من يتتبع سيرة صالح الشهري سيعرف أن للحرمان دوراً في مسيرته الفنية العظيمة والتي ولدت منه فناناً مغنياً في بدايته وملحناً مجدداً ومبدعاً، ساهم بفعالية أن يقتنص أدوار من سبقوه ويعتلي القمة صعوداً للنجومية على سلم المجد.

دائماً ما يحث وبشكل علني زملاءه على الاهتمام بوالديهم، بسبب أنه حرم من والده صغيراً ووالدته المنهكة صحياً إلى ان توفاها الله قبل ثلاث سنوات، لتعود أسطوانة الحرمان من جديد ويغني أبوبكر سالم بالفقيه «اسألوا صالح الشهري من عكر علينا الجو» في الديو الذي جمعه مع عبدالله الرويشد.

بلغ حرصه على فعل الخير أنه كان يتبرع بكل أمواله

قال منجم الالحان صالح الشهري - رحمه الله - ل»الرياض» في حديث سابق: «المناسبة التي قادت أبا بكر سالم لإدراج اسمي في الأغنية، انني اتصلت عليه لأخبره عن وفاة والدتي ولكن للأسف وجدته في المستشفى». يعترف بأن حياته كلها كانت تجارب حتى يكون هو المنجم صالح الشهري، اعتمد على ذاته وقدراته التي نشأت معه صغيراً مولعاً بالفن.


صالح الشهري في بداية شبابه أيام المعهد العلمي

لماذا قال «كنت أعيش العمر مرة، واثنتين وثلاثاً»؟ كان باحثاً مولعاً في من سبقوه معاصراً لحاضره متأملاً في مستقبله، عاش عمره مع الألم وفي نهاية الأمر كان مراجعاً لمستشفى الملك فيصل التخصصي ولا أحد يعلم عنه وذلك قبل سنوات من الآن.

كان يقول لي شخصياً: «يا عبدالرحمن أنا لا أريد أن أثقل على أحد ولا أريد ان ينتشر الخبر ويصل إلى جماعتي ووالدتي»، هذه المقولة رددها مؤخراً عند دخوله مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني.

تمرّس في كل شيء في صغره حتى أصبح هو صالح الشهري الاسم الأوحد وكنز الالحان ومشرف مهرجان الجنادرية. يعترف الكثير بوجود الملحن صالح الشهري منّذ الوهلة الأولى لتقديم نفسه كملحن بعد تعاونه مع محمد السراج في أغنية «ارجع لطبعك» بمحافظة الطائف بعد انتقاله في فرع المعهد العلمي.

يقول عن هذا التعاون - رحمه الله - «لا أتذكر التاريخ بالضبط لكن أعتقد انه أكثر من 35 عاماً».. في تلك الفترة كان عائماً بين التلحين والغناء ولم يستقر، كان همه الاوحد أن يتبنى صناعة المواهب واكتشافها.


صالح الشهري في بداية السبعينيات الميلادية

لمع في واحدة من أهم الأعمال التي نقلته من الأداء المجهول إلى عالم النجومية مع الفنان القطري علي عبدالستار في أغنية «يا ناس أحبه» في نهاية الثمانينات، ربما تكون هذه الفرصة المواتية لكسب أكثر ثقة من الفنانين الكبار أمثال طلال مداح ومحمد عبده وغيرهم، إلا أن المتابعين توقعوا خفوت نجمه، لكن ما يعرفه هو أن الالحان تتدفق من معاناته وألمه كالشلال.

قال لي الشهري قبل عدة سنوات: «أتوقع أن أتوقف عن التلحين لأنني قدمت كل شيء ولم يعد لدى استطاعة للمواصلة فضلاً عن تنافس الملحنين في تقديم أي شيء متناسب مع سوق الكاسيت من اختيارات، وهذه ربما تكون غير جيدة في القالب الفني، ولا أريد أن احصر نفسي تحت منظار مراقبة الغناء المتراجع».

ولكن في غالب الأمر قد يفاجئنا الشهري - العمود الرئيسي - في مرحلة الموازنة اللحنية وحفظ الموروث بمجموعة من الألحان متنوعة الأصوات والأنغام وهو دائماً ما يحدث له، وبالتالي فاقت موهبته وعطاءه وخالفت كل توقعاته بالإنعزال عن قيادة الأغنية «السليمة».


الشهري - رحمه الله - في بداية نشاطه الفني بجمعية الثقافة

الملحن صالح الشهري - رحمه الله - قادته موهبته لنجاحات عدة تفوق من خلالها على قراراته وعلى منافسيه في مجال التلحين بل يعتبره الموزع أمير عبدالمجيد «ثورة الموسيقى الخليجية»، حتى انه قال عنه: «نحن في التوزيع الموسيقى لا نستلذ إلا بألحانه، لأسباب موسيقية بحتة، فهو الذي يقدم لنا اللحن متكاملاً وموزعاً هيكلياً علاوة على أنغامه التي نطرب لها».

دائماً ما يسأل الجمهور لماذا صالح الشهري هو الاسم البارز في الأغنية السعودية، إلا أنه لا يتركها تمر عابثة مرور الكرام ولا يتركها عائمة لدى الجمهور دون أن يعطيهم الجواب لذلك، يتحدث شخصياً ل»الرياض» قبل رحيله عن هذه الخصوصية التي تجعل منه باحثاً عن الإمتاع، فيقول: «تواصلي بهذا الحجم والكيف لا أعلم عنه أبدا ربما هو الحظ أو الصدفة، لكنها الموهبة التي كرستها لزيادته معلوماتي الفنية واطلاعي المستمر على الجديد في سوق الكاسيت والأستوديوهات، وربما هو الإحساس الذي قادني لهذا، بسبب اني لا ألحن إلا بعد دراسة الكلمات التي تصاغ لحنيا لتنفرد بنفس القوة والإحساس، ثم لاننسى أني محب للشعر الشعبي والغنائي وقد تذوقته منذ الصغر».


أول عود يمتلكه في أيام طفولته

الشهري الذي تغني بألحانه الكثير من الفنانين العرب، لم تكن قضيته في الموسيقى إلا إبداع الألحان عبر حناجر المبدعين وبالأخص مع الفنان طلال مداح «رحمه الله» في أغنية «ما أوعدك»، والأخرى «العناء» للفنان محمد عبده «لأنه يرى أنها ألحان عضيمة كعظمة مطربيها، الأمر لا يعرفه كما يرددها لي بان كلا العملين كانا ثورة إحساس تفجر في قصائدها ومعانيها».

صالح الشهري - رحمه الله - امتلك كافة العناصر التي يفتقدها ملحنو هذا الجيل منها اعترافه بالصبر لمدة سنين طويلة قبل بروز عمله مع علي عبدالستار ثم انطلاقته التي لم تتوقف رغم تغير كل الظروف والمعطيات وقدوم فنانين جدد على الساحة، والمناسبات الوطنية والمهرجانات ولم تخل من انغامه.

بروز صالح الشهري صادفته إنسانيته التي كانت جامعة كل الأطراف المتنافسة في الفن، تفوق دام لعشرات السنين هو نتاج لمجهوداته في صياغة الألحان واختيار المطربين له ولهم ايضاً، برز كثيراً مع راشد الماجد باغنية «الصاحب اللي» كلمات سعد الخريجي و»يا مليح السجايا» للشاعر سعود سالم، تبعها باغنية «ابشر من عيوني الثنتين» و»مستغربه والليل روح» وكانت المرحلة الأهم في صوت الماجد أغنية «رجاوي» والبوم «شرطان الذهب» و»يا صاحبي، يسألوني وتحقق منايا ويا حمام واجيك يسلم راسك» ولم تفارقه تلك الأصوات التي أخذت وهجاً وعملقة بأنغامه حتى قدم للماجد «46» لحناً. الشهري العظيم بفنه لم يترك حتى صوت الملحنين ناصر الصالح ملحن «الأماكن» الذي انطلق على يديه، يقول لي كلاماً لم يكن للنشر وقتها: «ناصر الصالح كان يغني لي ألحاني وقد قدمته في بداياته كمغني، في أغنية - كنا وكان - يا سيدي الفاضل - شمس الحنين - أمس جينا - ياصاحبي».


الشهري مع سالم الهندي والزميل عبدالرحمن الناصر

في محطة عبدالمجيد الثالثة قدم مفآجاته التي كانت خلافاً على النهج الجديد في صناعة العمل الغنائي «روحي تحبك» التي قادته الى اكتشافه من جديد، «طيب تعال» سبق الجميع في الأصوات الجديدة أو الأصوات التي قدمت نفسها، من «رهيب» «وكل عام وانت الحب» إلى «يا ويل قلبي» و»أفهمك» إلى «91» أغنية، و»اليوم نتعلم» لعلي بن محمد والفنان أصيل أبوبكر في أغنية «ما قول أنا مقول» وعباس إبراهيم «دام الحياة بالتمني» و«حلم» للأمير الشاعر محمد العبدالله وكذلك أغنية «قمت تعاظم غربة الروح يا سعود» «للأمير الشاعر خالد الفيصل، مع تعاونات سابقة مع الفنان راشد الفارس الذي قدم «الجديد» لأسير الشوق و«المودماني» لسعد الخريجي وكذلك أغنية «كنت أظن» للشاعر منصور الحربي، عدا تعاونه مع الفنان السعودي تركي في أغنية «بنت السعودية» التي وجدت أصداء بعد تداولها في سوق الكاسيت، كل هذا وغيرها أتى دفعة في سنوات قليلة متوسط العشرينيات من هذا القرن الهجري.

قال عن نانسي: «إنها أخت رجال».. وكان «صديق عمر» للجميع

الشهري «صالح» لم يترك صوتاً الا ووضع بصمته المعتادة، عملاق يحفر في أرض خصبة يعيد صياغة السمع من جديد، هي حالة استثنائية أن يقوم ملحناً بهذه القدرة أن يعتلي هامة التلحين ويعوم في أصوات الوطن العربي، كالراحلة رجاء بالمليح وأصالة نصري ورنا الحداد والعملاق محمد الحلو وباسكال مشعلاني، التي يقول لي عنها:»إنها اخت رجال وأصيلة»، لم يقف الأمر الى هذا الحد مع كنز الألحان، بل جذب فلة الجزائرية لأنغامه حتى تغنت نانسي عجرم بأجمل الألحان التي قدمتها في مسيرتها «أسعد الله مساك» للراحل الأمير محمد العبد الله الفيصل.


مع أحلام مستغانمي ويوسف المهنا ونايف صقر

الحرمان الذي فجر فيه كل هذا الحسّ اللحني ليتجاوز مجموع ما أبدعه «850» لحناً، كل هذه الأعمال لم تكن أعلى من همه تجاه الوطن وعشقه إلا محدود له وقربه لشخصيات لم يكن يتوقعها عندما كان صغيراً مع ابن خالته، أوبريت «أمجاد الموحد» و»وفرحة وطن» و»عهد الخير» في مهرجان الجنادرية، وصل به الحال أن يقدم أوبريتات عده للمناطق واحتفالاتها عندما لمع إعلامياً مثل أوبريت المنطقة الشرقية بصوت راشد الماجد وعبدالمجيد عبدالله وعبدالله رشاد، وأوبريت تبوك بصوت عبدالمجيد عبدالله.

يسعى الشهري «صالح» رحمه الله لأن يبادر الخير بالخير، يقول ل»الرياض»: كل ما أخذه من «دراهم» أوزعها على من يحتاجها، فأنا لي راتبي التقاعدي، وهو يكفيني، وهذا ما يجعلني مستمراً بتوفيق الله لي».

كل ذلك من أسرار الشهري.. منبع الأصالة الذي صاغ ألحاناً ستبقى بارزة في ذاكرة الأغنية العربية.


صالح الشهري والفنان تركي ورابح صقر وسالم الهندي والكابتن ماجد عبدالله