الجدل الذي اندلع في الأسابيع الماضية حول مسلسل الفاروق لم يكن دينياً أو ثقافياً بقدر ما هو امتداد للغو العام الذي لا ينتهي مثل سواقة المرأة للسيارة ومعرض الكتاب إلخ. عندما أجد أن تشخيص الفاروق في الأعمال الدرامية غير ملائم فنياً وأخلاقياً فالأمر بالنسبة لي يتصل بالفن من جهة وبصميم الاحترام من جهة أخرى ولا علاقة له بما دار.

للفاروق في أذهان الناس ملايين الصور. صورته في ذهني كمسلم سعودي غير صورته في ذهن المسلم الأفريقي أو في ذهن المسلم الاندونيسي. أنشأ كل منا للفاروق صورة ذهنية وفقاً لمفهوم العظمة في ثقافته. فالأفريقي مثلاً سيرى الفاروق في صورة الأبطال والعظماء المتراكمة في ذهنه من تراثه وحسب تعريف مجتمعه للعظمة. وهكذا الاندونيسي والأوروبي وغيرهم من البشر. هذا يعني توفر صور ذهنية بعدد البشر الذين عرفوه وعرفوا دوره في التاريخ الإسلامي. كل صورة ذهنية لهذا الصحابي الجليل هي صورة متطورة تتنامى مع نمو المعرفة عند حاملها.

العمل التلفزيوني أو السينمائي يحبس الصورة ويجمدها في شخص الممثل الذي قام بالدور. إذا شاهدت فيلماً سينمائياً عن عنترة بن شداد فسوف تتنازل عن صورة عنترة بن شداد التي رسمتها (أنت) في خيالك وتتبنى صورة الممثل الذي قام بدوره. سوف تتضرر عظمة الفاروق في أعماقنا بتحويله إلى إنسان محشور في صورة رجل واحد. حسب وجهة نظري أن أحد أسباب تراجع الاحترام للمسيح عليه السلام في الغرب توفر صورة موحدة له يجتمع عليها المؤمنون بالمسيحية. تم تحييد الخيال ومدخلات الثقافات المختلفة وفرضت على الناس صورة العظمة التي رآها الفنان الذي رسم الصورة. كأنما هناك حبس للحرية والحد من الخيال وتجلياته. إذا عبرنا عنها بلغة السياسة هذه الأيام يمكن القول (صادر حق الناس في التعبير وفرض عليهم رأياً واحداً). الرؤية الجمالية لا تختلف عن الرأي في هذا الصدد. بقدر ما تمتعنا الدراما فهي تحبسنا وتضيق علينا الخيال.

من يهتم بالرواية يعرف أن مجرد تحويلها إلى عمل سينمائي يضر بها. الرواية كتبت لتقرأ.

قيمة شخصياتها تتوقف على خيال القارئ لا خيال الكاتب فحسب. في اللحظة التي نحولها إلى عمل سينمائي نوحد القراء على صورة ثابتة للأبطال. عندما نحولها إلى عمل درامي فنحن في الواقع لا نأخذ منها سوى القصة ونحطم فرادة أبطالها وتجلياتهم اللانهائية في أذهان القراء. هذا ما سوف يحدث للفاروق في أذهاننا بعد مشاهدة المسلسل.

على صعيد الفن سيضطر كاتب السيناريو ليحافظ على قيمة الفاروق الدينية اللجوء إلى المبالغات المثالية وإلى الحوارات الميلودرامية الأمر الذي سوف يزحزح شخصية الفاروق التاريخية عن بعدها الإنساني البسيط. فالبطولة المثالية التي خلقها المخيال الشعبي وأسبغت على عنترة حولته من بطل إلى شيء لا إلى إنسان.

لا يمكن أن ينجح العمل الدرامي التاريخي إلا إذا تضمن شخصيات درامية. نعني بالشخصية الدرامية هي الشخصية ذات الأبعاد الثلاثة. المزايا والعيوب وحقل الواقع الذي كانت تعيش فيه. على ضوء ذلك لا يستطيع المخرج أو الكاتب أن يبحث أو يخترع عيوباً يرمم بها الشخصيات الدينية في عمله لكي يجعلها مقنعة للمشاهد. فالدور الذي أسهم به الفاروق جعلت منه شخصية ذات جلال ومهابة. هناك مسافة لا يمكن ردمها بين شخصية درامية (في التاريخ) يمكن إعادة إنتاجها بأدوات العصر وبين شخصية تتمتع بإجلال ديني يغوص عميقاً في الضمير. احتراماً للثقافة الجمعية التي ستتلقى هذا العمل يفترض أن يبقى حضور الصحابة والرسل في أذهان الناس حضوراً دينياً لا دنيوياً.