الذين يسرقون الدواء يهدرون صحة الإنسان ، والذين يسرقون العلم يسرقون حضارة أمة ومستقبل إنسان ، كلاهما آثم بتهمة لا تقل عن جرائم "الخيانة العظمى" .

موضوعنا السابق كان عن الذين ائتمنتهم الدولة على رعاية الإنسان صحياً فخان الأمانة وبدلاً من أن يدفع بالأدوية في قنواتها الصحيحة تاجر بها وملأ الجيوب بمال حرام ، والآخرون ائتمنتهم الدولة على رعاية عقول ناشئة عبر توفير أدوات راقية للتعليم فخانوا الأمانة ووجهوا تلك الأدوات إلى قنواتهم الخاصة وملأوا جيوبهم بمال حرام . ربما غدا ظهرت إلى السطح طائفة ثالثة ورابعة في مجال آخر .

والموضوع ببساطة ان خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بما عرفناه عنه من رؤى مستقبلية واعية تستبق زمانها ، وفي لحظة من لحظات الحلم بمستقبل لأبنائه يتجاوز المدى ، رأى أن يبدأ من البداية فكان مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم . هنا البداية الصحيحة والرائعة لبناء إنسان جديد . بدأ من المراحل الأولى للتعليم ورصد أموالا طائلة ، تكفي وزيادة لتوفير أدوات حديثة تساعد الناشئة على الاستيعاب وثبات المعلومة والسير بخطى واثقة ، تشكلت لجان من المتخصصين المشهود لهم بطول الخبرة وعمق المعرفة ، وضعوا المناهج الجديدة القادرة على الانتقال بفعاليات التعليم بخطى واثبة ، وتحولت وسائل الإيضاح التي لم تكن تتجاوز رقعة من الورق ورسوماً بالورق اسمها "وسائل إيضاح" حولت تلك الوسائل البسيطة إلى اسطوانات مدمجة بالصوت والصورة وإلى أجهزة الحاسب الآلي ولنا أن نتصور حجم ما أنفق على إعداد تلك الاسطوانات وعلى طباعة الكتب وفقا للمناهج الحديثة وعلى غيرها ، من وسائل النهوض بالتعليم ، فماذا كانت النتيجة النهائية ؟ طالب أو طالبة يصلها الكتاب دون الاسطوانة التي هي جزء منه تقرأ ولا تفهم فتسأل المعلمة ولكن المعلمة تعجز عن الإجابة ببساطة لأن كتاب المعلمة لم يصلها ، وعندما تتكاثر الأسئلة تظهر ابنة الحلال التي تدلهم على المكتبات التي تباع فيها هذه الكتب وتلك الاسطوانات التي كان من المفترض أن تصل المعلمة بالمجان .

من سلم تلك الأدوات للبيع في المكتبات وتحصيل عائدها ؟ هو بلا شك مسئول ما في إدارة ما من إدارات الوزارة مثل مسئول ما في إدارة ما في وزارة الصحة يبيع الأدوية المجانية إلى الصيدليات ويتسلم عائدها لنفسه .

المسألة هنا ببساطة ان المبالغ الطائلة التي خصصها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله لتغيير نمط التفكير ووسيلة التعليم وبناء الوطن بدءا من ناشئته كأنما خصصها لهذا العابث وبقيت العقول على ما هي عليه .

أخشى أن تأتيني كوابيس الليل لعابث ثالث .