الهدف الديني: لا ريب أن حركة الاستشراق وحركة الكشوف الجغرافية خرجت أول ما خرجت تحت نظر الكنيسة وسمعها، وكان الهدف الديني وراء إنشاء أقسام اللغة العربية وكراسيها في جامعات أوروبا، لهذا كان معظم من دخل مكة المكرمة أو المدينة المنورة إنما دخلهما لأغراض دينية

هذا الحديث بمناسبة انعقاد اللقاء العلمي للجمعية التاريخية السعودية في مكة المكرمة، كون مكة اختيرت هذا العام عاصمة للثقافة الإسلامية وهو حديث يتطرق لموضوع إقامة بعض المرتحلين المسيحيين في مكة المكرمة، وهو حديث مختصر عن بحث قدمته للقاء المذكور.

لا نستطيع أن نقرر على وجه الدقة تاريخ بداية وصول الرحالة المسيحيين إلى بلاد الحجاز، وهناك على كل حال احتمال أن بعض البحارة الأوروبيين، وعلى وجه الخصوص البرتغاليين، قد وصلوا إلى سواحل البحار التي تحيط بالجزيرة العربية، هناك إشارات مقتضبة في أدبيات الرحلات الغربية إلى أن القبطان والرحالة كابوت John Cabot الذي يُقال إنه زار مكة المكرمة بين سنتي 881 - 896ه - 1476 - 1490م، وربما طاف سواحل البحر الأحمر الشرقية، ويُنسب إليه اعتقاده أن جزيرة العرب غير معروفة، لذا أطلق عليها اسم «الأرض الجديدة (New found land) وأعلن عن ضمها لممتلكات الملك هنري السابع.

وكذلك البحار البرتغالي جريجوري كوادرا Gregeory da Quadra الذي صحب حجاج زبيد باليمن إلى مكة المكرمة في حوالي عام 906ه / 1500م وفي المدينة المنورة أصابت جريجوري لوثة مشوبة بعاطفة دينية، فأخذ يصيح بأعلى صوته شاتماً النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول بأعلى صوته إنه يتحدى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يكشف سره، ويوضح لعموم الناس أنه نصراني، وكان يردد على مسامع الناس أنه يتمنى أن يتحول المسجد النبوي إلى كنيسة مثل ما تحول المسجد في لشبونة إلى كنيسة العذراء، أما موقف الناس الذين تجمهروا حوله، فقد أصابتهم الدهشة.

وظنوه ولياً من أولياء الله الذين يقولون كلاماً غير مفهوم، لذا تنافس بعضهم في مد يد العون له، ودعوته للغداء، وانتهت قصة جريجوري بهروبه راجلاً إلى البصرة ومنها إلى بلده البرتغال حيث قضى بقية حياته خادماً في دير للرهبان.

والشاهد أن المسيحيين كانوا يفكرون في الوصول إلى المدن المقدسة في الحجاز، ولو بقوة السلاح، ففي حوالي عام 577ه - 1180م جهز رينولد دي شاتيلون Renauld de Shatillon أمير الكرك الصليبي حملة عسكرية لغزو المدينة المنورة، وسلب الكنوز الموجودة في ضريح قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصلت الحملة ساحل البحر الأحمر، وقبل أن تشق طريقها إلى الداخل، لحق بها أسطول بحري إسلامي بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي وتعرضت لهجوم كاسح، أبيد أغلب أفراد الحملة، ولم نعد نسمع بعد تلك المحاولة من حملة عسكرية غربية وجهت إلى الحجاز.

وفي هذا السياق اطلعت على كتابين يحسن التنويه عنهما: الأول من تأليف: أوغست رالي A.Ralli وعنوانه «المسيحيون في مكة (Chrstains at Mecca) وهو يحتوي على عرض شيق لانطباعات رحالة مسيحيين زاروا هذه المدينة بدءا من سنة 909ه - 1503م «رحلة لودفيكو دي فارثيما (Ludvico di Varthema) وانتهاء بسنة 1312ه/ 1894م «رحلة جرفي كورتلمون (Gervais Courtellmont) وفي الكتاب سرد للظواهر التي استرعت انتباه الرحالة، ولكن ملحوظاتهم عن مناسك الحج ودراسته هي ما يشغل حيزا كبيرا في كتاباتهم، ذلك أن الحج يمثل في نظر أولئك الرحالة عنصراًمحورياً، أتاح لهم أن يعوا تاريخ الشعوب الإسلامية قاطبة، ولم أجد فيه ما يشير إلى قيامهم بالتبشير لدين المسيحية.

والثاني كتاب البرخت زيمة الموسم «شبه الجزيرة العربية في كتابات الرحالة الغربيين في مائة عام: 1770 - 1870م» الذي يحوي مختصراً لبعض الرحالة المسيحيين الذين زاروا الحجاز، وكتبوا عن مدنه، ومما ذكره المؤلف إشارة مقتضبة عن زيارة الكابتن فيلشتيدت مدينة جدة عام 1247ه / 1831م مع مجموعة من الضباط الإنجليز لقياس الشواطىء العربية على البحر الأحمر.

ولو بحثنا في سبب شغف الغربيين ببلاد الحجاز لوجدناها باختصار شديد تتلخص في كون القرن العاشر الهجري - السادس عشر الميلادي قد شهد اندفاع البرتغاليين بأساطيلهم إلى بحار العالم، ومنها طبعا البحار المحيطة بالجزيرة العربية، ما أدى إلى نوع من المغامرة والصراع بين الدول الأوروبية، وكانت الدول الأوروبية في صراع سياسي واقتصادي وتجاري مع الدولة العثمانية التي تمثل المسلمين، فرغب بعض ساسة أوروبا ومثقفيها معرفة المزيد عن بلاد الحجاز الذي يُشكل واسطة العقد في الفكر الديني لدى الدولة العثمانية.

وهنا نستطيع أن نُجمل أهداف الرحالة الغربيين إلى الديار المقدسة في الحجاز في ما يلي «1» الهدف السياسي: كانت الدولة العثمانية تمثل تهديداً لدول أوروبا، وكنائس أوروبا، ولكن ذلك التهديد زال في القرن الثاني عشر الهجري - الثامن عشر الميلادي، ومع هذا رأت تلك الدول أن من صالحها دراسة وضع البلاد العربية التي تخضع للعثمانيين، خصوصاً منطقة مهد الإسلام، فتقاطر الرحالة الجواسيس إلى الحجاز، وكتبوا تقارير عن أوضاع البلاد والعباد كما فعل الرحالة الأسباني دومينجو باديا لبليخ Domingo Badia Y Lebich الذي كان يعمل لصالح نابليون، وأصبحت رحلات الغربيين بمثابة توظيف قدراتهم لخدمة السياسة الغربية ضد الدولة العثمانية.

«2» الهدف الاقتصادي: تميز القرن الحادي عشر الهجري - السابع عشر الميلادي بالصراع بين البرتغاليين من جهة والبريطانيين وحلفائهم من جهة أخرى، فأخذت كل جهة تقيم علاقات مع بلدان المشرق العربي، وهي البلاد التي تنتج البن، أو يمر عبر أراضيها إلى أوروبا، ثم عمدت تلك الدول إلى إرسال الرحالة لأغراض تجارية، ولاعداد تقارير عن الوضع الاقتصادي، وحالة الموانئ العربية على البحر الأحمر.

«3» الهدف العلمي: لا يشك أحد أن نهضة أوروبا قامت على العلم، وبعض العلم مصدره من الشرق ومن العرب على وجه الخصوص، وكانت تدور في أذهان الأوروبيين فكرة البحث والتقصي لأجل العلم، لذا أرسلوا الرحالة يجوبون أقطار الجزيرة العربية من أجل هذا الهدف، ومن يتفحص كتابات بعض الرحالة أمثال: العالم الدنماركي كرستين نيبور Carsten Neibuhr أو تشارلز مونتاج داوتي Charles Montage Doutghty يدرك على الفورمقدار الجهد الذي بذل من أجل العلم والمعرفة.

«4» الهدف الديني: لا ريب أن حركة الاستشراق وحركة الكشوف الجغرافية خرجت أول ما خرجت تحت نظر الكنيسة وسمعها، وكان الهدف الديني وراء إنشاء أقسام اللغة العربية وكراسيها في جامعات أوروبا، لهذا كان معظم من دخل مكة المكرمة أو المدينة المنورة إنما دخلهما لأغراض دينية، منها وضع مقارنة بين النصرانية والإسلام، كما فعل لودفيكو دي فارثيما Ludvico di Varthema الذي ألف كتاباً عنوانه «خط الرحلة (Itinario ونشره عام 916ه/ 1510م. وكانت انتصارات البرتغاليين واكتشافهم رأس الرجاء الصالح عام 904ه / 1498م دافعاً جعلهم يحاولون مهاجمة ديار الإسلام، مثل ما حاول أحد أمرائهم وهو الأميرال الفونسو دي البوكيرك Alfonso de Albuquerqueالمتوفى عام 921ه/ 1515م الذي أبحر إلى البحر الأحمر من أجل أن يحتل المدينة المنورة، ويستولي على خزائن القبر النبوي.