• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1242 أيام , في الخميس 28 رجب 1432 هـ
الخميس 28 رجب 1432 هـ - 30 يونيو 2011م - العدد 15711

(عين) جديدة.. (عقل) جديد

قراءة في قصيدة (غاسل كفي) لمحمد بن فطيس

محمد بن فطيس

بداح السبيعي

    اكتفى صاحب الصوت الجميل والإحساس المرهف خالد المري (العذب) بإنشاد أول تسعة أبيات من قصيدة (غاسلٍ كفي) للمبدع محمد بن فطيس حين قام بإنشادها في أحد الإصدارات الصوتية، مع أن القصيدة تتألف من واحد وعشرين بيتاً يُمكن تقسيمها إلى جزأين أو مقطعين: الأول منهما (1-9) ذاتي يتحدث فيه الشاعر عن نفسه وعن تغير رؤيته للعلاقات التي تربطه بالآخرين، والثاني (10-21) وجداني عاطفي ينتقل فيه الشاعر للحديث عن محبوبته دون مُبرر فني واضح سوى رغبته وميوله وما ذكره من استحالة مرور القصيدة دون ذكرها لأنها هي (أصل القصيد)..!

تبدأ القصيدة بتصوير الشاعر للتحول الجذري الذي طرأ على نظرته للناس الذين تربطه العلاقة بهم، حيث أضحى يرى الناس بعين (رؤية) جديدة، ويقيس الأمور بعقل (تفكير) مُختلف عما كان عليه في الماضي:

غاسلٍ كفي من مصافحة بعض اليدين

وقافلٍ بوجيه أهلها صناديق البريد

وشايفٍ شيٍ لي أعوام مالي فيه عين

وقاطعٍ خيط الهقاوي بسكين الوكيد

وخالصٍ من طيب ظنٍ موهقني سنين

وظاهرٍ لي عقب عرف العرب عقلٍ جديد

وطايحٍ من عيني ارجال عندي كان وين

وحاقرٍ من هو يقيس الأوادم بالرصيد

ومحتمي عن غدر الأصحاب في حصنٍ حصين

ولابسٍ لرماح الاقراب ثوبٍ من حديد

الأفعال التي يستخدمها الشاعر: (غاسل) و(قافل) و(قاطع) و(خالص) و(طايح) جميعها أفعال تؤكد على التغيير الذي نتج عن تغير رؤيته للأمور، فكان لا بد من تنظيف قائمة العلاقات والخلاص من كل علاقة تقوم على مصالح مادية بإسقاطها وكذلك وضع حواجز حصينة تقطع الطريق على كل ما لا يتوافق مع رؤيته الجديدة؛ وقد أبدع الشاعر في تجسيد أحاسيسه المجردة في صورة حسية تتمثل في قطع خيط (الشك) بسكين (اليقين) حتى لا يكون هناك وقوع في علاقات سيئة ومُرهقة.

ويواصل ابن فطيس حديثه عن عملية التغيير التي يقوم بها، مؤكداً على عزمه قطع كل علاقة عقيمة، ومؤكداً على الدور الذي لعبته التجارب و(المواقف) الصعبة بمساعدته في عملية (غربلة) المُحيطين به، وهي غربلة لا تُسفر في الغالب إلا عن نتائج مُخيبة للآمال:

وماضيٍ مني على اللي تمشيني يمين

ما تجي من هو قريبٍ وإلى احتجته بعيد

المواقف تشخل الناس والطيّب يبين

كل عام يطيح تسعه ويصفى لي وحيد

أشهد إن خير المدارس تجارب الأولين

واشهد إن راي التجارب هو الراي السديد

واشهد اني للبلاوي على الدنيا مدين

كل ما راجعت نفسي طلعت المستفيد

كان من المفترض أن تنتهي القصيدة عند هذا الحد، لكن ابن فطيس ينتقل للمقطع الثاني بقفزة غير متوقعة ولموضوع آخر لا يرتبط بعلاقة منطقية مع موضوع المقطع الأول، ويُبرر هذا التصرف الذي قد يرى فيه البعض إخلالاً بوحدة القصيدة الموضوعية بأن محبوبته هي (ملح النشيد) ومن الواجب أن تتزين القصيدة بحضور ذكرها:

وأنت ياللي عقبك الزين بين البيض شين

مُستحيل يطوفك الشعر وأنت أصل القصيد

القصيدة في عيوني بدونك ما تزين

لازم إن آجيب طاريك يا ملح النشيد

وعند تأمل كلا المقطعين يُمكننا إيجاد ما يُمكن اعتباره خيطاً دقيقاً وخفياً يربط بين المقطعين ليُحقق للقصيدة وحدتها الموضوعية، ففي أحد أبيات المقطع الثاني يقول ابن فطيس:

أنت ياللي من بُطين الفؤاد إلى الأذين

والله إن حبك مع الوقت ما ينقص يزيد

ففي مُقابل (التغير) الكبير في رؤية الشاعر لعلاقته بالمُحيطين به نجد (الثبات) بل الزيادة في مكانة المحبوبة في قلبه، وفي مُقابل الأبيات التي يُشير فيها إلى حرصه على قطع علاقاته مع أصحاب المصالح، والاحتماء والتحصُن ضد (الأصحاب) و(الأقارب) في المقطع الأول يقول في الثاني:

الهوى سجن العشاشيق وأنا لك سجين

وودي إن سجني مؤبد ولي حارس وقيد

نجد في هذا البيت رغبة مُعاكسة للرغبة الأولى في وضع الحواجز التي تحول بينه وبين أصحاب العلاقات الواهية، إذ يتمنى هنا إقامة حواجز وقيود تمنحه التفرد بالمحبوبة وزيادة المسافة بينه وبين أولئك الذين أشار إليهم في المقطع الأول من القصيدة..!


خالد المري

،



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 9
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا


مختارات من الأرشيف