ملفات خاصة

الخميس 18 ربيع الآخر 1426هـ - 26 مايو 2005م - العدد 13485

ذهنية التوقيف في الثقافة العربية: (حكايات الكتابة نموذجاً) (2/2)

د. محمد ربيع الغامدي

من وضع الخط إلى وضع النفط:عرضنا في الحلقة السابقة الحكايات التي تحكي نشأة الكتابة. وعند النظر إلى بنية الأخبار والحكايات التي تروي مرحلة تالية هي مرحلة إصلاح الكتابة أو ما يسمى ب «نقط الحروف» سنلحظ أنها لا تبعد كثيراً عن تلك التي تُظهر المراحل السابقة، إذ إنها تنسب الإصلاح إلى بعض ذوي المواهب والقدرات الفذة. ولعل من بين أشهر الحكايات التي ترد عادة في هذا السياق ما يؤثر عن أبي الأسود الدؤلي المشهور بأنه واضع علم النحو العربي. غير أن حكايات أبي الأسود تتداخل بصورة يتشابك فيها وضعه علم النحو مع وضعه نقاط الحروف، ويشتبه أحياناً نقط الحروف بين نقاط الشكل ونقط الإعجام.

تكاد أغلب المصادر التي تحكي وضع أبي الأسود الدؤلي علم النحو تجعل وضعه للعلم استجابة لمظاهر اللحن وردة فعل على خشيته على اللسان العربي من الفساد والانحلال. غير أنها تضع في هذا السياق حكاية وضع نقط الشكل بوصفه عملاً يدرأ اللغة ويضع أسس العلم بقواعد اللغة وقوانينها. روي في هذا الشأن أنه «سمع قارئاً يقرأ: {أنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله} بكسر اللام، فقال: ما ظننت أن أمر الناس قد صار إلى هذا. فقال لزياد الأمير: ابغني كاتباً لقناً، فأتي به. فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة أعلاه، وإذا رأيتني قد ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فانقط نقطة تحت الحرف، فإذا أتبعت شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين». (سير أعلام النبلاء 4/83). وقيل: إنه أخذ النحو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان لا يُخرج شيئاً أخذه عنه إلى أحد حتى بعث إليه زياد: (أن اعمل شيئاً يكون للناس إماماً، ويُعرف به كتاب الله) فاستعفاه من ذلك إلى أن حصلت حادثة اللحن في الآية فعمل النقط. (الفرسهت ص 59). وتروي بعض المصادر أن زياداً لما استعفاه أبو الأسود وجَّهَ رجلاً بأن يقعد في الطريق وأن يتعمدَّ اللحن إذا مر به أبو الأسود. ففعل الرجل ولما مرَّ به أبو الأسود قرأ الآية السابقة ملحونة، فاستعظم ذلك أبو الأسود واضطرُّ لتحقيق رغبة زياد. (ابن أبي هاشم: أخبار النحويين صم 37 - 39).

على أن الروايات الكثيرة عن أولية وضع النقط تشابكت واشتبهت، فلم يعد من الممكن أحياناً الفصل بوضوح تام بين تلك التي تذكر النقط مطلقاً دون بيان إن كان نقط إعجام أو نقط شكل وتلك التي تجعله معيَّناً لأحد الأمرين دون الآخر. وأحياناً تقترب مرويات أخر من إيضاح نوع النقط بذكر ما يدل عليه، فيُفْهَمُ من أغلبها أن النقط المتحدث عنه في المصادر المختلفة إنما هو نقط الشكل لا نقط الإعجام. وقد ينص بعضهم على أن الأقرب إلى التصور هو أن النقط المختلف في واضعه هو نقط الشكل، لأن منطق الأشياء الطبيعي يقتضي أن يكون نقط الإعجام قد وُضعَ مع الحروف دفعة واحدة، إذ صور الحروف متشابهة لا يعيِّنُ الفرق بينها إلا النقط، كالباء والتاء والثاء، ويشترك معها في أول الكلمة النون والياء، وكالجيم والحاء والخاء، وكالدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين.. إلخ. قال القلقشندي: «يبعد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصحف». (صبح الأعشى 3/149). ومع هذا نجد في المصادر أحياناً ما يقلب هذا التصور ويُدير الشكَّ حوله. (ينظر مثلاً: الزرقاني: مناهل العرفان 1/280 - 281).

ويستنتج المتأخرون من عموم مفهوم الروايات، ومن بين سطور الحكايات، وأحياناً بحسب ما يمليه التصور الخيالي غير المستند إلى أسس معرفية، تدريجاً معيناً للتطور الكتابي. ويكاد التصور الذي يشيع في الدراسات اليوم لا يخرج عن أن الحروف لم تكن منقوطة ولا مشكولة، لثقة العرب في أن سليقتهم وحدها كافية في الوصول إلى المراد من السياق، حتى وضع أبو الأسود نقط الشكل، وأصلحها بعدُ الخليلُ بصور الحركات المعروفة اليوم. ثم وَضَعَ نقط الإعجام في عهد عبدالملك بن مروان نصرُ بن عاصم، وقيل: يحيى بن يعمر، كما قيل: إنه الحسن البصري، وقيل: جميع هؤلاء. (ينظر على سبيل المثال: أحمد شوحان: رحلة الخط العربي ص 27 - 28). ولعل من بين أهم أسباب تبلور هذه التصورات وثباتها على حال واحدة تبدو غير قابلة للتغيير إجمالاً أنَّ عامة الباحثين اطمأنوا لتحقيق قضية مراحل الإصلاح الكتابي والفصل فيها إلى المرويات المثبوتة في التراث العربي، فكان لا مفر من أن تكون هي المصدر التاريخي الوحيد الذي لا يتيح بالضرورة أكثر من الموازنة بين الروايات وترجيح بعضها على بعضها الآخر.

أما المصادر التي اتخذت من النقوش والوثائق سنداً لها وأغفلت المرويات - وتمثلها دراسات المستشرقين - فقد انتهت في نقط الحروف إلى صورة أخرى مغايرة للصورة المذكورة آنفاً. ويبدو أن للمنهج عند المستشرقين مفهوماً يختلف عنه عند الباحثين العرب، إذ لم يكن عندهم مجرد سرد وجهات النظر مشفوعة بالإحالات والمراجع فقط، بل هو مفهوم المنهج في الفكر الحديث، أي: النقد المبني على القطعية المعرفية مع مضمون الحكايات. (ينظر عبدالله العروي: مفهوم العقل ص 11، 12). ينقل المستعرب جيرهارد أندرس بوخوم عن تحليل جروهمان وكسلر لوثائق ولوحات ومخطوطات عربية قديمة أن في أقدم شواهد الخط العربي من العصر الإسلامي برديتين ترجعان إلى سنة 22ه/643م بها حروف عربية منقوطة على الصورة التي تعرف بها اليوم. وكذا في بردية أخرى من النصف الأول من القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، وفي نقش بناء يرجع إلى سنة 58ه/677م لسدِّ بالقرب من الطائف. كما يوجد في نقش الفسيفساء لقبة الصخرة 72ه/961م الكم الكلي تقريباً للنقط المميزة للحروف اليوم. (جيرهارد أندرس بوخوم: أصل الخط العربي، ضمن كتاب الأساس في فقه اللغة العربية تحرير فولفيدريتش فيشر ص 86). ولهذا يؤكد الباحث أنه «لإنشاء نص واضح فُرِّق بين رسوم الحروف المتجانسة هذه منذ وقت مبكر.. من خلال علامات مميزة مع حروف الكتابة». (السابق ص 85 - 86).

ويتفق نص بوخوم السابق مع قول القلقشندي المشار إليه، ومع ما يتقضيه أيضاً منطق الرسم المتشابه الذي لا يميزه غير النقط، وإلا فإن الأولى من غير هذا التمييز أن تُخترع رموزٌ مختلفة غير متشابهة. إذ يمكن القول إن الترتيب الهجائي للحروف الذي يضم الحروف المتشابهة التي يميز النقط بعضها عن بعض بصورة مرتبة ومتدرجة في النقط بحيث يكون المهمل قبل المعجم، والمنقوط بنقطة واحدة قبل المنقوط بنقطتين، والمنقوط باثنتين قبل المنقوط بثلاث، يشعر بأن الرمز الواحد حظي بما يمكن من التنويعات ليقل عدد الرموز ما أمكن، وأن ترك النقط علامة كما أن كل نقط هو علامة أيضاً، ولولا ذلك لوُضع رمزٌ آخر مختلف. كما أن الوصول بالنفط إلى ثلاث فقط لا يتعداها معناه أنه يُخشى إن زادت على هذا العدد أن يتداخل العدد على الذي يُعد أو ربما أسقط منها شيء لكثرتها أو ربما ثقلت في الكتابة وفي القراءة ونحو ذلك. ويمكن القول أيضاً إن افتراض وضع الرموز متشابهة من غير نقط بحيث تستوعب فيما بعد إذا نقطت ما لا يزيد على ثلاث نقط من أبعد ما يمكن تصوره. أما الترتيب الأبجدي (أبجد هوز) فالظاهر أنه ترتيب مراعى فيه أن يكون في كلمات يسهل حفظها. كما يظهر أيضاً أنها مقاطع يمكن الترنم بها وإنشادها. ولا يوجد في الثقافة ترتيب آخر إلا الترتيب الصوتي المنسوب إلى الخليل، وهو ترتيب وضع لغرض علمي محدد معروف. أما القول بأن العرب تسعفهم سليقتهم فلا يحتاجون إلى الفصل بين هذا العدد الهائل من الرموز المتشابهة فقولٌ فيه من المبالغة والاعتداد بحكمة العرب ما لا يخفى.

ويعرض كيس فرستيغ ظاهرة اعتماد العربية على رموز كتابية متشابهة يُفُرَقُ بين كل متشابهين أو أكثر أحياناً بالنقط بالنظر إلى الجذور الآرامية الأصل لرموز الكتابة العربية. ويصل إلى أن الخط الآرامي لم يستطع التعبير عن الفونيمات العربية كاملة، فكان النقط، ليجعل الشكل الواحد لفونيمين أو أكثر برسم نقطة أو أكثر على الشكل نفسه. وقال أيضاً: «من الممكن أن تكون مشكلة النقط قد حلت قبل الإسلام، فهناك بعض الإشارات إلى أن الكُتَّاب المبكرين كانوا يستخدمون النقط للفصل بين الحروف المتشابهة». (كيس فريستيغ: اللغة العربية وتاريخها ومستوياتها وتأثيرها ص 77). ويشير إلى أن ظاهرة التمييز بالنقط عرفت في الخط السرياني، وهناك إشارات إلى استخدام النقط في الكتابة الآرامية أيضاً. (السابق ص 77).

وفي رسم الحركات، يذهب هذا النوع من المصادر إلى استقراء تاريخ الكتابة وعمل المقارنات بين العربية وغيرها مما يمكن أن يدل دليلٌ ما منه على التأثر والتأثير بين العربية ولغات تشترك فيها في الظاهرة نفسها. غير أن تاريخ هذا النوع من الإصلاح الكتابي يبقى أكثر غموضاً والتباساً من سابقه. وربما ساعد على مزيد من الغموض والالتباس كونُ العربية اعتمدت في صورتها الكتابية على رسم الصوامت والمدود دون الحركات الصوائت. ولهذا لا ينكر أن نجد نصوصاً في هذا الزمان - فضلاً عن القديم - غير مضبوطة بالشكل، إذ لا تكاد العربية تلجأ إلى ضبط الحروف بالحركات القصيرة إلا لمنع الالتباس. بل لقد أظهرت نماذج من الخط العربي القديم كالرسم العثماني وغيره تجاهل رسم حروف المد الطويلة، نحو إسمعيل وإسحق وهرون وخلد والرحمن.. إلخ. وربما كان هذا الأمر أيضاً مما يضعِّف روايات وضع نقط الشكل المأثورة، من حيث ربط الوضع بالندب إليه للحاجة إليه، وإن كان من الممكن أن النقط قد كانت هي صورة الحركات المبكرة قبل أن تستقر على حالها اليوم. إذ لا أقل من الاعتقاد بضعف القول بالحاجة الملحة التي دفعت من يندب العلماء إلى إيجاد حركات لم تعترف اللغة بها في ضمن حروفها الكتابية أصلاً، بقطع النظر عن صحة رواية الندب أو عدمها. هذا إلى ما في المرويات نفسها من خلل لا يصح معه الاعتماد عليها مصدراً وحيداً لتلقي تاريخ الكتابة وإصلاحها.

ذكرت المصادر العلمية أن نقط الشكل في مخطوطات المصاحف لم يُعثر على أقدم شيء منه إلا في مصاحف من منتصف القرن الثاني الهجري. ويستنتج بوخوم «أنه في منتصف القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي ناقش القراء والقضاة هل يمكن إضافة العلامات المساعدة.. إلى الرسم المقدس لنص القرآن الذي دون حسب الوحي، وتجادلوا حول هذا السؤال». (أصل الخط العربي ص 90). وهو هنا يشير إلى الروايات التي أُثرت عن كثيرين كرهوا نقط المصاحف، منهم: روح بن عبادة والقاضي الأوزاعي ومالك بن أنس. (ينظر المحكم ص 11). ولعل هذه الكراهية إن صحت لا تدل إلا على أنَّ اجتهادات فردية قد حصلت في بعض المصاحف عند كلمات معينة ملبسة، وأن الكراهة إنما كانت لخلط كلمات النص القرآني بما هو غريب عنه. ولو أن اختراع نقط الشكل كان أصلاً بسبب الخشية على القرآن من الفساد كما يقال، ولو أنه كان قد شاع حتى أصبح جزءاً من بنية الكتابة العربية منذ قرن قبل ذلك، ما كُره فيه.

التوقيف ومفرده (الوضع):

لا بد من الإشارة إلى أن المرويات المتشابكة الشائعة في التراث عن وضع النقط وعن وضع علم النحو في بنيتها الحكاية التي قامت عليها ما يبعدها عن أن يعوَّل عليها وحدها مصدراً لتكوين تصورات معرفية صلبة عن الكتابة وتطورها. إذ لو نظرنا إلى مفردة «الوضع» نفسها التي تقتضي أنَّ شخصاً بعينه يضع علماً أو علوماً لوجدنا أن هذه المفردة لا تصح في سياق التاريخ للعلوم وتطورها ما دامت تقتضي واضعاً معيناً. ومن الصعب تصور أن يستجيب شخصٌ ل «حادثة» فيضع العلم أو يأمر أحداً بوضعه. على أن التداخل في الحكاية بين الوضعين (وضع النحو ووضع النقط) قد ينفيهما ولا يثبت أياً منهما. ذلك أن أبا الأسود حين سمع رجلاً يلحن في الآية، وهو فساد شفوي يتعلق بالمتكلمين وفساد سليقتهم ولحن ألسنتهم وليس فساداً كتابياً، استجاب له - بحسب أكثر الروايات شيوعاً وتردداً في المصادر - بوضع النقط وهو إصلاح كتابي يهم القراء والكُتَّاب لا المتكلمين. هذا مع أن بعض الباحثين، كالدكتور شوقي ضيف، يستنتج من الرواية أن الأقرب إلى طبيعة الأشياء أن يكون أبو الأسود الدؤلي قد استجاب للحادثة بوضع النقط لا بوضع النحو. إذ يرى ضيف أن الخلط بين الأمرين إنما كان بسبب أن الرواة سموا النقط ب «علم العربية» فظن الناس أنهم يقصدون علم النحو. وعلى هذا يكون أبو الأسود الدؤلي واضع علم العربية، أي: النقط، لا واضع علم النحو. (شوقي ضيف: المدارس النحوية ص 16). ويبدو أن تفضيل الباحث أحد الخيارين وهو «وضع النقط» على الخيار الآخر وهو «وضع النحو» ينبع فقط من أن ذلك أهون بكثير من التسليم بقدرة شخص واحد على علم كامل يحتاج إلى التبويب والتقعيد.. ولذا يرجِّح أن نسبة وضع النحو إلى أبي الأسود قد دفعت إليها أسباب حزبية. (السابق ص 16).

ولعل مفردة «الوضع» - وهي تذكِّرنا على أية حال بمعنى الانتحال والتزييف - هي الكلمة المفتاح التي تُري ما بداخل ذهنية منتج الحكاية. إذ تبدو مفردة مسيطرة على الذهنية المنتجة للحكاية، ربما لأنها قد رافقتها وامتزجت بها نظرةٌ تغلب عليها (التوقيفية)، بحيث سارت بخفية حتى في أذهان من لم يُعْرف عنهم قول صريح في القول بالتوقيف أو بضده. ذلك لأن الاعتقاد بالواضع وبقدرته إنما يسير في هذا الاتجاه، وإن علَّقَ الوضع بغير المصدر الإلهي كما رأينا عند من جعل مصدر الكتابة بشرياً فيما مضى مثلاً. وعلى هذا يشبه الذين علقوا النقط بواضع في هذا الجانب أولئك الذين نسبوا مصدر الكتابة برمتها إلى واضع، ويشبهون جميعاً مَنْ جعل مصدرها وحياً. فالاختلاف بين الفريقين إنما هو تنويع في السطح على اتجاه واحد فقط في العمق. وهنا يصل المآل بالجميع إلى «وضع» الحكايات التي تصف نشأة العلوم وتطورها، أو في أقل تقدير: يروون الحكايات «الموضوعة» مسلّمين بها.

«وضع» الحكاية هنا لا يتعدى في هذا السياق كونه وسيلة من وسائل تعبير الذهنية عن اعتقادها الراسخ بقدرة «واضع» العلم وبضرورة وجوده ليوجد العلم. وهذا يفضي بنا إلى الفرضيات التي تتحدث عن انضواء الرؤى والاتجاهات في العلوم المختلفة، والتي ظاهرها الاختلاف والتعدد، بل ظاهرها أحياناً التعارض، تحت بنية ثقافية واحدة مهيمنة على الذهن. ومن بين أهم ذلك في الثقافة العربية خاصة ما تعرضه الدراسات من شواهد على اشتراك مفاهيم وتصورات في صلب العلوم العربية المختلفة مع تصورات فلسفية وكونية قارة في عمق الثقافة. إذ قد تشكَّلَ في التراث العربي منظومة من المفاهيم وبعض العبارات والجمل الثقافية التي أمكن للدراسين تسويغ القول فيها أنها وما يشبهها تنبثق من تصورات قارة للإنسان والكون، وأسهم في تشكلها أساس ثقافي ما. وإذا نظرنا في الحقول المعرفية التراثية المختلفة فلن نعجز في تبين ما يمكن إضافته إلى دلالات حكايات الوضع المشار إليها فيما سبق من حيث هيمنة التوقيف على إمكان التعارف والاصطلاح، ومن ثمَّ إلغاء القدرات البشرية الحاضرة في مقابل إحلال قدرات أخرى غائبة محلها. وسنأخذ في هذا المقام بعض الحقول المعرفية في الثقافة العربية، لا لنقصر الكلام عليها، بل بوصفها نماذج يمكن تعميمها لتشمل كافة الحقول المعرفية التي يقف وراءها تصور مماثل.

إذا نظرنا إلى الشعر بوصفه «ديوان العرب»، وعلمٌ لم يكن لهم علم غيره كما أن مفردة «الشاعر» تعني في المعاجم العربية: العالم، فلا نحتاج إلى التذكير بقضية «شياطين الشعر» و«وادي عبقر» المشهورة في التراث لكي ندلل على هيمنة فكرة «الإلهام» التي يؤمن بها العرب في شأن الشعر والشاعر، هذه الفكرة التي تنزع بكل وضوح إلى خلع القدرة الذاتية الخاصة عن البشر وإلقائها على كائنات غيبية هي «شياطين الشعر»، بحيث يتحول دور الشاعر «الملهم» إلى مجرد وسيط يبلغ «الإلهام» وما توحي به الشياطين.

وتمتد سلسلة الوساطة هذه لتصل إلى الناقد، إذ هو بدوره لم يكن له من دور على امتداد تاريخ النقد في التراث العربي غالباً إلا البحث عن مقاصد الشاعر، فالنقد إذاً مجرد وسيط لوسيط قبله أيضاً. ولا بد أن نتذكر أن دلالات البحث عن المعنى الواحد - حتى من غير نظر إلى الإلهام والوساطة - لا تخرج عن هذا التصور المشار إليه. إذ إن تصور المعنى ينبع من مصدر واحد في الخارج فقط يملك المعنى ويتحكم به، وهو معنى واحد بالضرورة لا سبيل إلى الوصول إلى آخر غيره، يقتضي أن وراءه ذهنية تميل بصورة جلية إلى نزع القدرة عن الحاضر وإلقائها على الغائب. إنها تبدو كذهنية «التلونيين» التي ترى أن المؤلفين ومنتجي النصوص لا حاجة إلى العلم بهم «وأنهم يمكن أن ينوب بعضهم عن بعض ما داموا أداة طيعة شفافة في يد روح غامضة تسكنهم.. ولذا من النادر أن تحمل الكتب توقيعاً. وفكرة السرقة لا وجود لها، فجميع المؤلفات من تأليف مؤلف واحد خارج الزمان مجهول الاسم». (كليطو: الكتابة والتناسخ ص 7 - 8).

يمكن أيضاً في هذا السياق أن نستحضر الربط بين نظام القراءة الذي تمليه ذهنية ما وأنظمة أخرى تمليها الذهنية نفسها، بحيث ينتقل أثر كل منهما إلى الآخر. ولعل من بين أهم الأمثلة التي تنطبق على ذلك نظام القراءة في المجتمع ونظام السلطة فيه. إذ بنظرة مزدوجة إلى النظامين يمكن أن نرى في الوقت نفسه شاهدين متجاورين على مسألة واحدة. نظام القراءة الذي يفترض المعنى الواحد هو كما يقرر إمبرتو إيكو (الأثر المفتوح ص 21) نتيجة من نتائج النظام الاجتماعي السلطوي أو الفئوي الواحد. والنظام السلطوي الواحد هو نفسه نظام وساطة و«وضع»، ونزوع إلى قدرة «الواضع». وهذا يتطابق مع مسألة الوضع في العلوم والوضع في النص والوضع في قراءة النص، وهكذا.

إن قصة الكتابة التي عرضناها فيما سبق منذ نشأتها إلى إصلاحها ليست في هذا المقام أكثر من نموذج دالٌ على ذهنية سائدة في الثقافة أنتجت حكايتها على نحو ما، ورأينا بعض تجلياتها في الحقول المعرفية الأخرى. وهو أمر يمكن غض النظر فيه عن بعض المظاهر الخزافية والأسطورية المصاحبة للحكايات المنتجة في طور إنتاجها ولو إلى حد ما، إذ لا غرابة في أن يجيب التفكير الخرافي والأسطوري عن الأسئلة الصعبة إذا عجز العلم عن الإجابة عنها. (ينظر التفكير العلمي ص 67). لكن الغريب المفجع حقاً هو أن تستمر الخرافة في تقديم الإجابات في عصر العلم. والغريب أيضاً أن تحل الحكاية محل التاريخ، والغيبي محل الحاضر، والماورائي محل العقلي، والتوفيقي محل العرفي. وشواهد ذلك في عصرنا الحاضر (عصر العلم) لا حصر لها.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 0

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة