ملفات خاصة

الجمعة 9 شعبان 1433 هـ - 29 يونيو 2012م - العدد 16076

كيف يُقرأ العمل التجريدي؟

رسم يوضح كيف تسلسل «ثيوفان دوسبرغ» في تجريد البقرة بدءًا من المرحلة الأولى وحتى الأخيرة حين أصبحت مجرد مربعات ومستطيلات، عام 1917، برلين

كتب: ايمان الجبرين

يقع متذوق الفن العادي –والمثقف أحياناً- في حيرة من أمره تجاه أعمال الفن التجريدي، فكثيراً ما ينفر منها بسبب عدم قدرته على قراءتها والوصول إلى الفكرة الأساسية للعمل. ويميل البعض إلى الاعتقاد بأن العمل التجريدي لا يحمل مضموناً محدداً بل يعتمد كليةً على إحساس الفنان في اللحظة وتناغم حركة يده ودرجات ألوانه مع هذا الشعور مما يعزز نفور المتذوق من محاولة الوصول للمعنى الدقيق للعمل معتقداً باستحالة ذلك. وقد انتقلت في السنوات الأخيرة هذه العدوى إلى الفنان نفسه فنجد عدداً لا بأس به من الفنانين يستهين بعقل المشاهد بل وبالفن نفسه فينتج لوحات غير صادقة في مضمونها ظناً منه أنه بهذا سيعلي من شأنه أكثر حين يستغلق فهم أعماله على الجمهور، هذا إن كان الفنان بالأساس يملك فكراً خاصاً به.


لوحة (المقطوعة السادسة)، للفنان الروسي «فازيلي كاندينسكي»، 1913، زيت على كانفس، 150×300سم، متحف الأرميتاج/ روسيا.

إن للأعمال التجريدية أنواعاً مختلفة لكنها مهما اختلفت لابد أن تكون مبنية على أساس منطقي للتجريد وفلسفة خاصة يستطيع الفنان تعليم جمهوره أبجدياتها ليتمكن في المستقبل من قراءة أعماله اللاحقة. وهذه الفلسفة الواضحة والفكر المنطقي هي السبب الرئيس في تهافت المتاحف على اقتنائها. فلو أخذنا على سبيل المثال أعمال الفنان والمهندس "ثيوفان دوسبرغ"، أحد رواد التجريدية الهندسية في هولندا في مطلع القرن العشرين، لوجدنا انه ابتكر مع صديقه الفنان "بيت موندريان" حركة تجريدية هندسية أطلقوا عليها اسم "دي ستيل – أو الطراز". تقوم فكرة الحركة على تحليل كل ما تراه عين الفنان من حوله، وتلخيص ذلك في أبسط شكل ممكن ليتمكن المشاهد من التعرف على الشكل والإحساس بجمالياته حتى لو كان المشهد المرسوم من بيئة مخ! تلفة عن بيئته. فمثلا: من يعيش في بيئة ساحلية يمكنه تذوق جمال مشاهد الريف والعكس صحيح أيضا.

وقد فكر الاثنان معاً فوجدا أن كل ما نراه هو عبارة عن مساحات محصورة بين خط الأفق (الأرض) وتعامد الأشياء عليها، كما أن كل الألوان أساسها الألوان الأساسية الثلاثة –أو الأربعة في بعض النظريات القديمة- إضافة إلى الأسود والأبيض والرماديات وبالتالي هي جميعها أشكال وألوان مألوفة لأي إنسان. فبدأ الاثنان بإنتاج أعمال فنية تعبّر عن هذه الفلسفة، وحرصا على احترام عقلية المشاهد أصدرا مجلة دورية لشرح هذا الفكر باستفاضة.

ونجد أن الفكر في الأعمال التجريدية التعبيرية للفنان "فازيلي كاندينسكي" ، قد قام تحديدا على إحدى نظريات علم الجمال الألمانية التي تجعل الموسيقى أعلى أنواع الفنون قيمة نظراً لأصالتها، فالمقطوعات الموسيقية مبتكرة ولاتحاكي شيئاً موجوداً في الواقع. وعليه استوحى كاندينسيكي عدداً كبيراً من أعماله من مقطوعات موسيقية شهيرة للعديد من المؤلفين ألمان. حيث جعل كل لون يعبر عن نوتة موسيقية محددة، وكل توليفة من الخطوط والألوان معاً هي مقطوعة مستقلة ومعروفة. فقد كان يشعر بأن للون الأصفر مثلا صوت يختلف عن اللون الأحمر وهكذا. وكأي فنان أصيل، لم يتعالى كاندينسكي على جمهوره ويكتفي بالرسم فقط دون شرح، بل أنتج كتابات فلسفية كثيرة في هذا الموضوع ساعدت جمهوره على فهم كل عمل من أعماله جيداً، بل وأرشدهم إلى المقطوعة التي استوحى منها العمل بأن جعل اسمها عنواناً للعمل.

من هذا المنطلق، نشجّع جمهورنا العزيز إلى المبادرة بسؤال الفنان عن الأبجديات التي ستساعدهم على قراءة أعماله وليس فقط المعنى الخاص بهذه اللوحة، وحين يعجز الفنان عن تعليمهم هذه الأبجديات يجب أن يثقوا تماماً أن فنه لا يستحق المتابعة فهو مجرد فذلكة وادعاء للإبداع. وعلى المشاهد أن لا يخجل من التصريح بعدم فهمه لعمل ما، لأن عدم فهم الجمهور للعمل هو حقيقة نقص وتقصير من الفنان تجاه جمهوره وليس العكس.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 3

1

  بدايات

  يونيو 29, 2012, 6:27 ص

جميل ومهم مقالك استاذه ايمان. لكن احيانا الفنان يرفض الحديث عن عمله بقوله ان العمل الفني يتحدث عن نفسه ومعه حق في ذلك. بعض الفنانين يسيؤون لأعمالهم حين يتحدثون عنها وبعضهم يحملونها مالاتحتمل بأحاديثهم. صرت اعتقد انه ليس من الضروري ان يفهم العمل الفني لكن ان يثير احساسا لدى المتلقي هو الأهم. لاحظت استاذتي ان افضل قراءة واثراء للمتلقي عن العمل الفني هو مايحدث من نقاشات حول العمل من الجمهور وكلما كان الجمهور اكثر وعيا كلما كان النقاش اثرى. اشكرك استاذة ايمان واطلب المزيد من مقالاتك الفنية الممتعة.

2

  متسائل ببراءة

  يونيو 29, 2012, 4:06 م

مقال رائع أتمنى لماذا لانقرأ مثل هذه المقالات دائما في جرائدنا المحلية بدل اخبار اللاعبين والمفحطين

3

  Eiman Elgibreen

  يوليو 1, 2012, 2:18 م

أشكر صاحبي التعليقين تشرفت بقرائتكم للمقال...وبالنسبة للفنان الذي يسيء لعمله حين يعلق عليه فتأكد أن هذا لايحصل إلا لأن المعنى الجميل الذي تكون لدى المتلقي هو من ذهن المتلقي نفسه وليس من الفنان، وبالنسبة لماذكرت عن النقاش فهو جيد ولكننا نحتاج أحيانا لمجرد الفضول أن نعرف ماذا يريد الفنان أن يقول وهو أبسط حق للجمهور الذي استقطع من وقته فقط لينظر إلى العمل...

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة