بعد أحداث الثورة السورية، وتصاعد القتل للمواطنين من قبل نظام الأسد كان أول من كسر حاجز الصمت العربي بدعوة دمشق لوقف نزيف الدم، ثم سحب سفير المملكة من هناك هو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، ثم تجددت أمس الأول نفس الدعوة وبسحب المراقبين السعوديين الذين قال الأمير سعود الفيصل عنهم بألا يكونوا شاهدي زور..

وطبيعي أن تأتي هذه المواقف متطابقة مع فكر ونهج المملكة، طالما الأمانة تستدعي أن تكون في طليعة من يمثلون الموقف العربي الذي لا يقبل المواربة، أو المجاملة أمام سلطة فقدت شرعيتها أمام الرأي العام العالمي..

الوضع لا يسمح بمقايضة النظام بالشعب السوري، فمثل هذا التفكير أو السلوك يخالف أبسط المبادئ الأخلاقية، طالما تستمد السلطة شرعيتها من البندقية وفلول الشبيحة، ومَن تدربوا على سفك الدماء، بينما المطالب الوطنية عادلة، جاءت من أغلبية هائلة، لا يجوز تسفيه رأيها أو الحطّ منه، وكان هدف المملكة أن النظام لديه الفرصة في التغيير والتعديل والاستجابة للمطالب الوطنية، إلا أن التقاء أفكار العائلة بدءاً من إرث الأب صاحب مجزرة حماة، ثم وصايا الأم بحسم الأمور بقوة النيران، فقيادة الأبناء لمسلسل الأحداث الدامية، تجعل من المستحيل رؤية من يفكرون بهذه الأساليب أن لديهم معايير قابلة للإصلاح بما تفرضه السياسة الواقعية، لكن النظام هو من خلق القطيعة مع شعبه، وسنّ قانون المعادلة الخاطئة، إما بقاؤه، أو سحق المعارضة، وبالتالي فالأمر لا يتعلق بالواقع القائم، بل بالنهايات التي أول من يدركها أعضاء النظام بأن الشعوب لا تهزم طالما تقدم التضحيات وببسالة نادرة..

التوقيت الذي ضبطت ساعات سلطة دمشق عليه، والزمن الذي لا يزالون يرونه، وعدم فهم ما يجري من تغيير كوني، ليس في المعالم السياسية فحسب ، بل في بنية المجتمعات، جعلت الحكم يأخذ مصادر قوته من أوهام لا زال يعيشها، وهي مشكلة مَن لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، إذ لو كانت هناك تقديرات النظام لما جرى في المنطقة، واحتواء المشكلة قبل انفجارها، لربما عدّت موجة الغضب بمشاركة فعلية بسنّ الدساتير ومشاركة جميع الأطياف السياسية، وإعادة هيكلة الدولة بما يؤمن لطرفيْ العلاقة فهماً يقيس المتغير الجديد، والتعامل معه بواقعية وضمن أهداف متفق عليها..

المبادرة العربية تعاملت معها دمشق بعدم الاكتراث، والمراقبون تحولوا إلى سجناء تحت رقابة السلطة السورية، والتفكير في الحوار مع المعارضة لا يُقبل إلا بشروط من الرئيس وحكومته، ويبقى الأمر لا يصلح للتعليق، وبالتالي لابد إما أن يقبل حكم الأسد الشروط العربية الأخيرة، وما حملته من مضامين، أو التدويل، وهنا ستكون حجة مجلس الأمن أنه يتكئ في اتخاذ أي إجراء على قانونية الموقف العربي، وفي هذه الحال سيبقى الموقف معروضاً على طاولة الكبار، وحتى لو عوّلت دمشق على مساندة الصين وروسيا، فهو رهان خاسر حدث مع ليبيا، وسبق ذلك من العراق، وانتصر من يعملون لا من يسجلون مواقفهم من خلال حقائب وزراء خارجيتهم وسفرائهم، ودمشق عليها أن تقوّم الموقف بشجاعة قبل أن يأتي العلقم، وما هو أمرّ منه..