قبل فترة طويلة كتبت مقالا عن زيارتي لقلعة "موسى المعماري" في منطقة الشوف بلبنان.. وذكرت حينها أن ما أدهشني أكثر من القلعة ذاتها بناؤها على مدى ستين عاما من قبل رجل واحد يدعى موسى (لفتاة أحلامه التي تزوجت غيره)..

وقلت أيضا إن جهدا خارقا كهذا يذكرني بإنجازات معمارية كثيرة بناها أصحابها بجهودهم الشخصية مثل قصر إيدال في فرنسا الذي بناه فرديناند شوفال الذي شاهد تفاصيله في المنام على مدى 33 عاما.. ومعبد توتانين في البيرو الذي بناه أحد الأباطرة رجاء قبوله ابنا للشمس.. وكذلك مسجد التائب في باكستان الذي بناه رجل واحد تكفيرا عن ذنوبه.. وقلعة المرجان (موضوعنا اليوم) التي بناها مهاجر من لاتفيا يدعى إدوارد ليدسكالنين.

وهذه القلعة الأخيرة ماتزال تثير حيرة علماء الفيزياء وخبراء المعمار كونها بنيت من قبل (رجل واحد قزم) رغم تضمنها مكعبات حجرية تماثل حجارة الاهرامات الضخمة وعوارض يتجاوز وزنها الثلاثين طنا.. ومنذ اكتمالها أطلق عليها الناس "قلعة المرجان" كونها بنيت عام 1920 من الحجارة المرجانية الصلبة في بلده تدعى هومستيد (قرب مدينة ميامي في ولاية فلوريدا).

ورغم أن تعليم ليدسكالنين لم يتجاوز الابتدائية إلا أنه كان مغرما بعلوم الفيزياء وظاهرة المغنطة بالذات.. وبعد نجاحه في بناء ثروة صغيرة انتقل للعيش وحيدا في منطقة معزولة من ميامي حيث بدأ مشروعه العجيب. واستغرقت منه عملية البناء عشرة أعوام عمل خلالها بعيدا عن الأنظار وخلال الليل فقط.. وحين اكتملت تفاصيل القلعة كان الناس قد لاحظوا وجودها فبدأوا يتوافدون لزيارتها. وكان الزوار في ذلك الوقت يدهشون أكثر لا لتفاصيل المبنى بل لكيفية بنائه من قبل شخص واحد. فأصغر الحجارة في القلعة تزن أربعة أطنان يوجد بعضها على ارتفاع شاهق. كما توجد عوارض حجرية مصنوعة من كتلة واحدة تزن 30 طنا موضوعة أفقيا فوق المداخل الرئيسية ناهيك عن "كرسي هزاز" يزن ثلاثة أطنان ومكاتب حجرية منحوتة من كتلة حجرية واحدة.

أما باب القلعة الرئيسي فأعجوبة قائمة بحد ذاتها؛ فإطار الباب عبارة عن تجويف صخري يتجاوز عمقه المترين وطوله الستة أمتار. ويضم هذا التجويف باب القلعة الذي يزن تسعة اطنان ويدخل فيه بدقة مدهشة لا تترك على الجانبين غير خمسة مليمترات.. والعجيب أن ضخامة الأجزاء المتحركة في القلعة لا تمنع تحركها بخفة وسهولة؛ فالباب الرئيسي مثلا يمكن لطفل في الخامسة فتحه وإغلاقه، أما الكرسي الحجري (الهزاز) فيمكن تحريكه بدفعة اصبع وإيقافه براحة اليد.

أيضا هناك مسألة النقوش التي أبدع ليدسكالنين في تنفيذها. فجدارن القلعة واطارات الأبواب والنوافذ لا تخلو من نقوش غائرة اقتبست من الكتابات الهيروغليفية والمسمارية القديمة. وفي غرفة الطعام الرئيسية توجد طاولة حجرية ضخمة (بشكل قلب) نقشت قوائمها بطريقة معقده ودقيقة!

وبفضل وزن الحجارة الكبير وتلاصقها المتقن لم يستعمل ليدسكالنين أي مادة للحمها كالاسمنت أو الجبس.. وهذه الميزة بالذات اتاحت له تفكيكها في منتصف الثلاثينيات وإعادة تركيبها خارج مدينة هومستيد (ولكن هذه المرة أمام الجماهير ومن خلال مقاول يملك شاحنات ديزل ورافعات ضخمة)!

أما كيف استطاع ليدسكالنين بناء القلعة بمفرده فمايزال الأمر سرا محيرا حتى للأوساط العلمية (وإن ادعى البعض اكتشافه لطريقة تلغي الجاذبية الأرضية وتسمح بتحريك الصخور بأقل جهد ممكن)!

وبعد أن رأيت برنامجا وثائقيا عن هذه القلعة العجيبة لا أملك شخصيا غير ما قلته في نهاية مقالي السابق: أعاجيب كهذه تؤكد أن العزيمة ترفع الجبال، وأن الإخلاص في العمل يعوض نقص العتاد والرجال!!