بعد سكون الأشجان لفراق وفقد الأحبة ما أجمل دغدغة المشاعر بنسائم الذكريات معهم رداً لجميلهم ووفاء وحبا لهم وإكباراً وتعظيما لدورهم الذي أدوه في حياتهم بشكل عام وتجاه من أحبهم بشكل خاص.

لقد فقدنا ليلة الاثنين 14/7/1433ه مدرسة من الرعيل السابق الذي بمحياهم ترى الطهر والصدق والنقاء وبأحاديثهم تسمع الحكمة وقول الحق قلوبهم صافية وسريرتهم بيضاء، لقد فقدنا أماً تعد بحق مدرسة في الإيمان والتوكل على الله مدرسة في الصبر ومدرسة في التحمل مدرسة في الوفاء للزوج وحسن التبعل مدرسة في حسن الأخلاق والقيام بحقوق الجار مدرسة في الحياء والحشمة مدرسة في تربية الأبناء.

لقد كانت مؤمنة بالله صالحة ( نحسبها كذلك والله حسيبها) صوامة قوامة لم أذكر أنها تركت قيام الليل أو تركت صلاة الضحى أثناء صحتها وعافيتها متوكلة على الله راضية حامدة شاكرة لله طيلة فترة مرضها لم تشتكي ولم تئن ولم تتألم كلما سألتها عن حالها قالت الحمد لله بخير وهي على السرير لا تستطيع الحراك، ابتليت بفقد ثلاثة من أبنائها قبل أربعين سنة وهم في عمر الزهور فصبرت واحتسبتهم عندالله أسأل الله أن يجعل ذلك وقاية لها من النار فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبيٍ لها فقالت: يا رسول الله ادعُ الله له فلقد دفنت ثلاثةً قبله فقال صلى الله عليه وسلم : "دفنت ثلاثة ؟" مستعظماً أمرها ... قالت : نعم .. قال : " لقد احتضرتِ بحضارٍ شديدٍ من النار."أي لقد احتميتِ بحمىً عظيمٍ من النار فما أعظم الأجر وما أكمل الثواب.

لقد تحملت شظف الحياة السابقة وقسوتها ومصاعبها والتي لا تخفى على أحد دون كلل أو ملل أو تضجر أو سأم وفية لزوجها حافظة لحقوقه وواجباته لم تخرج قط دون إذنه ولم تخرج عن أمره وطوعه كانت له حسب ما يريد كانت تعظمه وتقدره وتجله إجلالاً واحتراماً يندر مثله حتى أنها لم تناديه باسمه الصريح طوال حياته وإنما تناديه بكنيته ( أبو متعب) هيبة ووقاراً وحباً ووفاء له.

كانت حسنة الخلق لينة الجانب ليست بالسبابة ولا اللعانة حتى وإن غضبت تكتم غضبها وتفضل السكوت عن الكلام لم اسمع صوتها مرتفعا على أحد. كانت نعم المربية والمعلمة لم ترفع يدها أو صوتها يوما على أحد من أبنائها بل كانت لهم الحضن الدافئ الذي تلقوا من ينابيعه التربية الصافية النقية بعيداً عن الشفقة المفرطة أو القسوة المنفرة، زرعت فيهم الرجولة والكرم والشهامة وحب الخير بالتلقين وسرد القصص أحيانا وبالتطبيق أحيانا كثيرة.

أمي لقد فقدناك لكننا تعلمنا منك كيف نحترم إخواننا وأخواتنا ونعطي كل ذي حق حقه تعلمنا منك حب الخير وكيف يكون الإنسان معطاء سخي نقي السريرة تعلمنا منك كيف يكون الإنسان شامخا أبي النفس لا يخضع إلا لله، تعلمنا منك كيف يكون الإنسان متواضعا محبوباً بين الناس تعلمنا منك كيف يكون جلداً صبورا تعلمنا منك أن الحياء لا يزيد الإنسان إلا جمالا وبهاء تعلمنا منك كيف نربي أبناءنا دون شتم أو ضرب أو سب أو تنقيص من ذواتهم..

رحمك الله يا أبي وجزاك الله عنا خير الجزاء عندما اخترت بعد توفيق الله (هيا بنت برجس الدرع) لتكون والدة لنا فنشهد الله بأنك أحسنت الاختيار وهاهي تلحق بك في مساء اليوم الذي توفيت فيه بعد سبعة عشر عاما من رحيلك.

اللهم أرحم والدي كما ربياني صغيرا واغفر لهما وتجاوز عنهما واجمعنا بهما في دار كرامتك في أعلى عليين في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.