قرأت مقالاً للكاتب: فهد الأحمدي نشره في جريدة «الرياض» يوم الثلاثاء تاريخ ٢٧/٤/١٤٣٣ه حول قول الله في قصة تكذيب قوم فرعون لموسى وهارون عليهما السلام وقولهم: (إن هذان لساحران) بالألف في (هذان) حيث أخذ الكاتب يحوص حولها ويدور ويقول إنها مخالفة للقاعدة النحوية بزعمه حيث إن المعروف أن (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر - قال: وقد قرأ بعض النحويين الكبار مثل ابن عمر والجرجاني وعيسى بن عمرو هذه الآية: (إن هذين لساحران بدل: (هذان لساحران).

ونقول للكاتب لا مجال للتدخل الآن في آية كتبت في المصحف العثماني وأجمع عليها الصحابة والتابعون ومن بعدهماإلى وقتنا هذا وقرأها جمع غفير من القراء منهم عاصم وغيره. وهذا التدخل يفتح باباً مغلقاً حول هذا المصحف المعتمد بيد المسلمين. قال الإمام ابن جرير: وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: (إن هذان لساحران) فقرأته عامه قرأة الأمصار (إن هذان) بتشديد (إنَّ) وبالألف واللام في (هذان) وقالوا قرأنا ذلك كذلك اتباعاً لخط المصحف - إلى أن قال: قال أبوجعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا (أنَّ) بتشديد نونها. و(هذان) بالألف لإجماع الحجة من القرأة عليه وأنه كذلك هو في خط المصحف. ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهة (الذين) إذ زادوا على (الذي) النون وأقر في جميع أحوال الإعراب على حالة واحدة وهي لغة بالحارث بن كعب وخثعم وزبيد ومن وليهم من قبائل اليمن.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: (إن هذان لساحران) فإن هذا مما أشكل على كثير من الناس. فإن الذي في مصاحف المسلمين: (أن هذان) بالألف وبهذا قرأهما جماهير القراء. وأكثرهم يقرأ (إن) مشددة. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (إن) مخففة لكن ابن كثير يشدد نون (هذان) دون حفص. والاشكال من جهة العربية على القراءة المشهورة وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم وجمهور القراء عليها وهي أصح القراءات لفظاً ومعنى - إلى أن قال الشيخ.: وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم المصحف يعني قراءة (إن هذان لساحران) فاحتج لها كثير من النحاة بأن هذه لغة بني الحارث بن كعب. وقد حكى ذلك غير واحد من أئمة العربية ورد الشيخ هذا القول لأن المصحف كتب بلغة قريش لا بلغة غيرهم إلى أن قال: فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن في المصحف لحناً أو غلطاً وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس بحجة. فالخطأ جائز عليه (يعني القائل) بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرأوه فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك - إلى أن قال ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطاً منكراً كما قد بسط في غير هذا الموضوع فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا الغلط وأطال رحمه الله الكلام في ذلك فليرجع إليه من يريد المزيد. وفي هذا القدر كفاية في الرد على هذا الكاتب المذكور وغيره ممن يتطاول على كتابة القرآن في المصحف العثماني المعتمد عند المسلمين - ثم نقل الكاتب عن أستاذ عراقي أنه قال: من أسرارنا نحن علماء اللغة أننا نتحاشى الاستشهاد بالقرآن الكريم في المسائل النحوية وأن الحل الأفضل - حسب رأيه - هو الاستشهاد بأبيات شعرية جيدة لشاعر جاهلي كبير مثل زهير أو الأعشى أو طرفة بن العبد - قال الكاتب إن هذا القائل صدمه في البداية ثم وجده منطقياً في النهاية - وأقول: يا سبحان الله كيف لا يستشهد بالقرآن في المسائل النحوية والله جل وعلا يقول عن القرآن إنه (بلسان، عربي مبين) (إن جعلناه قرآن عربياً) فكيف لا يحتج به على القواعد النحوية وهي مستمدة من لغة القرآن فكيف يخضع القرآن لها وهو حاكم عليها ولا تحكم عليه؟ وهل شعر الشاعر مهما بلغ من الفصاحة والعربية أبلغ وأفصح من كلام الله المنزل بلسان عربي مبين؟! والمصحف مكتوب بلغة قريش التي هي أفصح اللغات العربية - إنه يجب على هؤلاء أن يستحوا على عقولهم وأن يراجعوا أقوالهم فإن القول يوزن به الشخص كما قال زهير:

وكائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

ولم يبق إلا صورة اللحم والدم

واكتفي بهذا القدر والله الموفق للصواب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

  • عضو هيئة كبار العلماء