خلقت فضحية ووترجيت التي انفجرت في السبعينيات وتصادمت بها الامتيازات الرئاسية لإدارة الرئيس نيكسون مع الدستور الأمريكي حقبة تاريخية وعصرا ثقافيا مختلفا وأصبحت لاحقا كلمة «جيت» تستخدم في وصف العديد من الفضائح التالية التي كان بعضها مرتبطا بشخصيات سياسية مميزة وكانت اقل أهمية من ووترجيت.. والنتيجة أن فضيحة ووترجيت أصبحت رمز الفضائح في الصحافة الغربية وأحيانا كانت تشير إلى نوعية الجرائم المرتبطة باستخدام تسجيلات صوتية في محادثات خاصة بأبرز شخصيات الحكومات الغربية وأحيانا أخرى بالأسرة الملكية البريطانية وأحيانا ثالثة بأكبر رجال المال والأعمال في العالم.

لم يشهد عهد رئيس أمريكي كما ضخما من الفضائح مثلما شهده عهد الرئيس السابق بيل كلينتون الذي اتسم بسلسلة من الفضائح المختلفة التي لازمته حتى آخر أيامه في البيت الأبيض، ومنها ويت واتر جيت وترفيل جيت وكاتيل جيت ومونيكا جيت وإندونيسيا جيت وغيرها، وهي لم تقتصر عليه هو فقط ولكنها ارتبطت أيضا بزوجته هيلاري كلينتون التي شاركته معظم تلك الفضائح إلا فضيحة مونيكا جيت التي كان هو وحده المسؤول عنها.

ومن اشهر هذه الفضائح فضيحة ويت واتر جيت التي وقعت في ولاية اركانساس عندما بدأ نشاط بيل كلينتون السياسي، وظهرت خلال فترة رئاسته الأولى عقب وفاة نائب مستشار البيت الأبيض فنسنت فوستر وبعدها علم ان رئيس مستشاري البيت الأبيض بيرنارد نوسبوم قد نقل وثائق تخص مؤسسة ويت واتر للتنمية من مكتب فوستر. الرئيس كلينتون وزوجته كانا قد استثمرا في هذه المؤسسة واتهما بالخداع في هذا الاستثمار خلال تحقيق لجنة الحماية والأمن فيما يخص إفلاس ماديسون جورانتي وهي شركة تأمين في اركانساس.

بعد تعيين مستشار مستقل عام 1994 من قبل وزارة العدل للتحقيق في مدى قانونية إجراءات وتعاملات ويت واتر، ظهر اتهامان جديدان هما ان كلينتون قد قام بضغط على ليتل روك وهو رجل أعمال من اركانساس ليقدم قرضا سوف يفيده هو وأصحاب شركة ماديسون جورانتي وأيضا ان بنك اركانساس قد اخفى التعاملات التي تخص حملة كلينتون عندما كان حاكما لولاية اركانساس عام 1990 تمت تبرئة كلينتون وزوجته من أي تهم أو أخطاء في التقريرين التاليين اللذين قدمتهما مؤسسة قانونية في سان فرانسسكو.

وعندما ظهرت للمرة الأولى فضيحة ويت واتر قام النائب العام جانيت رينو باختيار مدعٍ خاص للتحقيق في القضية وكان هو المدعي العام السابق للولايات المتحدة الجمهوري روبرت فيسك والذي حل محله كينيث ستار عندما نقل التحقيق إلى نطاق السلطة القانونية لمكتب المستشار المستقل.

في 26 يناير عام 1996 شهدت هيلاري كلينتون أمام هيئة المحلفين فيما يخص استثمارها في مؤسسة ويت واتر. وتمت إدانة ثلاثة متهمين هم: جيمس ماكدوجال وسوزان ماكدوجال وحاكم اركانساس جيم جاي تاكر في عدة تهم فدرالية ليست مرتبطة بشكل مباشر بكلينتون عام 1996، حيث عمل كل من بيل كلينتون وهيلاري في مؤسسة روز القانونية وبدأت الفضيحة بصفقة لبيع ارض بين الزوجين «كلينتون» وجيم وسوزان ماكدوجال.

ثم كانت فضيحة بيلينج جيت حيث فقدت هيلاري كلينتون سجلات لائحة قانون وهي السجلات التي أثارت التساؤلات حول دور السيدة كلينتون في صفقة كاسل جراند وأمر ان تقدم للمحكمة في عام 1994. وقد ظلت تلك السجلات مفقودة من عام 1994 وحتى بداية عام 1996 حيث اتضح أنها موجودة في غرفة البيت الأبيض القريبة من مكتبها وقالت وقتها إنها لا تعرف كيف وصلت إلى تلك الغرفة. ثم كانت فضيحة كاتل جيت وقدرة هيلاري كلينتون الغامضة على تحويل استثمار قدره ألف دولار إلى 100 ألف دولار ربح في صفقات لبيع ماشية وهو قدر من الربح رأى الخبراء انه لا يمكن ان يتحقق في التعاملات التجارية العادية. ثم كانت فضيحة كاسل جراند جيت وهي برنامج لبيع عقارات رأى المنظمون الفيدراليون أنها كانت عارا. وقد وجد المراقب الفيدرالي العام في تقريره ان هيلاري كلينتون وجهت الأوراق القانونية التي كانت تستخدم بشكل غير قانوني لإيصال مئات الآلاف من الدولارات إلى سيث وارد حمو شريكها السابق ويبستر هوبيل.

ثم كانت فضيحة ترفيل جيت وتلتها فايل جيت في يونيو من عام 1996 وهي عملية تفتيش غير قانونية قام بها مسؤولون في البيت الأبيض على نحو 900 من ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي ال FBI دون الحصول علي إذن رسمي وكانت الملفات تخص مجموعة من المسؤولين الجمهوريين في إدارة كل من الرئيس بوش الأب وريجان. وقال البيت الأبيض إنها كانت عملية فوضى بريئة ولكن الجمهوريين تشككوا في وجود قائمة أعداء. وكان المحقق المستقل في قضية ويت واتر «كين ستار» وعدد آخر من لجنة الكونغرس قد تم فحص ملفاتهم.

و في مارس 2000 قام المحقق المستقل «روبرت راي» بتحديد انه لا يوجد دليل ممكن تصديقه على أي أنشطة جنائية وقال تقرير «راي» فيما بعد «لا يوجد دليل أساسي وممكن تصديقه على ان أيا من مسؤولي البيت الأبيض البارزين أو السيدة الأولى هيلاري كلينتون قد اشتركوا في قضية فحص الملفات».

كانت هناك أيضا فضيحة «تشينا جيت» وهي التي وقعت في الولايات المتحدة وارتبطت بحملة غير قانونية للحصول علي تبرعات للحزب الديموقراطي. وكان المصدر الأخير لهذه الأموال من الحكومة الصينية.

جون هوانج وتشارلي تري كلاهما أعضاء في اللوبي الصيني وأصدقاء لبيل كلينتون قد تمت إدانتهما في تهم إساءة استخدام تمويل حملة في ارتباط مع مثل هذه التبرعات.

كان الاسم جاء من موضة تسمية الفضائح السياسية بإضافة كلمة جيت إلى نهاية الكلمة التي تلخص طبيعة الفضيحة.

في عام 1994 قامت باولا جونز بتقديم دعوى قضائية ضد كلينتون لم تكن مرتبطة بالتحقيق في قضية ويت واتر وشهد كلينتون في هذه القضية عام 1998 وأعطى انطباعا من خلال شهادته انه لم يكن على علاقة بمتدربة البيت الأبيض مونيكا لونيسكي.

ودون ان يعلم كل من بيل كلينتون ومونيكا لونيسكي كانت موظفة سابقة في البيت الأبيض هي ليندا تريب قد سجلت مكالمات لونيسكي وهي تتحدث عن علاقتها ببيل كلينتون وقدمت ليندا تلك الأشرطة إلى محققي قضية ويت واتر الذين ظنوا أنهم حصلوا على توسيع لمجال التحقيق لتغطية شهادة الرئيس في قضية باولا جونز.

في عام 1998 أرسل المحقق المستقل كينيث ستار تقريرا إلى الكونغرس يتهم فيه كلينتون بالقسم زوراً وعرقلة العدالة ومحاولة التأثير على شاهد بالرشوة أو الترهيب وسوء استخدام السلطة في قضية باولا جونز. وفي ديسمبر عام 1998 تم اتهام كلينتون بالخيانة من قبل مجلس النواب بتهم القسم الزور وعرقلة العدالة وتمت محاكمته من قبل مجلس الشيوخ في يناير عام 1999 ولكن كلينتون برأ نفسه أمام مجلس الشيوخ من كلا التهمتين.

مؤيدو كلينتون قالوا ان التهم الموجهة ضده لم تصعد إلى الحدة التي تستلزم اتهامه بالخيانة وإزالته من منصبه كرئيس حيث إنه لا دخل لها بمهام منصبه كرئيس. وقد رأوا ان توسيع نطاق التحقيقات كان محاولة اصطياد أشبه بمطاردة الساحرات واعتمد على حياة كلينتون الخاصة. في حين ان الناقمين وأعداء كلينتون ذكروا ان الشهادة الزور في المحكمة هي أساس إزالته من منصبه. المصادمات المنفعلة بين مؤيدي كلينتون ومعارضيه استمرت في وسائل الإعلام طوال فترة التحقيق والمحاكمة بتهمة الخيانة وكانت هي عناوين الصحف الكبرى طوال تلك الفترة. الجمهوريون عانوا من رد فعل سلبي سياسي في عشية التحقيقات ومحاكمة الخيانة وقد قضى كلينتون آخر عامين له في منصبه دون أي هجوم إضافي له طبيعة قانونية ولكنه استمر ينتقد من معارضيه بسبب هذه الفضائح.

في أبريل عام 1999 وجدت القاضية سوزان ويبير رايت ان كلينتون مدان على المستوي المدني بسبب تقديمه شهادة مضللة في قضية باولا جونز ولكنها لم تضغط لتوجيه تهم جنائية له وحولت حكمها إلى المحكمة العليا في ولاية اركانساس. وبدلا من ان تمر بمراجعة من قبل المحكمة العليا في اركانساس تنازل كلينتون طواعية عن الرخصة القانونية في ولاية اركانساس.

كان المحقق المستقل الذي خلف كينيث ستار هو روبرت راي وقد نشر تقريرا في سبتمبر 2000 ذكر فيه «ان المكتب حدد ان الدليل لم يكن كافيا لإثبات التهم أمام هيئة المحلفين بشكل لا يقبل النقاش وان هناك شكاً منطقياً في ان كل من الرئيس والسيدة كلينتون علما انهما يشاركان في أية أعمال جنائية» وانهي تقرير راي بذلك التحقيق في قضية ويت واتر.

و بينما كانت مونيكا لونيسكي تعمل متدربة في البيت الأبيض أقامت علاقة غير شرعية لفترة قصيرة مع الرئيس بيل كلينتون. أخبار هذه العلاقة الشائنة ونتائج التحقيق والمحاكمة بتهمة الخيانة أصبحت تعرف بفضيحة مونيكا جيت وبشكل شعبي بفضيحة السحاب جيت. و ترجع تفاصيل فضيحة مونيكا جيت إلى عام 1995 عندما تخرجت مونيكا في كلية لويس وكلارك واستخدمت لتعمل متدربة في البيت الأبيض خلال فترة رئاسة بيل كلينتون الأولى، وكانت مونيكا معجبة بالرئيس كلينتون منذ زمن طويل وحلمت به بشكل رومانسي. وبعد الكثير من التلميحات اصبح الاثنان متورطين في علاقة غير شرعية وقاما سرا بممارسة أعمال حميمية في أماكن خفية في البيت الأبيض. وبعد ان أصبحت علاقة الرئيس بمونيكا فاترة اعترفت المتدربة بتفاصيل تلك العلاقة ومشاعرها وما قام به الرئيس معها من ممارسات حميمية إلى صديقة تدعى «ليندا تريب»، ودون ان تعلم مونيكا قامت ليندا بتسجيل هذه المحادثات الهاتفية وفيما بعد قامت بتقديم هذه الأشرطة إلى المحقق المستقل كينيث ستار الذي اختير من قبل الكونغرس للتحقيق في علاقة الرئيس بقضايا أخرى. اندلعت الفضيحة الجديدة للمرة الأولى في 17 يناير عام 1998 في مجلة نيوزويك. وانتشرت القصة في الإعلام الأمريكي في 21 يناير عندما نشرتها صحيفة الواشنطن بوست. والقصة تحركت مثل دوامة لعدة أيام وعلى الرغم من الإنكار السريع من كلينتون فإن الضجة من اجل الحصول على إجابات من البيت الأبيض تزايدت، وفي 26 يناير قام كلينتون بسبب الاضطراب الكبير بتوجيه خطاب عام من خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض وأعلن إنكاره التام، حيث جاء في خطابه «الآن عليّ ان أعود إلى العمل من اجل إعداد خطاب الاتحاد وقد عملت عليه حتى وقت متأخر من الليلة الماضية ولكن أريد ان أقول شيئاً واحداً للشعب الأمريكي. أريدكم ان تنصتوا لي. سوف أقول هذا مرة أخرى. لم أقم علاقة جنسية مع هذه المرأة. الآنسة لونيسكي. ولم اطلب من أحد أبدا ان يكذب من اجلي ولا مرة واحدة.. أبدا. هذه الادعاءات كاذبة. وأريد ان أعود للعمل من أجلكم من اجل الشعب الأمريكي».. في حين قامت السيدة الأولى هيلاري كلينتون بالوقوف إلى جانب زوجها على المستوى العلني طوال تلك الفضيحة.

و في 27 يناير ظهرت في برنامج استعراض اليوم الذي تبثه محطة NBC وقالت بشكل رائع «القصة الرائعة هنا التي يمكن لأي شخص ان يبحث عنها أو يكتب عنها أو يفسرها ان هذه مؤامرة ضخمة من الجناح اليميني الذي كان يتآمر ضد زوجي منذ اليوم الأول الذي نصب فيه كرئيس». في 22 مايو عام 1998 حكم القاضي الفيدرالي بأن عملاء للخدمة السرية للولايات المتحدة يمكن ان يرغموا على الشهادة أمام هيئة المحلفين الكبرى فيما يخص هذه الفضيحة.

و حصلت مونيكا على إجراءات حصانة في 28 يوليو 1998 في مقابل ان تشهد أمام هيئة المحلفين فيما يخص علاقتها بكلينتون. وتحت القسم اعترفت ان علاقتها بكلينتون تضمنت ممارسة العلاقة الحميمة كما جاء في تقرير ستار مما أدى في النهاية إلى محاكمة كلينتون بتهمة الخيانة على أساس القسم الزور وعرقلة العدالة فيما يخص هذه العلاقة. في 17 أغسطس عام 1998 اعترف كلينتون في شهادة مسجلة انه قام بعلاقة جنسية غير لائقة مع مونيكا لونيسكي، وفي اليوم نفسه اعترف أمام الشعب الأمريكي انه «ضلل الشعب الأمريكي فيما يخص هذه العلاقة».

في شهادته المكتوبة فيما يخص قضية بولا جونز أنكر كلينتون ان له علاقة محرمة بمونيكا. وكان ذلك اعتمادا على الدليل الذي قدم له من تريب وستار الذي استنتج منه ان هذه الشهادة تحت القسم كانت كاذبة وانه شهد زورا.

القضية كانت مربكة جدا وامتلأت بتعاريف غير عادية للاتصال الجنسي خلال التحقيق مما قاد إلى ادعاءات كاذبة. وخلال ادلاء شهادته سئل كلينتون هل أقمت علاقة جنسية مع مونيكا لونيسكي وفق تعريف هذا المصطلح في المحكمة وعندما رد كلينتون بالنفي واتضح فيما بعد انه أقام علاقة معها قال فيما بعد انه فسر تعريف العلاقة الجنسية بشكل مختلف.

وفق دستور الولايات المتحدة فإن مجلس النواب اصدر قراره ان يستخدم بنود قانون تهمة الخيانة التي يجب ان يعلنه مجلس الشيوخ من خلال اختيار فريق من القضاة. والمحاكمة بتهمة الخيانة وسيلة إزالة سريعة للمسؤولين الحكوميين الذين يرتكبون أعمالا جنائية من مناصبهم العليا. وينص الدستور على ان توجيه تهم الخيانة تحدث في الحالات التالية: الخيانة العظمى والرشوة وجرائم أخرى كبرى وإساءة استخدام السلطة. والجريمة الكبرى هي مجموعة من الجرائم تتضمن محاولة تفتيت قوة الولايات المتحدة للفائدة السياسية وتحضير انقلاب عسكري وقبول رشاوى ونهب أموال الخزانة وتزوير الانتخابات وصناعة القرارات السياسية لإضرار الولايات المتحدة. كانت آخر فضائح كلينتون ما عرف بفضيحة باردونس جيت وهي سلسلة من أحكام العفو التي أصدرها في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض ومنها عفو أصدره ضد 16 عضوا من منظمة تدعى فالين وهي منظمة إرهابية محلية قامت بعدد من عمليات التفجير في نيويورك وشيكاغو وثبتت عليهم تهم التآمر وارتكاب السرقة وصناعة قذائف والتحريض على فتنة بالإضافة إلى انتهاك قوانين استخدام الأسلحة النارية والمتفجرات. وكان كلينتون قد قدم التماسا بالرأفة للمساجين على شرط ان يتبرؤوا من أعمال العنف. وقد قدم كلينتون في آخر أيامه في البيت الأبيض 140 قرارا بالعفو وهو أمر معتاد للرؤساء لتقديم عدد من قرارات العفو قبل فترة قصيرة من تركهم لمناصبهم، وكانت بعض تلك القرارات مثيرة للجدل منها قرار العفو عن كارلوس فيجانالي الذي أعفي عن حكم صدر ضده بسبب التجارة في المخدرات ومارك ريتش وهو شخص هارب عن تهمة تهرب ضريبي بعد طلب رأفة قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك.. واصدر كلينتون قرار عفو عن شقيقه روجر كلينتون وسوزان ماكدوجال التي كانت قد أكملت بالفعل مدة سجنها وقد تم العفو عنها عن دورها في فضيحة ويت واتر وكانت قد قضت عقوبة حبس 18 شهرا بسبب رفضها الشهادة حول دور كلينتون في الفضيحة.