للمملكة توجه حضاري بالغ الرفعة والسمو حدد خطوطه وخطواته ملكها وراعيها حفظه الله، دعا الى حوار مع الآخر لا تنقطع به السبل ولا تحكمه عصبية أو عناد، أو تعطله حساسية مرضية لا تليق بشرف الانسان بعد أن غدت له كل هذه المكتسيات من الوعي وسعة الأفق والقدرة على ندية الموقف وأسلوب الحوار..

و"المملكة" ليست اسما فحسب أو معنى مجرداً، وانما هي كل مؤسساتها الأكاديمية والعلمية والتعليمية، وهي كل أنديتها ومنتدياتها الفكرية والثقافية، وهي فعالية رجالها ومفكريها وعلمائها وأدبائها والعاملين بأدوات اللغة صوتاً أو كتابة، المملكة هي ذلك الكيان الفاعل بكل ما على أرضها في سعيه المخلص والدؤوب الى إزاحة الحدود بين معطيات العقل البشري هنا وهناك ليصبح فوق قمم الوجود الانساني على الأرض " مجتمع الانسان " - الذي لا ينتمي لتاريخ أو جغرافيا – والذي يعطي من خبرته ومكتسباته ما يؤكد على شرف هذا الوجود الانساني .

في مجالات التنمية والتخطيط للتنمية، رأت المملكة أن تقف على كل التجارب التي سبقتها في العالم، بلا حساسية أو عصبية، فاستقدمت اليها من كل بلاد العالم الناهضة أفضل خبرائها ومنظريها، رأت ما لديهم وناقشته واستوعبته، ثم أخذت عنه ما راق لها وصقلته وأضافت إليه، واستبعدت ما لا يناسبها لأنه صادر عن ظرف مختلف. أعرف واحداً من هؤلاء الخبراء الأجانب، قال لي بصدق وشجاعة: " تم استدعائي للعمل بالمملكة خبيراً في التخطيط، كانت لي سمعة ودراسات في هذا الشأن هي التي منحتني هذا اللقب "خبير" ولكن هل تصدقني؟ بعد تجربة العمل بالمملكة تأملت نفسي، أدركت أنني لم أكن أستحق هذا اللقب إلا بما أفدته من العمل لديكم.. نعم أنا الآن خبير جدير بلقبه فقد تعلمت منكم الكثير مما كان يشكل فراغاً في ساحتي ".

الأمثلة كثيرة، ولكن في سياق متصل بالتنمية أيضاً أود أن ألتفت الى "اعداد وتنمية القوى البشرية" والذي يدخل في نطاق أدواته المدارس والمعاهد والجامعات. في الجامعة أرادت المملكة أن يكون طالب العلم على معرفة وإدراك بكل ما هو متاح لطالب مثله في أي بلد في العالم، ورادت جامعة الملك سعود هذا المسار، وفرت له أفضل الأساتذة السعوديين القادرين على اكتشاف قدراته واستعداداته ووفرت له معهم أفضل الأساتذة من مختلف بلاد العالم، وأتاحت فرص الاختلاط والحوار والعمل المشترك بين هؤلاء الأساتذة، الوطنيين والأجانب، ليتم التلاقح والتبادل، دون أن يتحكم في هذه الجهود المشتركة روتين أو قانون أو مزاجية أو عصبية، هو التقاء لتجربة أستاذ بتجربة أستاذ آخر وإثراء للتجربتين معاً بإضافة مفردات علم الى مفردات علم أخرى، وخرجت فعالية البحث والدراسة بنتائج مبهرة لم يكن بوسع الواحد المفرد أن يصل الى شيء منها.. هذا طبيعي، فقدرة العقل الواحد محدودة، وقدرة عقلين أفضل وقدرة العقول جميعا هي الأروع والأعظم، والمعطى الأخير في رحاب الجامعة مكرس لحسن إعداد طالب العلم هنا أو هناك في أي مكان.

قياساً على ما قاله لي خبير التخطيط أظن أن خبير التعليم الأجنبي بدوره – وبسبب ريادة هذه التجربة – في داخله قناعة أنه لم يكن جديرا بالمسمى الا بعد تجربته في جامعة الملك سعود، وأظن أن كبار الأطباء الذين عملوا لدينا قد تعلموا شيئا جديدا من كل منجز طبي سعودي هو الأول في العالم وهم يرون الأيدي السعودية وهي تجربه أو تمارسه، ( حتى الآن مثلاً نجاح فصل التوائم السيامية لم تنجح فيه الا الأيدي السعودية)، وأظن أيضا أن في سجلات جامعات شهيرة مثل أكسفورد أو كامبريدج أو السوربون أو غيرها أبحاثاً مسجلة ضمن معطيات هذه الجامعات، ويشار إليها بكل التقدير، رغم أن من قام بها دارسون سعوديون، رفعت عنهم صفة الجنسية (السعودية) ومنحت لهم صفة الانتماء للجامعة، وأظن أن في كل المؤسسات العلمية والأكاديمية علماء عرب (عرفنا منهم قليلين كالباز ومجدي يعقوب وغيرهما) تجير منجزاتهم للمؤسسة التي عملوا بها، فعلى أي الأشياء يمكن أن تلام جامعة الملك سعود وهي التي جعلت من نفسها واجهة حضارية مضيئة لكل المجتمع الإنساني تليق بشرف وجوده ؟