أهم ما تميز به البرنامج الكوميدي "إيش اللي" والذي قدمه الشاب بدر صالح عبر قناته في اليوتيوب، والذي يعد من أهم برامج الإعلام الجديد التي أطلقها الشباب في المملكة، أنه بدأ الاشتغال على منطقة جديدة نسبياً لم يتم التعامل معها بهذه الاحترافية من قبل.

بدأ بدر صالح برنامجه بصيغة بسيطة جداً، فبينما كانت أغلب البرامج السعودية الكوميدية الأخرى تتناول قضايا المجتمع أو الخدمات الحكومية، إما بالسخرية من الظواهر الاجتماعية بصورة مباشرة أو نقد الخدمات الحكومية والمسئولين، اختار بدر صالح أن يتناول مقاطع فيديو منشورة في اليوتيوب, مُتجنباً غالباً المقاطع الشهيرة التي صورت لمسئولين وتمت السخرية منها في برامج كوميدية أخرى، وبدأ الاشتغال بالنقد والسخرية اللاذعة على تلك المشاهد العفوية أو المقصودة، والتي ترسل له من قبل الجمهور كما يعلن في كل حلقة، أو بطبيعة الحال المقاطع التي يختارها هو أو طاقم العمل المشتغل معه.

يمكن القول كذلك أن من أهم نقاط القوة في برنامج "ايش اللي" نوعية المقاطع المختارة، والتي تميزت بغرائبيتها أحياناً، أو تفاهتها الشديدة، مما جعل مجرد عرضها دون تعليق كافٍ لإثارة الضحك، وهذا ما جعل بدر صالح "ودون أن يشعر على ما يبدو!" يكتفي أحياناً بعرض المقطع ثم محاكاة ما دار فيه دون سخرية حقيقية أو نقد أو سرد لمفارقة كما يفعل عادة!.

بقدر ما كانت فكرة التوجه بشكل مباشر لانتقاد أشخاص غالبيتهم بسطاء غريبة ومجال صنع الكراهية، بقدر ما أصبحت مذهلة وناجحة دون ضغائن على يد مقدم "ايش اللي".

بدر صالح شخصية كوميدية حقيقية متطرفة، يجنح إلى سرد المفارقات واقتناصها والتطرف في فضحها، كما يستخدم لغة الجسد بصورة وإن بدت مبالغ بها أحياناً إلا أنها تضفي نكهة مختلفة على البرنامج وعلى طبيعة السخرية التي ينتهجها، مما يجعل أداءه احترافياً ولا يمل مهما طالت مدة الحلقات، إذ كانت تصل في الموسم الأول إلى 12 دقيقة. أما أهم ما يميز بدر صالح على الصعيد الشخصي فهو الأداء التلقائي المثير للانتباه، نبرة الصوت وطبيعة لغة الجسد والحماس الكبير الذي يظهر به خلال الحلقات من أهم مميزات شخصيته الكوميدية، فهو منفعل، ومستَفز، يصدر نقده من شخص "تشعر" بأنه متعاطف جداً مع ما ينتقد، إما بالسلب أو الإيجاب، فلا يستطيع أن يتناول المقاطع أو المشاهد المعروضة في برنامجه بسخرية هادئة باردة، بل منفعلة وصاخبة طوال الوقت، وكأنه ينتقد جزءاً من ذاته لا مشاهد عابرة على قنوات اليوتيوب.

من السلبيات التي يرتكبها بدر في بعض المرات، إضافة إلى "عدم التعليق على المشاهد والاكتفاء بنشرها أحياناً" وهذا ما أشرت إليه سابقاً، أنه يقضي مع بعض المقاطع وقتاً أطول مما يجب، فيبدأ أحياناً بتكرار النكت "الذبات" أو "الأفهيات" التي سردها سابقاً، أو يستنفذ الوقت في المبالغة بمحاكاة المقطع بلغة الجسد، بصورة قد تبدو فجة.

المتابع لبدر صالح من بداية "ايش اللي" يلاحظ أن ثقته بنفسه زادت بصورة مدهشة، فبقدر ما بدا متردداً في حلقاته الأولى بقدر ما أصبح واثقاً من نفسه وأدائه بشكل ملفت في الحلقات الأخيرة، إلى درجة يغبط عليها، بينما بعض الشباب الكوميديين تجد أداءهم وثقتهم بأنفسهم متذبذبة على حسب الانطباعات التي يتلقونها على حلقتهم الأخيرة!.

بدر صالح يهتم بصورة كبيرة بتعليقات المتابعين، يتحدث عنها غالباً، يسخر منها، وتؤثر فيه، لكنها لم تؤثر في ثقته بنفسه، بل صنع من التفاعل معها مشاهد ولقطات ساخرة جميلة، أظن هذا الأمر فرعي عن أن بدر مؤمن تماماً بما يقوم به. وهذا ما جعله يسخر مراراً من تعليقات الجمهور، وكانت السخرية الأكبر في مقطع "السؤال عن الشيب" وقصة ولادة "ايش اللي" والمقطع الذي حمل إجابة ساخرة عن سؤال مكرر "لماذا يمتلك بدر شعراً أبيضاً وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين؟!".

في الموسم الثاني "ايش اللي" حاول بدر صالح صناعة شيء مختلف بالنسبة للبرنامج عبر الدخول إلى مشاهد اجتماعية محددة بصورة واضحة والسخرية منها وانتقادها. كما فعل في مسألة تعامل زبائن المطاعم مع النادل والعكس، أو انتقاده لبعض سلوكيات قيادة السيارة. مبدئياً نجح بدر في السخرية في الموسم الثاني، والاختلاف فاق كما يقول بدر صالح ساخراً "ايش اللي بدون كرافته" لكنه ما زال يمارس انتقاده لمقاطع اليوتيوب الغريبة والمثيرة، وما زالت هذه نقطة قوة البرنامج. لكن الحكم على الموسم الثاني من "ايش اللي" ودخول بدر صالح مباشرة إلى قضايا اجتماعية بحاجة لمزيد من الوقت، كون الموسم في بدايته حتى الآن.

طول الحلقات أو قصرها ليست مشكلة كبيرة في برنامج "ايش اللي" كون البرنامج قائم على السخرية من جزئيات قصيرة محددة، لا يلزم منها أن تكون الحبكة الكوميدية ممتدة على طول حلقة البرنامج، فالحكم يعتمد على السخرية من المقطع لا سيناريو الحلقة كاملاً، ومع هذا تبدو فكرة خفض الوقت في الموسم الثاني من ما معدله 10 دقائق في الموسم الأول إلى ما يقارب 6 دقائق في الثاني فكرة جيدة، ولكننا ما زلنا بانتظار المزيد من الحلقات للحديث عن الموسم الثاني ومدى نجاحه بعد تميز بدر صالح في الموسم الأول الذي اكتفى خلاله بالسخرية من مقاطع اليوتيوب دون الدخول بشكل مباشر لمسائل اجتماعية محددة.

ربما من الجيد في الختام الإشارة إلى مسألة هامة، وهي أن شباب الإعلام الجديد في المملكة أبدوا حتى الآن تعاوناً رائعاً فيما بينهم، فهد البتيري وبدر صالح وعمر حسين وآخرين تعاونوا فيما بينهم في مشاهد محدودة ساخرة، وظهروا في حلقات بعضهم البعض أو بمشاهد قصيرة عابرة، كما تحدثوا عن أشخاص آخرين ظهروا ككوميديان بشكل مختلف كنوفل أو هادي فقية، وهادي لوحده حكاية أخرى مختلفة ومثيرة.