يعلي الدين الإسلامي من مكانة وشأن حمل المسؤولية تجاه الآخرين، ولعل جميع الأديان السماوية حتى القوانين الوضعية تعترف بذنب المقصر في مسؤولياته، لا سيما تجاه من كان سبب وجودهم في هذه الحياة، كما أن المعاناة من هذه النماذج السيئة التي تعيش تحت مظلة هذا النوع من القصور موجودة للأسف حتى في مجتمعنا الإسلامي، فهناك الكثير ممن نسوا مسؤولياتهم والواجبات التي عليهم.. هنا في هذا التحقيق نستعرض بعض تلك النماذج على لسان الفئة المقهورة التي وقع عليها ظلم الإهمال.

معاناة دائمة

(أم سامي) حملت على عاتقها أحد عشر طفلاً من أبنائها تخلى عنهم والدهم القابع في محل بال من محلات الخضار المستأجرة يقضي طوال يومه هناك بعيداً عن التفاعل مع الصغير أو الكبير من أبنائه ولا يعود لمنزله بريال واحد بحجة أن بضاعته فاشلة وأن ديونه غلبت قوت يومه..

بقيت (أم سامي) طوال سنواتها معه تكابد الفقر والجوع بينما يتربع زوجها على عرش رب الأسرة الذي لا يحاسب على شيء ويمنع النقاش معه في أي موضوع أو مطلب لتلك الأسرة التي يعتقد نفسه سيدها..

تقول (أم سامي) «أقسم بالله أنني وأبنائي ننام أكثر أيامنا جياعاً، ويذهب أولادي لمدارسهم دون مصروف ليعودوا على أمل أن أكون دبرت لهم غداء يومهم من أي فاعل خير.. الحياة مريرة وما يزيدها مرارة وجود هذه النوعية من الرجال وما زاد نفسيتي سوءاً هو مشاكلي معه عندما استخدم موانع الحمل.. تخيلوا أنه يريد المزيد من الأطفال ويعتقد أن منع الحمل حرام ولا يجوز منع الإنجاب لأي سبب.. فهل هذا منطق؟ أليس من الأولى أن يصرف عليهم ويحمل هموم إطعامهم؟ أليس من الأولى أن يترك تعاطي السجائر التي تكلفه يومياً أكثر من خمسة ريالات نحن أولى بها؟..

وتصمت (أم سامي) قليلاً بينما تتسابق عبراتها لتصف مأساة أم ترى أبناءها يتضورون جوعاً بينما ترفض الجهات الخيرية مساعدتهم بحجة أن والدهم حي يرزق..

تتابع هذه الأم قائلة: «لقد ذهبت إلى أكثر من جمعية خيرية بلا جدوى فالجميع مجرد أن يسمع أن زوجي موجود ويسكن معنا.. يرفضون المساعدة، فالبعض يقول لماذا لا يذهب زوجك للعمل والنفقة على صغاره؟ والبعض الآخر يعاتبني كيف أنجب كل هؤلاء الأبناء دون وجود أب يستحق هذه النعمة الغالية، وهناك فئة أخرى تقدم لي الرز والتمر في شهر رمضان فقط.. ليت شهور السنة كلها رمضان..

ليلة البارحة تصدق علينا الجيران بدجاجة كاملة قررنا أن تكون وجبة غدائنا ليوم الغد وبتنا جياعاً دون كسرة خبز.. زوجي لا يأكل أبداً معنا خوفاً من أن نشاركه طعامه فهو يأكل في محله خارج المنزل ولا يأتي إلا وقت النوم ليخرج مرة أخرى وهكذا وحين افتح معه أي موضوع يشتمني ثم يخرج من البيت ولا أراه لأيام..

هذا الزوج هل تراه الجمعيات الخيرية رجلاً من الممكن أن يعتمد عليه في النفقة على أسرته وبناء على ذلك يمتنعون عن مساعدتي..

وحول مساهمة ابنها الأكبر والبالغ 22 سنة في الإنفاق على اخوانه تقول «سامي لا يدرس ولا يعمل.. إنه بالسجن.. كان يحاول ايجاد عمل ولكن والده لم يساعده في إخراج بطاقة أحوال.. وبقي ضائعاً بلا دراسة ولا وظيفة حتى اثر عليه أصحاب السوء فدفعوه بسبب الحاجة إلى سرقة أجهزة كهربائية ليتم بيعها والحصول على مال.. حسبي الله ونعم الوكيل.. ابني في السجن منذ أربع سنوات ماذا أقول وعلى من أرمي بهذه المسؤولية والبلوى».

مارست التسول

وتعترف (أم سامي) أنها مارست التسول أكثر من مرة عندما لم تجد ما يطعم رضيعها وتسبب هذا التسول بسجنها 15 يوماً، تم الإفراج عنها لصعوبة ظروفها ورحمة بصغيرها، غير أنها تخشى كثيراً العودة لطلب الناس عبر الطرقات والشوارع من أجل إطعام فلذات أكبادها.

ماذا أفعل..

«لدي أربعة أطفال كبيرهم فتاة لم تبلغ العاشرة من عمرها نعيش في فقر لا أتصور أشد منه على وجه الأرض فنحن بدون كهرباء ولا ماء منذ أسابيع فكيف أسدد الفواتير ولا أملك بضع ريالات تسد رمق أطفالي؟ أما زوجي فيعيش هنا يجلس بلا أي فائدة ودون أدنى إنجاز، وفوق ذلك كله يتعاطى المسكر ولست أعلم من أين يأتي به أو كيف يشتريه وهو لا يملك عشرة ريالات! وكلما سألته أو راقبت الوضع اكتشفت أن أصحاب السوء يوزعون فسادهم مجاناً.. ففوضت أمري لله».

هكذا بدأت السيدة خميسة (أم عبدالعزيز) كلماتها بصوت مقهور ونبرة محبطة يائسة..

بيتها فوق سطح خرب لا يحوي أبسط مقومات الحياة وفراشها لا يضم أي وسيلة من وسائل الراحة أو الأمان وتدفع إيجار تلك الجدار المهترئة ستة آلاف ريال تبقى في دوامة تأمينها طوال سنة.

خميسة تذهب كثيراً للجمعيات الخيرية وتعود بعد جهد طويل ببضع أرزاق تكفيها أياماً قليلة لتعود مرة أخرى تئن من الحاجة والفقر والجميع يلومها على وجود هذا الزوج داخل المنزل دون فائدة ولعل وجوده سبباً آخر لمنع الصدقات عنها.

تقول (أم عبدالعزيز) «ليتني اقرأ أو أكتب لكنت بحثت عن أي وظيفة ولكن ما هو العمل في هذا العصر لدى إنسان لا يقرأ ولا يكتب؟ زوجي يتعاطى المخدرات ودخل مستشفى الأمل للعلاج أكثر من خمس مرات وفي كل مرة يعود وكأن شيئاً لم يكن.. ماذا أصنع به وماذا يمكن أن استفيد من شخص لا يستطيع حتى مساعدة نفسه وفوق كل ذلك مشاهدة الأبناء له وهو في هذه الحالة السيئة.. يعني المشكلة ليست فقراً وانما الفساد أيضاً، ودائماً أسأل نفسي أي قدوة لهؤلاء الأبناء أبشع من هذه حتى إن أي غياب للأولاد بعيداً عني يجعلني ارتجف من الخوف أن يكونوا قد سلكوا نفس مسلك أبيهم.. يا لها من كارثة.. أيها المجتمع المسلم هل لديكم حل لمشكلتي؟ وليس لي أهل ولا أقارب أخي الوحيد معوق ويغص بيته بالأطفال وأمي ضريرة تجوز عليها الصدقة وتسكن مع أخي الوحيد مع صغاره وزوجته!؟».

وتتابع وهي تبكي «بصراحة أنا أتسول منذ سبع سنوات.. ماذا أفعل؟ هل أرى أبنائي يموتون جوعاً وأقسم بالله لا أعود في كثير من الأحيان بأكثر من عشرة ريالات أشتري بها طعاماً لصغاري وجربت السجن ذات مرة ليوم كامل بسبب تسولي ولا أحد يحل مشكلتي مجرد تأنيب وعقاب.. أما الحلول فلا توجد».

ليس المال وحده المشكلة

هناك من الحالات من لا يقف المال وحده مشكلة تخلي الزوج عن رعاية أسرته فهذه السيدة (ن.ف) موظفة وسيدة أعمال تزوجت من شاب وعدها بالكثير من الأحلام الهانئة وظنت نفسها أسعد امرأة في العالم.

تقول السيدة (ن.ف) وهبته كل شيء وكان شرطه الوحيد أن لا أنجب بحجة أن وضعه المادي لم يستقر بعد، بينما كنت أرى أن الأمور تسير على أفضل حال وبعد سنتين من زواجنا كنت ألاحقة وأتعلق به كما تتعلق الصغيرة بوالدها قررت أن أنجب طفلاً اعتقاداً مني أن هذا الطفل سوف يقربني منه ولكن للاسف الشديد حصل عكس ذلك تماماً فمنذ أنجبت صغيري لا أعلم أين اختفى زوجي.. بلغ عمر ابنه أربع سنوات ولم يره ولو مرة واحدة، احتفظ بصورته ليراها صغيري بين الحين والحين وكلما سألني أين بابا أجبته أنه في سفر للدراسة والعمل ولا أدري أتطول هذه المدة أم تقصر.. والله إنني لم اقترف في حقه أي جرم صغير ولا كبير بل إنني لا أريد الطلاق أو الخلع الذي يصر عليه أهلي، إنني أحبه وأحلم باليوم الذي يهديه الله لعقله الذي لم أفهمه أبداً، حيث لا يوجد سبب لتغيب زوجي عني وعن ابنه، وحين طال الانتظار اضطررت لترك منزل الزوجية إلى منزل أهلي الذين رفضوا عيشي وحيدة مع صغيري.. لم أبخل مع زوجي يوماً حتى بمالي فقد اشتريت له السيارة التي تمناها وسلمت بيده المشروع الذي كان يحلم به وكنت له قانعة مطيعة ولكنه هجرني وذهب.. لا أعلم له هاتفاً ولا عملاً ولست احتفظ بأي اسم لأصدقائه أو أقاربه الذين يسكنون في دولة الكويت.. لا أقول إلا صبر جميل والله المستعان».

خرج ولم يعد..

وقصة أخرى مشابهة للسيدة (أم عبدالرحمن) التي يضم منزلها سبعة أطفال ذهب والدهم منذ أكثر من خمسة أعوام وتركها في معركة الحياة وحيدة دون عائل ولا سند ولكن شهادتها وتعليمها كانا لها بعد الله خير مساعد، فقد توجهت للعمل في أكثر من وظيفة كان هدفها الأساسي في اختيار تلك الوظائف العائد المادي، وأخيراً استقر مركبها الوظيفي في دار للرعاية الاجتماعية يتطلب منها المبيت خارج المنزل وبالتالي يبقى صغارها والذي يبلغ عمر كبيرهم ستة عشر عاماً «عبدالرحمن» دون راع..

تقول (أم عبدالرحمن) عن معاناتها «لا أعلم ما الذي جعل زووجي يتخلى عنا ولا يسأل عن أبنائه ولا يعترف بالنفقة عليهم وفي المرات القليلة التي يكلمنا بها يشتكي من وضعه المادي السيئ وأنه ذهب للعيش خارج مدينة الرياض بعيداً عنا أملاً في ايجاد عمل مناسب».

وتعتقد السيدة (أم عبدالرحمن) أن زوجها «مسحوراً» وأن لا مبرر لهروبه من أسرته غير ذلك، وتضيف «نحن نعيش بنعمة الله ولكن المسؤولية كبيرة فوق عاتقي، فالأبناء لا يحتاجون إلى المأكل والمشرب فقط وإنما التربية والرعاية والمتابعة هي الأهم.. ولست أدري ما الذي أعمله وقد بدأت سواعدي تضعف وذهني أجهدته هموم ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي أبداً مع الأبناء الذين دائماً ما يكونون مستعدين للأخذ فقط.. أما العطاء فيبدو أنه لا يزال بعيد المنال في ظل حياة لا ترحم».

مرض الأنانية والبخل

أما السيدة (نورة سليمان) فتجد نفسها وحيدة في هذا العالم بينما يمتلئ منزلها بستة من الأطفال يبلغ أكبرهم من العمر ثمانية عشر عاماً، ومطالب لا حصر لها من مأكل وملبس ومشرب وغيرها من دعائم الحياة والتي لا تحصل عليها إلا بعد جهد جهيد..

تقول (نورة) «لا ينقص زوجي المال فهو تاجر معروف تزوجني من أجل زيادة عدد أبنائه فهو يؤمن بأن كثرة الأبناء تجلب البركة والخير، فأنا الزوجة الثالثة بين نساء أنجبن أكثر من عشرين طفلاً تسكن كل واحدة منهن في شقة منفصلة ولا نرى هذا القائد.. عفواً أقصد الزوج والأب الذي يسعى إلى كثرة أبنائه ولا يعرفهم.. نعم هذه هي الحقيقة المرة التي وضعني تحت وطأتها والدي سامحه الله.. لم أملك حين زوجني أن اعترض أو حتى أرى من سيكون شريكاً لحياتي وخرجت من مدرستي وأنا بالصف الثاني المتوسط ولكن حبي للقراءة والاطلاع وسع مداركي وشد عزيمتي في تربية أبنائي تربية صالحة إلا أن الاكتئاب النفسي الذي بدأ يأكل ابتسامتي وتفاؤلي قد سيطر على حياتي منذ أكثر من ثلاثة أعوام.. لا أرى زوجي في الأسبوع كله سوى دقائق معدودة ليحتسي بعض الشاي وأحياناً ينام ثم ينهض ليغيب مجدداً دون أن نعلم أين هو.. حتى هاتف جواله لا نعرفه، والأدهى من ذلك أن هاتف منزلنا أقصد شقتنا لا يوجد به صفر يعني لا نستطيع مكالمته حتى لو عرفنا هاتفه.. أعيش وحدي مع أبنائي وحتى ذهابي إلى الأطباء حين احتاج ذلك لي أو لأبنائي يكون بسيارة أجرة برفقة أحد الأبناء وبمال أكون قد ادخرته بصعوبة خلال بضعة ريالات يضعها الأب الصالح في يدي كل شهر أو شهرين ويعلم الله بحال الأبناء الذين يذهبون لمدارسهم في أكثر الأحيان دون فسحة بسبب بخل وإهمال الأب الذي لا يسمع ولا يرى ولا يشعر إلا بنفسه..

تتابع نورة قائلة «ليس هناك حلول وليس هناك أي مخارج نحن هنا داخل هذا الصندوق المتهالك الذي يسمى شقة والتي لا يدخلها حتى نور الشمس بسبب ارتفاع نوافذها ذات الطراز العثماني القديم.. والجدران الرطبة من تأثير الأمطار السنوية والتي بسببها مرض اثنان من أبنائي حيث اخبرني الطبيب بمرضهم الجلدي النادر والذي يأتي بسبب عدم تعرض الطفل لأشعة الشمس.. هل تحسبون والدهم أولى الموضوع أي اهتمام.. أبداً والله كل ما في الأمر قال لي سوف أحضر لهما عسلاً.. وكبر الأبناء وبقيت بشرتهما مشوهة بسبب المرض الجلدي ونسي الأب الفاضل مشكلة أبنائه كما نسي بيته وزوجاته اللاتي يسددن ثمن أخطاء أهلهن.. أنصح بنات جنسي بالتسلح بالعلم واكمال دراستهن حتى ينلن أعلى الدرجات التي لا بد وأن تحميهن مما يمكن أن يحطم حظهن في الحياة.. وهكذا سأصنع أنا بإذن الله ببناتي فلا بد من نيلهن الشهادات العليا من أجل حمايتهن بعد الله».

هكذا ختمت السيدة نورة كلماتها وهي تؤكد أن مأساتها ليست نادرة بل موجودة بكثرة في مجتمعنا وبكلمات يائسة تساءلت ماذا يصنع مجتمع مسلم برجل لا يعرف ما له وما عليه رغم بلوغه شهرة مادية واجتماعية لا يستهان بها..

والسؤال الذي يطرح نفسه في ختام كل تلك القصص الواقعية والتي خرجت من أفواه أصحابها، أين من يحمي كل هؤلاء المغلوبين على أمرهم من أنياب الإهمال والهروب من المسؤوليات؟

من يلزم رب الأسرة بالحفاظ على بيته من أنياب الفقر أو الحاجة أو الحرمان المعنوي؟

وماذا لو وقفت هذه السيدة أو تلك أما قاض مسلم لتطالب بحقوقها.. هل سيكون الحل في الطلاق؟ وهل بعد شكواها للقضاء سيكون بينها وبينه حياة؟

لا يمكن أن يجيب على كل تلك التساؤلات مؤسسة اجتماعية واحدة وإنما علينا إيجاد أكثر من جهة وربط المسؤولية بأسباب أخرى متعددة قد يكون الفرد أو المجتمع أو كلاهما معاً..