تمتلئ حقيبة مهرجان دبي السينمائي بالكثير من الأفلام والفعاليات من مؤتمرات وندوات وورش تدريب، وكلها تنشط في مدى ثمانية أيام فقط، هي مدة المهرجان، من 7 إلى 14 ديسمبر، وإن كنت سعيد الحظ فلن ترى منها إلا الأفلام التي تعتقد أنها مهمة، فيما سيجري الباقي أمام عينيك وقد لا تراه مرة أخرى. لذا عليك أن تحدد أهدافك منذ البداية وأن تعرف إلى أين توجّه بوصلة متابعتك. بالنسبة لي وبعد تصفح سريع لقائمة أفلام المهرجان قبل يومين من انطلاقه فقد حددت أول فيلم ينبغي علي مشاهدته؛ إنه الفيلم الوثائقي (أمل) للمخرجة والشاعرة الإماراتية نجوم الغانم، وسبب حرصي يعود إلى إعجاب سابق بأحد أعمالها التي عرضت في مهرجان الخليج السينمائي قبل نحو ثمانية أشهر.

نجوم الغانم المتخصصة في السينما الوثائقية لا تنتمي لموجة السينما الخليجية التي انبثقت من رحم مسابقة أفلام من الإمارات عام 2001، ورغم أن بدايتها كمخرجة كانت قبل هذا التاريخ بسنوات، إلا أنها غابت طويلاً في الخارج من أجل إتمام دراستها، مكتفية بفيلمين قصيرين وفيلم وثائقي طويل صنعته عام 1999 حصد إعجاباً وقتها من كثير من المهرجانات العربية بعنوان "بين ضفتين"، لتختفي بعدها ثم تعود في الثلاث سنوات الأخيرة بقوة جعلتها اليوم من أهم الأسماء المبدعة في ميدان السينما الخليجية.


أمل حويجة

إن ما يميز سينما نجوم الغانم هو اهتمامها بالهامش، بشخصيات تبدو في الظاهر كأنها لا تعنينا إطلاقاً، وبمرور الوقت نكتشف أنها تتحدث عنا بالذات، إنها نحن بشكل من الأشكال، بهمومها وآمالها وأحلامها الضائعة. في فيلمها السابق (حمامة) الذي فاز بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان الخليج السينمائي الأخير، تتناول الغانم قصة امرأة عجوز تدعى "حمامة" تعيش على ضفاف مدينة الشارقة وتمارس الطب الشعبي، وهذه معطيات لا تغري أي مشاهد بالمتابعة، فليست الشخصية مشهورة، كما أنها لا تمارس نشاطاً مغرياً، إنها عجوز تعيش على الهامش تماماً، وكل ما تقوم به في حياتها قد لا يعني لنا أي شيء على الإطلاق، لكن نجوم الغانم تنجح في عرض قصتها بشكل إنساني حميمي مؤثر، وتوسّع من دلالاتها لتجعلها تتحدث عن أزمة أهل الخليج وهم يواجهون طوفان الحضارة الذي يهدد بسحق كل شيء له معنى بالنسبة لهم؛ حتى ذاكرتهم.


نجوم الغانم

وبالمثل تفعل في فيلمها الجديد (أمل) الذي عرض مساء أول أمس الخميس، حيث لا تقدم لنا كجمهور أي مغريات مسبقة لمشاهدة فيلمها، فهي ستتحدث عن امرأة سورية تدعى أمل تعمل في إمارة أبوظبي، وتكشف عن إحساسها بالغربة وشعورها تجاه عملها والأشياء التي تحيط بها، ولا شيء غير ذلك، وهذا لو أخذته من الظاهر لن تجد ما يغريك بتفضيله على أفلام أخرى تعرض في المهرجان في نفس الوقت، لكن لأنها نجوم الغانم صاحبة اللمسة الإنسانية فإنها ستأخذ موضوعها العادي لتجعله مهماً ومستفزاً وحميمياً لأبعد حد، حتى يصبح الفيلم كما المرآة التي تعكس همّنا الخاص وخيبتنا الخاصة. إن "أمل" هذه التي نتابع حكايتها هنا، تبدو منذ البداية امرأة عادية جاءت للعمل في الإمارات بحثاً عن الأمان وعن المستقبل الأفضل، يتنازعها شعور الحنين تجاه الوطن "سوريا" الذي قسى عليها كثيراً، وشعور الغربة بعيداً عن الأهل والأصحاب.

يكشف لنا الفيلم في مشاهده الأولى عن الهموم الذاتية لهذه المرأة، لنكتشف بعد قليل أنها تعمل في مجلة "ماجد" التي لها في وجدان أطفال الخليج منزلة عظيمة، ثم نكتشف أن "أمل" هذه هي التي قامت بشخصية "مدهش" الرسومية عبر قناة دبي الفضائية قبل سنوات، ثم نعرف أنها "أمل حويجة" ذاتها التي قدمت صوت "الكابتن ماجد" في المسلسل الرسومي الشهير، وهي أيضاً من أدت صوت فتى الأدغال "ماوكلي"، لتتحول "أمل" عندها إلى شيء يخص المشاهد، إلى ذاكرة المشاهد، إلى كل ما هو جميل في طفولة المشاهد، وهنا، وبعد هذا الكشف الذي أحسنت نجوم الغانم اختيار توقيته، تصبح أي كلمة تقولها أمل ذات معنى كبير، لأنها أصبحت جزءا منا ومن وجداننا وذاكرتنا.

كانت "أمل حويجة" نجمة في سوريا قبل عشرين سنة، مبدعة في المسرح إلى جانب غسان مسعود، ولها مشاركات في السينما مع أيمن زيدان، وفي التلفزيون مع واحة الراهب، كما كان لها حضور مهم في دوبلاج المسلسلات الرسومية الشهيرة. نرى في الفيلم استعراضا لهذا الجانب التاريخي، ومع تواصل الكشف الذي تضعه نجوم الغانم أمامنا بالتدريج سندرك أننا أمام شخصية غير عادية على عكس ما كنا نظن في بداية الفيلم، وسيبرز حينها سؤال مهم: كيف انتهى الحال بهذه المبدعة إلى أن تعيش في "الهامش" في أبوظبي في وظيفة عادية لا تليق بممثلة مثقفة تحمل مثل هذا التاريخ الناجح؟. وهنا تكمن قيمة الفيلم، أنه لا يتناول شخصيته بصفتها شخصية مشهورة، إنما من حيث هي إنسان يحمل هماً في داخله وأحلاماً كبيرة لكن الواقع القاسي لم يتح لهذه الأحلام أن تتحقق، وفي هذا نحن نلتقي مع "أمل" ومع خيبتها؛ إذ العمر يمضي بنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش دون أن نمسك بأحلامنا الضائعة، ودون أن نعرف حتى ما هو الشيء المهم الذي يستحق أن نعيش من أجله والذي يجعل لحياتنا معنى، أي معنى.