، وكم من زوج مسؤول مع وقف التنفيذ لدور المسؤولية.

برأيي عقلوه ثم زوجوه لا أن تزوجوه ليعقل فلقد تعبنا من كثرة حالات الطلاق، وتفشي ظواهر غريبة (كرجّالة البيت) وهي الزوجة المسؤولة مسؤولية كاملة بينما من يفترض به أن يكون رب الأسرة والمسؤول عنها ليس إلا كضيف شرف، ويعد البيت فندقاً للراحة، أو حلبة للصراع فيما حياته ودنياه خارج ذلك المنزل!، ومنهم رجال بلا حياء يأخذون مال زوجاتهم.

مللنا صور ربيب الدلال، وابن أمه وتابعها على الحق والباطل، أو من سيطرت عليه الصحبة فصار أسيراً لأفكار رفاقه، أو الأب بلا أبوة حانية، والزوج بلا ولاية أو رعاية لحق الزوجية.

لن ننكر أن ثمة حالات نجحت معها فكرة إن تزوج عقل وتهذبت تصرفاته، وأكاد أجزم أنها آتت ثمارها مع أجيال ماضية حين كان الأب يعين على الزواج ثم يترك للابن زمام تدبير شؤونه مع أهل بيته بعد أن يُؤهل ويعد لهذا الدور أصلاً، لا كما يحصل اليوم والتي قد يصل الحال فيها أن الشاب قد لا يربطه بتفاصيل عرسه والإعداد له إلا أن يمثل دور عريس ويلبس "البشت" أو المشلح، وليس تحت كل عمامة شيخ، ولا كل من يملأ العباءة به كمال رجولة!.

كيف نعتمد صلاحية النظرية لو وضعنا بالحسبان أنه ليس بشرط أن تنجح كل فتاة حديثة سن أو تزوجت تريد السند والعون ورجلاً تعتمد عليه وتفاجأ أنها مطالبة بإصلاح ما عجز عن تقويم اعوجاج حاله والداه أو أحدهما، والأصل في الزواج الاستقرار والاستمرار ولا يصلح له أن يغدو حقل تجارب لترميم خلل التربية الأسرية، وضعف قيادة الأهل لأبنائهم.

.. أعلم أن حديثي سيغضب شباباً سطحيين حدود أفكارهم رهن الرغبة في أن يعيشوا يومهم ويستمتعوا وغداً يحله الحلال ولا دخل لطموحهم فيه، وقد يثور كبار سن سيقيسون على زمانهم والأجيال في أيام شبابهم دون تمحيص أو تدقيق أو ملاحظة لكيف كانوا بالأمس وكيف هم شباب اليوم، وأن هناك فرقاً في الشكل والمضمون.

.. ربوه وعقلوه وأعينوا على زواجه لا أن تزوجوه، ففي شعور الفتى بالمشقة ليدفع من كده لإنشاء تلك المملكة المستقبلية ما سيشعره بأهميتها وقدرها بدل أن ترخص لأنه لم يتعب فيها، وما جاء بسهولة سيباع بمثلها، فيهدم ما عمره أهله ولا يأبه.

وفي حديث نبينا "صلى الله عليه وسلم" حين قال: « يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، دعوة للزواج لتحصين الشاب، وفي الآية قال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه) [الطلاق:7]، ولم يأت ذكر للأهل وإنفاقهم بل ارتبطت كل أنواع القدرة على الزواج مادية وحسية بالزوج.

.. سيبتسم البعض تهكماً أو ربما غيظاً أو خجلاً بعد هذا النقاش ربما، وسيواصل بعض أصحاب الأموال أو الراغبين تجربة جل الطرق لضبط من فات أوان معالجته، فتعقد ذات الصفقات ضاربين بعرض الحائط مشكلة توريط فتاة بمن لن يصون حتى معنى أنه أخذها بعهد الله وعلى سنة رسوله، وقد يسيء لأطفال لا دخل لهم في عشوائية وغوغائية البالغين سواء والديهما أو أهل هذين الزوجين.

.. نحتاج زوجاً مسؤولاً، وبيتاً عائلياً مستقراً ودائماً وقوي البنية والبناء، فالعائلة هي صمام أمان المجتمعات، ومصنع لمستقبله المزهر الباهر.