لعل من الأشياء المستغربة في ذهنيتنا أن الكذب وغير المعقول يجد له من يصدقه ويدافع عنه بكل حماس ولنأخذ كمثال (( رتن الهندي )) وهو رجل هندي حسب ما تقول الرواية أدعى رؤية الرسول والسماع منه مما يعني عندهم انه صحابي والطامة الكبرى أنه وحسب ما يقال توفي في القرن السابع تقريبا وابلغ من وجدته وصف حال رتن هو الإمام الذهبي بقوله في كتاب ميزان الاعتدال: (( رتن الهندي . وما أدراك ما رتن! شيخ دجال بلا ريب. ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون. وهذا جريء على الله ورسوله ، وقد الفت في أمره جزءا. وقد قيل: أنه مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ومع كونه كذابا فقد كذبوا عليه جملة كبيرة من أسمج الكذب والمحال.)) ونقل ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات عن الإمام الذهبي قوله: (من صدق بهذه الأعجوبة وآمن ببقاء رتن فما لنا فيه طب ، وليعلم أني أول من كذَّبَ بذلك، وهذا شيخ مفتر دجال ، كذب كذبة ضخمة.. وأتى بفضيحة كبيرة قاتله الله تعالى أنى يؤفك وقد أفردت جزءاً فيه أخبار هذا الضال وسميته كسر وثن رتن) إن مثل هذه الحكايات الغرائبية قد راجت وانتشرت في كتب الوعظ وكرامات الصوفية وغيرها من كتب الملح بحيث أنها أصبحت مصدراً مهماً من مصادر الحديث الموضوع المكذوب وكما هو معروف أن الكثير من هذه الكتب قد ألف في أوقات تأزم الأمة ونكباتها بحيث تمثل هذه الكتب العجائبية متنفساً واداة تخدير للعامة ولنأخذ المرحلة التي سبقت دخول التتار لبغداد فسنجد ان طرق بغداد قد انتشر فيها المنجمون ومفسرو الأحلام أما أسواق الوراقين فقد راج فيها كتب السمر والحكايات وراج اللهو والعبث ففي الوقت الذي يطلب فيه جنكيز خان من امير الموصل صناعة آلات حربية لحصار بغداد هو نفس الوقت الذي يكاتب فيه الخليفة العباسي نفس الأمير لكي يرسل له مطربين وقيان. ولا غرابة في ذلك فالتاريخ كثيرا ما أعاد نفسه.