يمكنك أن تنظر لتفاصيل المخ التشريحية وتتعرف على أسمائها ووظائفها وكيف تبدو في صور الأشعة، ويمكنك أن تجلس لتتابع شخصا يعرض تفاصيل تجربة معملية عن تأثير بعض العقارات الطبية على بعض المستقبلات العصبية وأثر ذلك على وظائف المخ مثلا. ويمكنك أن تجلس متأملا نتيجة بحثية توضح بالرسوم التوضيحية كيف وظف العلماء الأشعة المغناطيسية الوظيفية لدراسة الاختلافات بين شخص وآخر، كما يمكنك أن تجلس متابعا بصمت عرضا مسرحيا أو فيلما كوميديا، أو تجلس منصتا لخطيب مفوه يجذبك بحسن كلامه، أو لمتحدث متحمس يشرح فكرته أو بائع يحاول أن يبيع بضاعته، في كل الحالات عقلك قادر على التعامل مع كل هذه المصادر المختلفة التي يحتك بها.

العلم ليس له حدود، ويظل يبهرك في محاولته لمعرفة أسرار هذا الكائن البشري، فأنت توظف عقلك لتتعلم عن نفسك، عن فصيلتك البشرية، عن الاختلافات البيولوجية التي تحدث داخلك عند المرض. ما تزال تشكل لغزا لم ينته العلماء بعد من دراسته وفك طلاسمه. فنحن نستخدم عقولنا لندرس خفايا "المخ" البشري ونحاول أن نستكشف أسراره وطريقته في التعلم والتفكير.

العقل البشري لا حدود لامكانياته، يمكنك أن تنظر للانتاج البشري في الفلسفة والعلوم والأدب، يمكنك أن تنبهر بالقدرة الخيالية لهذا العقل، بالتطور التكنولوجي الذي توصل له الإنسان بالابتكارات بكل الأفكار التي تخرج من دماغ هذا الإنسان.

عقلك ليس محدودا بحجم "المخ" الصغير لكنه عقل يستوعب الكون كله، يملك القدرة على أداء عملية حسابية، وتعلم لغة جديدة، وحفظ تفاصيل حادثة تاريخية، وتعلم مهارة يدوية، وتخزين معلومات علمية، يدرس الكواكب البعيدة ومساراتها كما يدرس تفاصيل الخلية البشرية ومركباتها البيولوجية، يستخدم أدوات المنطق في تقنين أفكاره وفلترة ما يمر عليه، يستخدم خياله لابداع عمل فني مميز، يستخدم اللغة لنشر الفكرة والتعبير عما بداخله، يقرأ رواية ويركز في تفاصيل كتاب علمي أو فلسفي. قادر على استعياب كل ما حوله إذا لم يبرمج على غير ذلك.

عقلك ليس عليه أسوار عالية تمنعه من الوصول للفضاء الرحب ومن التفكير والتدبير، فلماذا تحرمه من ذلك؟ لماذا تحرمه من العلم والمعرفة ومتعة التفكير باستقلالية؟ لماذا تحصره في مساحة ضيقة يحرم فيها من متعة الإبداع والابتكار؟