الحب عاطفة صافية رقيقة.. أصفى من الماء العذب وأرق من أوراق الورد.. فلا عجب أن يخرج من تلك العاطفة ينابيع من الشعر الجميل الذي يثري مشاعرنا ويلين قلوبنا ويجعلنا نشتاق لحبيب معلوم أو مجهول.. ونتعاطف مع العاشق المحروم..

من الذي لا يرحم مجنون ليلى حين يقول:

«أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا»؟

ومن لا يرحم عاشقاً بلغ من رقته رضاؤه بأن محبوبته - رغم الفراق والحرمان - تشاركه ويشاركها رؤية النجوم وطلوع الفجر ولو على بعد سحيق:

«ويقر بعيني - وهي نازحة -

ما لا يقر بعين ذي الحلم:

أني أرى وأظن أن سترى

وضح النهار وعالي النجم»؟!

ويقول قيس بن ذريح في زوجته لبنى حين طلقها مرغماً وقد كان يهيم بها حباً، يقول في شعر وجداني رقيق العواطف، رخي المطالب، قانع من الوجود بأن لبنی في الوجود:

وما حب الديار شغفن قلبي....ولكن حب من سكن الديارا

إن تك لبنى قد أتى دون قربها

حجاب منيع ما إليه سبيل

فإن نسيم الجو يجمع بيننا

ونبصر قرن الشمس حين تزول

وأرواحنا بالليل تلتقي

ونعلم أنَّا بالنهار نقيل

وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا

سماء نرى فيها النجوم تجول

منتهى الرقة والرضا من الدنيا بأن الحبيب موجود في هذا الدنيا ولو كان بعيداً ما إليه وصول..

وفي شعر رومانسي رقيق، يركب له الحب أجنحة من الأماني والخيال، وتسافر به العواطف إلى مسارب الوجد وجزائر الجمال، يقول صلاح عبدالصبور:

«لو أننا كنا كغصني شجره

الشمس أرضعت عروقنا معا

والفجر روانا ندى معا

لو اصطبغنا خضرة مزدهرة

حتى استطلنا فاعتنقنا أذرعا

«لو أننا كنا بشط البحر موجتين

صُفِّيتا من الرمال والمحار

تُوِّجتا سبيكة من النهار والزبد

اسلمتا العنان للتيار

يدفعنا من مهدنا للحدنا معا

في مشية راقصة مدندنه

تشربنا سحابة رقيقة

تذوب تحت ثغر شمس حلوة رقيقه

ثم نعود موجتين توأمين

أسلمتا العنان للتيار

في دورة إلى الأبد

من البحار للسماء

من السماء للبحار»

«لو أننا كنا نجمتين جارتين

من شرفة واحدة مطلعنا

في غيمة واحدة مضجعنا

نضئ للعشاق وحدهم وللمسافرين

نحو ديار العشق والمحبه

وللحزانى الساهرين الحافظين موثق الأحبه

وحين يأفل الزمان يا حبيبتي

يدركنا الأفول

وينطفي غرامنا الكبير بانطفائنا


«لو أننا كنا جناحي نورس رقيق

وناعم لا يبرح المضيق

محلق على ذؤابات السفن

يبشر الملاح بالوصول

ويوقظ الحنين للأحباب والوطن

منقاره يقتات بالنسيم

ويرتوي من عرق الغيوم

ثم ينام فوق قلع مركب قديم

يؤانس البحارة الذين أرهقوا بغربة الديار

ويؤنسون خوفه وحيرته

بالشدو والأشعار»


ومن شعرنا الشعبي الذي فيه رقة عاطفة مع شدة وجد قوله (ونسبت القصيدة لابن شريم أو السكيني أو بورسللي أو الكريع على خلاف):

«البارحة ساهر والدمع يجري

والقلب حزن على فرقى حبيبه

كريم يا بارق ينوض حدري

واللي سرى بالغداري يقتدي به

وإلى ضرب وادي خلاه يجري

عسى طروش البوادي ترتوي به

متخفي لابس له بشت بدري

حسبي على البشت واللي غرني به

أبو قرون تغذى بالشمطري(١)

مثل السفايف على كور النجيبه

وأبو عيون إلى دلت تخزري(٢)

ترمي بالأسباب ويل اللي تصيبه

أو خديد يشادي نجم فجر

والا القمر لا انتحى يبغى مغيبه

يا من يرد الحبيب ويأخذ أجرى

فقّا بلا سبّه ربي حسيبه»

هوامش:

(١) عشبة برية ذات رائحة زكية.

(٢) النظر بطرف العين الواسعة