تضم المشاعر المقدسة مساجد تاريخية لها مكانتها الكبيرة عند المسلمين، من ضمنها "مسجد نمرة" في عرفات، و"مسجد الخيف والبيعة" في منى، والتي يسترجع الحاج من خلالها التاريخ الإسلامي بكل مواقفه عبر زيارتها أو حتى تأدية الصلاة فيها.

ومرت هذه المساجد بعدة تغيرات وترميمات عبر العصور الإسلامية، إلاّ أنها بلغت ذروتها في عهد المملكة، من خلال زيادة مساحتها لتشمل أكبر قدر من المصلين.

مسجد نمرة

في يوم الوقوف بعرفات يؤدي أكثر من (400) ألف مصل صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً في مسجد نمرة، ويعرف هذا المسجد العريق بعدة أسماء حيث تطلق عليه أيضاً مسميات "مسجد إبراهيم"، "الخليل" و"مسجد عرفة" و"مسجد عرنة".

وقال "د.فواز الدهاس" -المشرف على متاحف جامعة أم القرى-: شيد الجامع في المرة الأولى منتصف القرن الثاني الهجري على الأرجح، وحظي باهتمام خلفاء وسلاطين وأمراء المسلمين، حيث عمره "الجواد الأصفهاني" عام 559ه، وأجريت له في العصر المملوكي عمارتان مهمتان الأولى بأمر الملك "المظفر سيف الدين" عام 843ه، والثانية بأمر "السلطان قايتباي" عام 884ه، وتُعد الأفخم والأكثر جمالاً واتقاناً في ذلك الحين، ثم جددت عمارته في العهد العثماني عام 1272ه، وشهد المسجد في عهد المملكة أضخم توسعاته، لتصل مساحته إلى (18) ألف م2 ليصبح بذلك ثاني أكبر مسجد بمنطقة مكة المكرمة من ناحية المساحة بعد المسجد الحرام.


مسجد البيعة بني في عهد الخليفة العباسي «أبي جعفر المنصور» سنة 144هـ

ملمح سنوي

وأوضح "بدر بن ستير اللحياني" -الباحث في مجال الآثار- أن هناك مسجداً يسمى "مسجد الصخرات" قائماً في أسفل "جبل الرحمة" من الناحية الجنوبية الشرقية على يمين الصاعد إلى قمة الجبل، وشيد بعد القرن الثالث الهجري إحياء لوقوف الرسول في الموقع، مبيناً أنه سمي بمسجد الصخرات؛ لأنه يقع بين صخرات يقال إن النبي الكريم وقف عندها.

وفي ملمح سنوي يستقبل جامع نمرة أفواج الحجيج في فترة مبكرة تسبق موعد الوقوف في مشعر عرفات، حيث يتوزع المصلون في مساحات المسجد.

مسجد الخيف

يقع "مسجد الخيف" على المنحدر الشمالي من سفح "جبل الصايح" وعلى مقربة من "الجمرة الصغرى"، حيث يقع على يمين الذاهب إلى عرفات، وتؤكد المصادر التاريخية على أن الموقع الذي بني عليه المسجد، كان هو الموقع الذي نصب فيه "عمرو بن لحي" الأصنام. وذكرت المصادر أن أول من دَون وصفاً تفصيلياً عن "مسجد الخيف" هو مؤرخ مكة "الأزرقي"، وقد مرت عمارة المسجد بعشر مراحل، حيث عمره الخليفة العباسي "المعتمد" سنة 256ه، وجدده الوزير "الأصفهاني" عام 559ه، وعمرته "أم الخليفة العباسي الناصر لدين الله" سنة 618ه، وجدده الملك "المظفر" صاحب اليمن وأقام فيه مأذنة عام 674ه، ثم جدده التاجر الدمشقي "أحمد المعروف" عام 720 ه، كما جدد المسجد في عام 820 ه على يد الشيخ "علي البغدادي"، ثم جدده "قيتباي"، وأقام فيه القبة، وبني إلى جوارها مأذنة عام 874ه، وعَمّره والي جدة وشيخ الحرم "سليمان بك" عام 1072ه في عهد السلطان "محمد فزلار أغا"، فيما كانت آخر عمارة له قبل المملكة في عهد السلطان "محمد خان" عام 1092ه.

أكبر توسعة

وتُعد توسعة المملكة للمسجد الأكبر في تاريخه، إذ بلغت أكثر من (45) ألف م2، خلاف المساحات المهيأة للمصلين حول المسجد، الذي يلاصقه الآن وحدات سكنية لكبار ضيوف وزارة الشؤون الإسلامية، يتم استقبالهم فيها أثناء مواسم الحج، كما أن هناك مكاتب إدارية ملحقة به، ول"مسجد الخيف" مكبرية خاصة يرفع منها عدد من مؤذني المسجد الحرام الذين يتم تكليفهم أيام الحج برفع الآذان منها، وهو ما لم يعرف في كل مساجد مكة غير المسجد الحرام، ولهذه المكبرية طرازها المعماري الخاص، وهي تقع مواجهة للمنبر والمحراب، وهي مربعة الشكل، وللمسجد أعمدة ذات أشكال هندسية بلغ عددها (403)، وهي من النوع الأسطواني يبلغ متوسط ارتفاعها أربعة أمتار ونصف.

ديوان إسلامي

ويُعد المسجد منارة حقيقية لإنارة الطريق أمام حجاج بيت الله الحرام، حيث يضم مرافق تحتضن مكتب وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووكلاء الوزارة، حيث يتحول الجامع إلى أشبه بديوان إسلامي لاستقبال الوفود الإسلامية في الحج، وتفيد التوعية الإسلامية في الحج إفادة كبيرة من الجامع الشهير، من خلال تحويله إلى منبر مهم للتوعية. وقال الشيخ "طلال بن أحمد العقيل" -رئيس اللجنة الإعلامية في التوعية الإسلامية في الحج-: إن الجامع يحتضن أعدادا كبيرة من الدعاة الذين يلقون الدروس والمحاضرات لبيان أحكام وآداب ومناسك الحج، مع إيضاح الكثير من المسائل في مجال العقيدة والعبادات، وفق خطة زمنية تغطي أيام الحج، مشيراً إلى أن الدعاة يجيبون على أسئلة الحجاج.

مسجد البيعة

يقع "مسجد البيعة" أسفل "جبل ثبير" التاريخي المطل على ساحات الجمرات، والذي يمثل حقبة مهمة من تاريخ الدعوة الإسلامية في العهد المكي، ففي هذا المكان عقدت أول بيعة في الإسلام، في عهد كانت الدعوة فيه تعيش حصاراً خانقاً من أهل الضلال في مهبط الوحي ومنطلق الرسالة مكة المكرمة.

وقال "د.محمد بن فهد الفعر" -الأستاذ بقسم التاريخ والحضارة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وأحد الذين قاموا بدراسة الموقع-: إن المسجد بني في عهد الخليفة العباسي "أبي جعفر المنصور" سنة 144 ه، ليظهر أثر "العباس بن عبد المطلب" في البيعة التي حضرها وعقدها للرسول صلى الله عليه وسلم، مضيفاً أن المسجد يقع أسفل "جبل ثبير" على يمين النازل من منى إلى مكة، ويبعد عن الجمرة الكبرى حاليا (1كم) تقريباً، وتبلغ مساحته مقدار (500م2)، مشيراً إلى أنه عبارة عن بناء قديم مكشوف لا سقف له، وهو مبني من الحجارة و"الآجر"، وليس له مآذن أو شبابيك، ذاكراً أنه كان مغلقاً حيث لا يستخدم في الصلاة؛ بسبب عدم وجود طريق للمارة عليه سوى أيام الحج، موضحاً أن المسجد يضم رواقين، الأول للقبلة الموازي لجدار المحراب وتبلغ مساحته أكثر من (4.5م)، وتعلوه خمسة عقود مدببة، ويقع الرواق الثاني في نهاية مبنى مسجد البيعة موازياً للجدار الشمالي، مضيفاً أن محراب الصلاة يقع في وسط جدار الجهة الغربية.

انتشار الإسلام

تاريخياً كانت البيعة أحد أهم الأسباب التي أرخت لهذا المسجد، فبعد الرحلة التى شهدها الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد تكذيب الكفار له وتصديق أصحابه رضي الله عنهم لرحلته المباركة، استمر ينتهز فرصة مواسم الحج فيدعو الناس للإيمان بالله وترك عبادة الأوثان، وفى العام الحادى عشر من البعثة النبوية جاءت وفود من قبيلتي "الأوس" و"الخزرج" وهى من أكبر القبائل فى المدينة، فجاءوا من المدينة إلى مكة، فاستمعوا لدعوة الرسول وآمنوا به وصدقوه، لتعود هذة الجماعات الصغيرة ويخبروا قومهم بما سمعوا ورأوا ليبايعوا الرسول البيعة الأولى، وسُميت ببيعة العقبة الأولى، وطلبوا منه أن يرسل معهم تلميذه "مصعب بن عمير" ليعلمهم القرآن الكريم، واجتهد مصعب اجتهاداً عجيباً لنشر الدعوة الإسلامية، وسمي بأول سفير فى الإسلام، وبدأ الإسلام ينتشر فى المدينة، فأسلم أبناء "عمرو بن الجموح"، وأسلم بعدها "عمرو بن الجموح"، ثم أسلم "الطفيل بن عمرو" وهو سيد "قبيلة دوس"، وذهب يدعو فى قومه حتى أسلمت قبيلة دوس جميعاً، وأتى بهم يبايعون الرسول وانتشر الإسلام انتشار هائلاً خلال ذلك العام.