هناك بعض الكلمات التي قد تصيبنا أحياناً بالحساسية، ربما لأنها عائمة، أو لأننا نستخدمها بطريقة خاطئة، فمثلا حين يقف المراهق أمام أبيه أو أمه معاندا أو رافضا الانصياع لأمر ما مبتدئاً كلامه بجملة" هذا من حقي" فإن ردة الفعل من والديه قد تكون رفضَ كل ما يقوله، ووصفه بالعناد والتمرد، بينما لو أنهما تريّثا، وتعاملا مع الموقف بحكمة، وبعد نظر لتمكنا من التصرف مع هذا المراهق "المتمرد" ذي اللسان الطويل بطريقة ذكية تحقق التوازن في تلبية المطالب من الطرفين.. جملة معترضة؛ لقد قرأت الجملة السابقة ووجدت أنها طويلة ومعقدة لكنني سأستمر فنحن في زمن التعقيد!

كل النظم وضعت لحفظ الحقوق، النظام بحد ذاته يفترض فيه أن يعزز احترام الحقوق ويفعّل حمايتها، فمثلا القوانين التجريمية القضائية تجاه السارق، المغتصب، المرتشي وُضعت لحفظ حقوق المعتدى عليه سواء عن طريق العقوبة في حالة حدوث الجريمة، أو منع الجريمة في حالة وضوح العقوبة والصرامة في تطبيق النظام. العقود التي توضح واجبات والتزام كل طرف في معاهدة أو مناقصة أو عقد عمل هي عقود وضعت لحماية الحقوق. حتى الاعراف التعاملية أساسها الآداب الحقوقية، مثلا الالتزام الأدبي بحقوق الجيرة، بعدم التجسس والتلصص على الجيران أو الآخرين هو احترام لحقهم في الخصوصية، وعدم التعدي عليهم تحت مسمى "اللقافة وما شابهها"!

نحن نلتزم عرفياً وقانونياً بآداب وقواعد عامة تحفظ حقوقنا كما تحفظ حقوق الآخرين. في كثير من الأحيان نحتاج لتوضيح هذه الحقوق خاصة حين تكون لدينا فئة يشتبه في أنها قد لا تحصل على حقوقها، أو تجهل هذه الحقوق لظروف ما. فمثلا هناك لائحة لحقوق المرضى تلتزم بها أي مؤسسة تقدم الرعاية الصحية، يفترض أن يعرفها منسوبو المؤسسة الذين يقدمون الخدمة قبل أن يعرفها المريض، فالمريض ولأسباب كثيرة هو الطرف الأضعف في هذه العلاقة لأنه يعاني من المرض، ويجهل أسبابه ويحتاج للعلاج وبالتالي يحتاج لأنْ يعرف حقوقه، وما هي التزامات مؤسسة الرعاية الصحية تجاهه. فهذه اللائحة التنظيمية وضعت للتوضيح وللتنوير ولحفظ الحقوق.

هناك فئات كثيرة في المجتمع تجهل حقوقها، فنحن مثلا قد نوقع عقد عمل بدون أن نقرأ تفاصيل هذا العقد، وماهي التزاماتنا تجاه جهة العمل وما هي حقوقنا عليها، حقوق الأطفال في الرعاية والتعليم وحق النسب هذه أشياء قد نجهلها كأفراد وربما حتى بعض منسوبي الإدارات المعنية التي تتعامل مع هذه الحالات لذلك نسمع عن رفض الأب تسجيل أولاده في بطاقة العائلة، أوحرمان بناته من التعليم أو نقرأ عن ذلك الذي يبيع ابنته القاصر في صفقة زواج لمسن تجاوز الستين. كما أن حقوق المرأة عند الزواج أو عند الطلاق قد تجهلها كثير من النساء، وقد يستغل هذ الجهل كثير من الرجال.

معرفتك بالأنظمة تتيح لك معرفة حقوقك وواجباتك، كما أنها تبعدك عن التفسيرات العائمة للفظة حقوق والتي قد تأخذك يمينا أو يسارا، أو تجعلك تدور حول نفسك حتى تصاب بالدوار.

اقتناع الأفراد والمجتمعات بأن الحقوق ليست وليدة الفكر التمردي ولا الانفلات الاخلاقي يجعلها تعزز ثقافة الحقوق التي تحقق الانضباط والنظام وتعزز فكرة العدل والمساواة، وتبعدها عن تصنيف أي شخص يطالب بهذه الحقوق أو يطرحها للنقاش بأنه يملك لسانا طويلا أو يوصف بأنه شخص مزعج أو شخص يبحث عن المشكلات، فتصبح ثقافة الحقوق سائدة وتكون جزءاً من الوعي الاجتماعي..