أتابع على قناة "ناشيونال جيوغرافي" برنامجا بعنوان "لا تخبروا والدتي" يقوم فيه المراسل الفرنسي دييغو بانويل بتغطية أسوأ الأخبار في أخطر المناطق حول العالم.. ولأنه يعرض نفسه لمخاطر حقيقية (بعكس صحافة المكاتب وأبراج الكتاب العاجية) اختار لبرنامجه هذا العنوان الرومنسي الذي - في نفس الوقت - يعبر عن حقيقة البرنامج ومخاطره المحتملة.. فأي أم ترفض ما يقوم هذا الشاب الجريء وتفضل بقاء ابنها عاطلا على قيامه بمثل هذا العمل.. وأي ابن يخشى على والدته من القلق والانهيار سيخفي عنها حقيقة سفرة لمناطق خطرة ترتفع فيها نسبة وفاته.. أمام الكاميرا.

على أي حال؛ حتى ان افترضنا عدم مشاهدة والدة دييغو لبرنامج ابنها؛ فمن المرجح أنها ستشعر به - بطريقة التليباثي أو التخاطر عن بعد - حين يتعرض لمخاطر فعلية أو مواقف طارئة (.. ويشهد الله أن والدتي اتصلت في هذه اللحظة للاطمئنان علي).

وما يشدني لهذا البرنامج بالذات قصة شخصية غريبة حدثت لي قبل سنوات طويلة جدا تذكرتها بعد مشاهدتي لاحدى الحلقات.

ففي سن الطفولة ارسلتني والدتي لشراء بعض الحاجيات من البقالة القريبة. وهناك صادفت صديقا في نفس عمري يشتري لعائلته لوازم رحلة كانوا ينوون القيام بها. وحينها عرض على مرافقتهم واقنعني انهم سيعودون قبل المغيب وبالتالي لا داعي لأخذ الاذن من اهلي. وبالفعل ذهبت معهم بدون علم والدتي - رغم أنني عدت لتسليمها المشتريات - وهناك اكتشفت ان الموضوع اكبر مما اخبرني به صديقي المخادع؛ فالناس كانوا عازمين على المبيت لعدة ليال. وكان بانتظارهم عوائل اخرى وخيام ومعسكر وصهريج ماء كبير.. وانقضى المغرب وزحف الليل واقترب الفجر دون أن تعلم عائلتي بمكاني ولا مع من ذهبت.. ولبعد المسافة لم اجد متطوعا يعيدني للبيت ولم يكن الجوال قد اخترع بعد.

وفي وضع يائس كهذا خطرت ببالي فكرة غريبة (لم تكن لتظهر لولا تعلقي بالظواهر النفسية الخارقة منذ الصغر).. فقد قلت لنفسي: لماذا لا احاول الاتصال بوالدتي عن طريق التليباثي او التخاطر الذي يتم بين عقلين بعيدين!؟

وهكذا اعتزلت المجموعة (وركزت) على بث رسائل تطمينية تصورتها تذهب مباشرة لعقل والدتي وتخبرها أنني بخير.. كنت اتصورها تبكي بحرقة وتصورت نفسي اظهر في ذهنها كشاشة صغيرة.. (تماما مثل خاصية "الفيس تايم" التي تدعي شركة آبل أسبقية ابتكارها)!!

ويبدو ان اعتزالي المجموعة وبقائي صامتا طوال الوقت جعل احدهم يرق لحالي فتطوع لإعادتي للمنزل.. وعند خيوط الفجر الأولى طرقت باب البيت راجيا من الله ان تفتح والدتي الباب وليس والدي.. ولكن أملي خاب (وأكلت علقة ساخنة من ابو فهد) وكنت اكرر حينها "والله العظيم حاولت الاتصال بكم حتى اسأل أمي"!!

أتعرفون اين تكمن غرابة القصة:

في الأيام القليلة التالية نسيت تلك المحاولة وأصبحت ابتسم وأسخر من نفسي كلما تذكرتها.. ولكن بعد وقت طويل من حدوثها اخبرتني والدتي بدون ان اسألها انها كانت تتصورني جالسا تحت شجرة اتحدث اليها وحولي اصوات لم تستطع تمييزها!

كان الله في عون والدة دييغو شاهدت التلفزيون أم لم تشاهده..