ذات صباح من الشهر الماضي وقف قاسم الملاخ أحد الممثلين المشاهير في العراق قرب موقف فارغ مترب للسيارات يقع في جزء خطر من جنوب بغداد. كان الملاخ يرتدي بدلة سوداء نظيفة وربطة عنق وإلى جانبه وقفت الممثلة المشاركة له نجم السلطاني وهي في ثوب زفاف ناصع البياض.

الملاخ ونجم كانا يقومان بتصوير الحلقة الأخيرة من مسلسل« حب وحرب» الذي يحظى بشعبية جارفة في العراق. وقد فرغ بطلا المسلسل الملاخ (فوزي) ونجم (فاتن)لتوهما من عقد قرانهما بعد قصة حب طويلة متعبة.

والآن جاء وقت تصوير المشهد الأخير و معه جرعة صغيرة من الواقع العراقي. وكرت عدسات الكاميرات لتركز على السيارة التي تحمل العريسين وهما في طريقهما إلى قضاء شهر العسل. وبإشارة من المخرج تنفجر السيارة لتخلف سحباً كثيفة من اللهب والدخان الأسود بلغت عنان السماء.

آه، سقط فوزي وفاتن مثل العديد من العراقيين ضحية لهجوم نفذه انتحاري لا يقيم حرمة للحياة. وتعد الحلقة التي ستبث في يونيو القادم هي الأخيرة في المسلسل الذي شد إليه العراقيين منذ بدء عرضه لأول مرة العام الماضي. ويعد مسلسل«حب وحرب» كوميديا سوداء تناسب أجواء العراق حيث يموت عدد من الشخصيات في التفجيرات بينما يتعرض البعض الآخر للخطف ولا تخلو خلفيته غالباً من صور الدبابات والمروحيات.

وقال المخرج والكاتب جمال عبد الجاسم «المسلسل يهدف إلى تصوير المناخ الحقيقي للحياة في العراق حيث يمكن أن تتعرض للخطف في أي وقت أو تزهق روحك قنبلة ماكرة . تلك هي حياتنا». وإلى حد ما يعتبر المسلسل شاهد على الحريات الجديدة التي يتمتع بها الفنانون العراقيون. تحت حكم صدام حسين كانت هنالك سيطرة تامة على التلفزيون وصناعة السينما وكان المخرجون يتحاشون إي تلميحات أو إشارات يفهم منها النقد للوضع القائم كما قال عبد الجاسم الذي دخل صناعة العروض التلفزيونية والأفلام في عام 1980

ولكن المسلسل تجاهل الثمن الذي دفعه العراق من اجل نيل حريته. وقد بدأ المسلسل بفوزي وفاتن وهما يقفان على كبري الجادرية في بغداد قبل ساعات من بدء القصف الأمريكي في مارس 2003 . وكانت فاتن تقول في ذلك المشهد: هل هنالك احتمال بان تحرق بغداد الجميلة؟ وماذا عن حبنا؟.

ويرد عليها فوزي وهو يمسك بيدها: بغداد ستبقى حتى ولو كانت هنالك حرب، بينما راحت الموسيقي تصدح خلفه. وتلى ذلك عرض بطيء لقصف بغداد والدمار الذي لحقها بعد الحرب بينما راح صوت يغني بمجدها الغابر.

حتى اللحظات الكوميدية في المسلسل لم تخلو من العنف. وكان عبد الجاسم يلجأ أحيانا خلال تصوير المسلسل لتركيز عدسته على حالة استيقاظ الجنود الأمريكيين مذعورين لوجود آلات التصوير والممثلين والممثلين الثانويين وسطهم.وكان يوجه عدسته في أحوال كثيرة نحو الجنود أو المروحيات ليضمنها في كادر المشهد. وقال الملاخ(60 عاماً) والذي يلعب دوراً اصغر من سنه بخمسة عشر عاما «في الدول الأخرى يكلف استخدام دبابة أو مروحية آلاف الدولارات ولكننا هنا نحصل عليها مجاناً».

ويركز المسلسل على فوزي وهو رجل عراقي يكافح للقيام بالشيء الصحيح تحت ظروف شاقة مرهقة. وفي حلقة من الحلقات الأولى يكتشف فوزي من خلال عمله في مقسم حكومي للهاتف بان عصابة من المختطفين تخطط لاختطاف طفل صغير يسكن في الجوار. وسارع فوزي إلى منزل الطفل ليحذر والدته التي طردته من منزلها. وبعد وصول الخاطفين بوقت قصير وتنفيذهم لعمليتهم أشارت الأم إلى فوزي باصبع الاتهام. ولكن فقط بعد ان زج به في السجن صدقت الشرطة رواية فوزي وبمساعدة منه تمكنت من الوصول إلى المجرمين الحقيقيين.

وتعمل فاتن في مستشفى للصحة النفسية الذي هجره الكثير من العاملين به بعد الغزو في عام 2003 وظلت تكافح من اجل العناية بالمرضى بمساعدة من الفئة القليلة الباقية من العاملين. وتنتمي فاتن لعائلة ثرية وتدور معظم الحبكة حول جهود والدتها لمنعها من الزواج من فوزي الفقير.

وتعود شعبية المسلسل في جزء منها في تقديمه لأبطال من أصحاب القلوب الرحيمة في عالم من الوحشية والعنف.

وليس «حب وحرب» المسلسل الجديد الوحيد الذي يعرض الواقع العراقي فهنالك مسلسل «الحواسم» وهو المصطلح الذي اخذ العراقيون في استخدامه للصوص الذين قاموا بنهب بغداد بعد ان سماها صدام ب«المعركة الحاسمة». ومسلسل «الرحيل» عن الأشخاص الذين قاموا بنهب الآثار العراقية.

وقال المخرج عبد الجاسم بأنه لن تكون هنالك سعادة تنظر البطلان فوزي وفاتن ولهذا قام بقتلهما لانه يريد الانتقال لمواضيع أخرى تشمل إخراج مسلسل جديد عن قصة «البخيل» لمولير في بغداد ما قبل الحرب.

٭ (نيو يورك تايمز)