الولايات المتحدة أو إمبراطورية العصر لم تقصر توسعها الإمبريالي في العالم على الجيوش والقوة العسكرية , بل كان يجاور هذا ويدعمه ويمهد له الطريق جيوش الظل أو مايسمى ( القوة الناعمة) , وهو مصطلح اطلقه (جوزيف ناي ) مساعد وزير الدفاع الأمريكي في عهد الرئيس كلينتون وجعله عنواناً لكتاب يفسر فيه مصطلح القوة الناعمة بقوله (إن اسرار أسلحة القوة الناعمة متاحة ومعروضة فهي تجعل الاخرين يعجبون بُمثلك وتغريهم مبادئك وتخلق لنفسك جاذبية بدرجة ما تعجز الاسلحة الدموية عن ان تتحصل عليها إضافة إلى كونها قوة تستمر الى أمد بعيد).

الولايات المتحدة مابرحت تكرس مفهوم الحكومة الكونية أو المركزية التي تستطيع عبر شبكة تقنية تشمل العالم ، وعبر إعلام موجه أن تستقطب الاتباع أو المعجبين لجميع ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن .

إذ لم تعد الجيوش الحديثة بحاجة لأن ترسل العيون والجواسيس لتقصي أحوال العالم ورفع التقارير, فالعالم تحول إلى صيغة رقمية جعلت من الدول سهلا منبسطا متاحا مباحا للغزو الناعم وللفضول العسكري وللمعرفة والتقصي وكل مايخدم الطموحات الإمبريالية للإمبراطورية .

على سبيل المثال لقياس الميول والأفكار والتوجهات يبدو موقع( youtube( مثاليا لهذا الغرض من حيث كونه يرصد بشكل حي وطازج جميع تفاصيل الحياة اليومية في دول بعينها ,بكل همومها وآمالها وتطلعاتها في منطقة يمثل الشباب فيها مايربو على 60% من تعداد السكان, أيضا موقع الفيس بوك باستطاعته أن يعكس التيارات والتوجهات التي تتحكم بالرأي العام , إضافة إلى الميول والأذواق ليس فقط في النواحي التي تهم الساسة وأساطين الحرب, بل للشركات العابرة للقارات والتي تظل في حالة ترقب دائم للبحث عن أسواق عالمية لتصريف منتوجاتها .

وفي بحث تحت عنوان مستقبل التنمية في العالم العربي يذكر د. الهيتي (أن الشركات العابرة للقارات لديها استثمارات في العالم العربي عام 2003 تربو على 559 مليار دولار).

ومع الثورات العربية أو مايسمونه بالربيع العربي , وعندما هددت هذه النوافذ الواسعة (والتي لاتخضع لإعلام مؤدلج) بالإغلاق كما حدث في مصر آنذاك قطع النظام المصري السابق الاتصالات تماما , وهو الأمر الذي يقوم به النظام السوري في الوقت الحالي , لذا ولتجاوز حالات الرقابة والحجز نشرت مجلة النيويورك تايمز هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة تمول مشاريع لإنشاء شبكات مستقلة للهاتف المحمول لإتاحة الاتصالات اللاسلكية على مساحة واسعة مع وصلة إلى شبكة الإنترنت العالمية . فوزارة الخارجية الأمريكية تمول بمبالغ هائلة إنشاء الشبكات (الشبح) أو شبكات الظل التي من شأنها تمكين الناشطين من التواصل خارج نطاق الحكومات في بلدان مثل إيران وسوريا وليبيا.

وبحسب المجلة فقد كانت وزارة الخارجية الأمريكية والبنتاغون قد أنفقا مالايقل عن 50 مليون دولار لإنشاء شبكة الهاتف المستقلة في أفغانستان باستخدام الأبراج المحمية في القواعد العسكرية , وهو الأمر الذي يهدف إلى تطويق طالبان تقنيا .

الولايات المتحدة ستظل بحاجة إلى العالم ومَواطن نفوذها والمفاصل الاستراتيجية لقواعدها وأسواق لبضائعها لذا لابد أن تظل في حالة اتصال ناعمة ودائمة مع شعوب المنطقة..

القوة الناعمة تماشي الدبابة وتتقدم على العسكري ولكنها تمتلك نفوذا وتأثيرا يفوقهما بمسافات ضوئية..