يعد دمج الطلاب والطالبات ذوي الإعاقة من فئة الصم والمكفوفين والفكرية والتوحديين، وكذلك ذوي صعوبات التعلم والموهوبين وغيرهم في مدارس التعليم العام، مع أقرانهم الطلاب والطالبات الأسوياء، تجربة فريدة، ورؤية تربوية ناضجة تمهد لإعداد ذوي الإعاقة أصحاب الفكر والإمكانات العالية للعمل في المجتمع، عكس ما كان معمولاً به سابقاً من الإهمال إلى المراكز والمعاهد الداخلية، ومن ثم إلى المدارس النهارية والفصول الخاصة لكل فئة من فئات الإعاقة بنظام اليوم الكامل أو الجزئي، والذي أثبت فشلة تربوياً وأكاديمياً واجتماعياً ونفسياً، مما دعا المتخصصين والمهتمين في تربية وتأهيل المعوقين على مستوى دول العالم، إلى المطالبة بضرورة توفير أفضل أساليب الرعاية التربوية والمهنية للمعوقين مع أقرانهم العاديين في المدرسة، معتبرينها الحاضنة الرئيسة لرعاية التلاميذ، والبيئة الطبيعية التي يمكن للطلاب والطالبات ذوي الإعاقة والعاديين أن ينموا فيها معاً على حد سواء، وذلك بعد إجراء بعض التعديلات في تلك البيئة لتفي بالاحتياجات الأكاديمية والتربوية والاجتماعية والنفسية الخاصة بأولئك الأطفال، مما تكسبهم خبرات متنوعة، بل وتمكنهم من تكوين مفاهيم صحيحة وواقعية عن العالم والمحيط الذي يعيشون فيه، وهذا ما دعا وزارة التربية والتعليم -ممثلةً في الإدارة العامة للتربية الخاصة- بتطبيق فكرة الدمج والتوسع فيه عن طريق استحداث برامج الفصول الملحقة في المدارس العادية، وتقليص المعاهد الخاصة.

«الرياض» تطرح الموضوع، وتناقش المتخصصين، فكان هذا التحقيق..

تجارب ناجحة

في البداية علق «د.ناصر الموسى» -مستشار التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم والباحث الرئيس في الدراسة الوطنية لتقييم تجربة المملكة في مجال دمج التلاميذ- عن تطبيق تجربة الدمج في مدارس التعليم العام  قائلاً: لقد بدأت وزارة التربية والتعليم في تطبيق تجربة دمج ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة في مدارس التعليم العام، بعد التعرف على التجارب الناجحة للدمج التربوي في الدول المتقدمة، والتي أثبتت العديد من الدراسات نتائج نجاحه، مضيفاً أنه لم تكتف الوزارة بنتائج تلك الدراسات، بل قيّمت نتائج تجربتها للتأكد من نجاحها، والتعرف على جوانب قصورها من خلال محورين، هما الاعتماد على الجولات الإشرافية التي يقوم بها المشرفون التربويون في التربية الخاصة، والمحور الثاني من خلال إعداد دراسة علمية أجراها فريق متعدد التخصصات في التربية الخاصة من أعضاء هيئة التدريس بقسم التربية الخاصة بجامعة الملك سعود، والإدارة العامة للتربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم شملت (29) فرضاً.


وهنا فصل يفتقد لبعض الوسائل المفيدة

مكاسب تربوية

وأشار «د.الموسى» إلى أنه للتحقق من صحة فروض الدراسة وفر فريق البحث عددا من المقاييس والاختبارات التحصيلية، كاشفاً أن نتائج الدراسة أفرزت عن أن المملكة حققت مكاسب تربوية للتلاميذ ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة، من خلال دمجهم في مدارس التعليم العام، وساهمت عملية الدمج في توفير بيئة تربوية واجتماعية من أفضل البيئات التعليمية؛ لأنها تكفل للطلاب أنفسهم البقاء مع أسرهم في المنزل بعيداً عن العزل، إضافةً إلى بقائهم حاصلين على جميع الخدمات والمتطلبات المتعلقة بهم باختلاف فئاتهم ودرجة إعاقاتهم مع أقرانهم الطلاب العاديين، مبيناً أن برامج الدمج أسست على بنية تحتية جيدة، بتوفر الإمكانات، مع امتلاك العاملين وأولياء الأمور والطلاب أنفسهم اتجاهات ايجابية  بقبوله، لافتاً إلى أن برامج الدمج في مدارس التعليم العام انتشرت بشكل أكبر في قطاع البنين مقارنة بقطاع البنات، وأن التحصيل الدراسي لدى التلاميذ ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة -ذكوراً وإناثاً- يتحسن من خلال دمجهم في مدارس التعليم العام.

المدرسة «بيئة حاضنة» توضح لهم «مفاهيم واقعية» وتكسبهم «خبرات متنوعة» في الحياة

تطور شامل

وعددت «د.فوزية محمد أخضر» -مدير عام التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم سابقاً- مزايا الدمج ومنها إزالة أوجه التفاوت بين الجنسين في ميدان التعليم، كما أنه يعمل على ارتقاء التطور الشامل للفرد كوسيلة لتمكينه من المشاركة الفاعلة في مجتمعه، محققاً للطلاب  والطالبات التفاعل الاجتماعي الايجابي مع أقرانهم الأسوياء، بل وتفاعلهم معهم ضمن مجتمع المدرسة، وتعميم ذلك على المجتمع الخارجي والمجتمع ككل، إضافةً إلى أنه يعمل على بناء الشخصية، ويساهم في تنمية مفهوم الذات، مع زيادة شعور وإحساس ذوي الإعاقة بأنه ضمن هذا المجتمع وعضو فعال، ذاكرةً العوامل التي تساهم في نجاح عملية الدمج ومن أهمها مرونة وتقبل معلم الفصل العادي للتلميذ ذي الإعاقة، وكذلك تلاميذ الفصل وتفاعلهم معه، إلى جانب توافر المهارات الاجتماعية لدى ذوي الإعاقة، والنظرة الإيجابية نحوهم، مع استقلالية المعوق واعتماده على نفسه، وكذلك تكوين اتجاهات أسرية إيجابية وتقبلها لطفلها ذي الإعاقة، مع توفير المستلزمات والتجهيزات اللازمة للطفل المعوق.


د.إبراهيم العثمان

تكامل اجتماعي

وذكر «بدر العبدالوهاب» -رئيس قسم التربية الخاصة بإدارة التربية والتعليم بالمجمعة- المسببات التي قادت إلى تبني عملية دمج المعوقين في مدارس التعليم العام ومن أهمها: وجود السياسات والأنظمة التي تكفل لتلك الفئة حق التعليم، وكذلك المنطلقات الدينية والاجتماعية لدى المجتمع، التي ترى أن هذه الفئة جزء من المجتمع لها حقوق وعليها واجبات، إلى جانب تفهم المسؤولين سواء في إدارة التربية والتعليم أو المدارس لاحتياجات هذه الفئة، إضافةً إلى وجود المختصين من أبناء الوطن في شتى تخصصات الإعاقة، إضافةً إلى النظرة العامة للدمج على أنه واجب تكامل اجتماعي، وليس فقط حضور للطالب المعوق.

وأوضح « د.إبراهيم بن عبدالله العثمان» -أستاذ التربية الخاصة المشارك بجامعة الملك سعود- أن وزارة التربية والتعليم بدأت مشروع الدمج عام 1416ه بخطوات ثابتة وايجابية ضمن معايير محكمة، من أبرزها اختيار مدارس نموذجية وإدارات متميزة, مع توعية منسوبي تلك المدارس من معلمين وإداريين وطلاب بخصائص الطلاب المعوقين واحتياجاتهم وطرق التعامل معهم، مضيفاً أن ما حدث لاحقاً هو التوسع الكبير والسريع في افتتاح البرامج دون الالتزام بشكل جيد بتلك المعايير التي وضعت, إضافةً إلى افتقاد وجود أخصائي الخدمات المساندة في أغلب مدارس التعليم العام، من أخصائيين نفسيين ومرشدين طلابيين مؤهلين, إضافةً إلى أخصائيي النطق واللغة، وأخصائيي العلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي وغيرهم, مما جعل كثيراً من الأسر تفضل بقاء أبنائهم وبناتهم في معاهد التربية الخاصة المعزولة، بدلاً من دمجهم مع أقرانهم العاديين، لتبدأ معها الشكاوى من ضعف الخدمات وعدم توفرها في المدارس، ما يقود إلى ضعف النجاح المتوقع لعملية الدمج.


د.فهد التميمي

مبانٍ مدرسية

وشدد «د.العثمان» على أهمية خدمة جميع الطلاب والطالبات، بغض النظر عن إعاقتهم وخصائصهم، في مدارس التعليم العام كلما أمكن، مشيراً إلى أن هناك فئات غير مخدومة مثل «حالات الشلل الدماغي» و»حالات الصرع» و»ذوي اضطرابات فرط الحركة وضعف الانتباه», وكذلك «فئة ذوي الاضطرابات السلوكية والانفعالية»، التي كانت وزارة التربية والتعليم تخطط لخدمتهم في العام الدراسي 29-1430ه، ولكن لم يتم شيء حتى الآن بهذا الخصوص، ولا زال أهالي هؤلاء المصابين ينتظرون من الوزارة الشيء الكثير في هذا المجال، أسوةً بما يقدم في الدول المتقدمة التي تطبق مبدأ المدرسة للجميع.

وانتقد «د.فهد حماد التميمي» -المتخصص في شؤون ذوي الإعاقة- عملية الدمج الحالية، مبرراً ذلك بعدد من الملاحظات التي بحاجة إلى مراعاتها حيال تطبيقها، ومنها المباني المدرسية؛ لأنها لم تعد إعداداً جيداً، بل ولا تتناسب معهم من حيث الممرات أو دورات المياه أو الفصول أو المقصف المدرسي ولا الساحات الخارجية، إضافةً إلى ضعف الوعي بعملية الدمج من قبل العاملين في المدرسة، حيث لم يتهيأوا للعمل والتعامل مع الطلاب غير العاديين في برامج الدمج، وقصور معرفتهم وتصورهم عن برامج التربية الخاصة، إلى جانب عدم وجود بعض الخدمات المساندة للطلاب أنفسهم، مؤكداً على أهمية دور الخدمات المساندة في دعم برامج دمج ذوي الإعاقة وإنجاحها.


بدر العبد الوهاب

نسبة متدنية

وأشار «د.التميمي» إلى أن الخدمات النفسية المساندة تساعد المعاق في تعديل سلوكه, بل وتعالج المشكلات الانفعالية، كما أن الخدمات الإرشادية المساندة لا تقل عن دور باقي الخدمات الأخرى, حيث يقدم الدعم للمعاق من خلال رفع التأكيد الذاتي له، وجعله يعيش خبرات النجاح مع باقي زملائه, وكذلك الحال في مجال خدمات أخصائي النطق والكلام والعلاج الوظيفي، لجعل المعوق قادر على التواصل بشكل جيد، وإيصال ما يريد دون الاعتماد على غيره، مضيفاً أنه لكي يحقق الدمج أهدافه لابد من تهيئة المبنى المدرسي، وأن يتكيف الطلاب مع المبنى وعلى المتغيرات الجديدة له، وأن تتلاءم مع ظروفهم الخاصة، ليسهل لهم الوصول لجميع خدمات، وكذلك لابد من اختيار الكوادر البشرية المدربة للعمل مع نظام الدمج، وتغيير اتجاهات كل من يتصل بالعملية التربوية، بعقد دورات تدريبية وورش عمل وبرامج تهيئة وتثقيفية ونشرات تربوية، قبل عملية الدمج لفهم الغرض منه.


د.ناصر الموسى

وكشف «د.الموسى» عن إعداد التلاميذ المستفيدين من خدمات التربية الخاصة في المملكة وعددهم (80) ألف تلميذ وتلميذة، منهم (62) ألفاً يتلقون خدمات التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم، و(18) ألف تلميذ وتلميذة يتلقون خدمات التربية الخاصة في القطاعات الحكومية الأخرى والأهلية والخيرية، ما يشير إلى أن المستفيدين من خدمات التربية الخاصة في المملكة حالياً يشكلون نسبة (1.8%) تقريباً من إجمالي (4.500.000) تلميذ وتلميذة في مدارس التعليم العام، ويشكلون نسبة (9%) من إجمالي التلاميذ المستهدفين بخدمات التربية الخاصة والمقدر عددهم (900) ألف تلميذ وتلميذة، واصفاً نسبة المستفيدين من خدمات التربية الخاصة بالمتدنية بناء على مقاييس الإحصاءات العالمية، مشيراً إلى أن خدمات التربية الخاصة بحاجة إلى جهود جبارة على مستوى التخطيط والإعداد والتنفيذ تفوق مستويات ما يتطلبها التعليم العام.